قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: ٣٨].
وقال تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ} [الأنعام: ١٦٤].
وقال جل وعلا: {مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت: ٤٦].
وقال: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [غافر: ١٧].
وقال: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: ٣٦].
وقال تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} [الصافات: ٢٤].
أي: أن الحق سبحانه وتعالى يقرر أن كل كائن مسئول عما يفعل ويعتقد.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: ٦].
يعني: مروهم بالخير، وانهوهم عن الشر، وعلموهم وأدبوهم، تقوهم بذلك نارا {وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة} يعني خزنة النار {غلاظ} فظاظ على أهل النار {شداد} أقوياء [تفسير البغوي].
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور: ٢١].
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ: سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [متفق عليه].
قال العلماء: الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه وما هو تحت نظره؛ ففيه أنَّ كل من كان تحت نظره شيءٌ فهو مطالب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته. [شرح النووي على صحيح مسلم].
عن أنس بن مالك وضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهُ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ أَحَفِظَ أَمْ ضَيَّعَ؟!» [رواه ابن حبان].
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ: سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ» [رواه الحاكم].
• المسئولية المجتمعية:
قال تعالى: {وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} [آل عمران: ١٠٤].
وقال سبحانه: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: ١١٠].
وقال تعالى عن مؤمن آل ياسين: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [يس: ٢٠: ٢١].
إنه رجل جاء من أقصى المدينة يسعى لا لغرض، ولا خوفاً على نفسه من فوات صفقة، وإنما لإنقاذ الموقف، وإعلان كلمة الحق، لكن نصيحته لم تصادف أذناً واعية، بل إن سياق القصة ليوحي بأن قومه قتلوه، فهذا رجل واحد جاء يسعى بكل قوته؛ لأنه استشعر أنه مسئول، ويرى أنه ينبغي أن يبلغ هذه الدعوة في وقتها المناسب.
والتعبير بقوله: {يَسْعى} يدل على صفاء نفسه، وسلامة قلبه، وعلو همته، ومضاء عزيمته حيث أسرع بالحضور إلى الرسل وإلى قومه؛ ليعلن أمام الجميع كلمة الحق، ولم يرتض أن يقبع في بيته -كما يفعل الكثيرون- بل هرول نحو قومه؛ ليقوم بواجبه في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر [التفسير الوسيط].
وقال تعالى عن تحمل (نملة) المسئولية تجاه مجتمعها من النمل: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل: ١٨].
يقول الإمام أبو السعود: "كأنَّها لما رأتهُم متوجهينَ إلى الوادي، فرَّتْ منهم فصاحتْ صيحةً، تَنبَّه بها ما بحضرتِها من النملِ لمرادِها، فتبعها في الفرارِ فَشُبِّه ذلك بمخاطبةِ العُقلاءِ، ومناصحتِهم، فأُجروا مُجراهم حيث جُعلت هي قائلةً وما عداها من النمل مقولاً لهم". [إرشاد العقل السليم].
وأخبرنا الله تبارك وتعالى عن مسئولية ذي القرنين فقال: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [الكهف: ٩٥: ٩٦].
أي: الذي مكنني في عمل ما سألتموني من السد بينكم وبين هؤلاء القوم ربي، ووطأه لي، وقواني عليه، خير من جُعلكم والأجرة التي تعرضونها علي لبناء ذلك، وأكثر وأطيب، ولكن أعينوني منكم بقوة، أعينوني بفعلة وصناع يحسنون البناء والعمل. [تفسير الطبري].
فقد تحمَّل المسئولية التي أوكلوها له دون تراخ أو تهاون أو إهمال، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه الفرد المسلم عند تحمل المسئولية في المجتمع.