Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

كيف فسرت نظريات علم النفس إدمان السوشيال ميديا ؟

كيف فسرت نظريات علم النفس إدمان السوشيال ميديا ؟

لم يعد إدمان السوشيال ميديا مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبح قضية نفسية واجتماعية معقدة تتقاطع فيها مفاهيم السلوك، والدافعية، والتعزيز، والإشباع، ويكشف علم النفس من خلال نظرياته المختلفة عن الأسباب الكامنة وراء هذا الارتباط القهري بالعالم الرقمي، موضحًا كيف تحولت وسائل التواصل من أدوات ترفيهية إلى مصادر إدمان سلوكي تسيطر على الانتباه والعاطفة والعلاقات الإنسانية.

التعلم بالملاحظة والتقليد

لقد غيَّرت منصات التواصل الاجتماعي مشهد التواصل العالمي بشكل جذري، إلا أن الاستخدام المفرط لهذه المنصات قد تجاوز حدود الترفيه أو الضرورة ليتحول إلى سلوك مسيطر، يُطلق عليه علميًا إدمان السوشيال ميديا، فهو نمط سلوكي ضار يحمل جميع خصائص الإدمان السلوكي، بما في ذلك أعراض الانسحاب، والتحمل، والتأثير السلبي على العلاقات والأداء الوظيفي والأكاديمي، حيث  تتطلب دراسة هذا التحول الإشكالي التعمق في الأبعاد النفسية الكامن؛ لذلك يمكن تحليل ظاهرة إدمان السوشيال ميديا وتفسيرها كـسلوك ضار ومُستَدام، وذلك بالاستناد إلى نظريات علم النفس التي تكشف عن الآليات المعرفية والسلوكية والدوافع الداخلية التي تقف وراء هذا التعلق القسري بالعالم الافتراضي، مع  التركيز على جوانب مختلفة من السلوك البشري.

  تفسر نظرية التعلم التي طورها ألبرت باندورا، أن الأفراد يتعلمون هذا السلوك القهري من خلال الملاحظة والتقليد ومبدأ التعزيز المتقطع عند بورهوس فريدريك سكينر، فعمليات الإعجاب والتعليق والمشاركة التي يتلقاها المستخدم لا تأتي في أوقات محددة أو بكميات ثابتة، بل تأتي بشكل عشوائي وغير متوقع، هذا النمط من المكافآت هو الأكثر فاعلية في تثبيت السلوك وجعله مقاومًا للانتهاء، مما يدفع الفرد إلى تكرار فحص الهاتف مرارًا وتكرارًا على أمل الحصول على "الدفعة" التالية من الاهتمام والتقدير، ليصبح هذا الفعل عادة يصعب كسرها.

نظرية الإشباع والاستخدام

ومن جانب آخر تقدم نظرية الإشباع والاستخدام، والتي قام بتنظيرها إيليو كاتز إطارًا مهمًا لفهم إدمان السوشيال ميديا؛ حيث يفترض هذا الإطار أن الأفراد يستخدمون وسائل الإعلام لتلبية احتياجات ودوافع محددة، حيث  يسعى المستخدمون إلى تحقيق دوافع مثل الحاجة إلى الانتماء، أو البحث عن المعلومات، أو التسلية والترفيه، فعندما يجد الفرد أن هذه المنصات توفر إشباعًا سريعًا ومتاحًا لتلك الحاجات حتى لو كان إشباعًا زائفًا أو سطحيًا، فإنه يعتمد عليها بشكل مفرط.

نظرية الدافع الاجتماعي

أما نظرية الدافع الاجتماعي فتركز على دور الحاجة البشرية الأساسية للتواصل والتفاعل، حيث توفر المنصات وسيلة سهلة ومباشرة لإنشاء الروابط الاجتماعية والمحافظة عليها، مما يعزز الاستخدام المفرط خاصة لدى الأفراد الذين يجدون صعوبة في تكوين علاقات قوية في الواقع.

كما يعد إدمان السوشيال ميديا ملاذًا للعديد من الأفراد لمعالجة مشكلات متعلقة بـالهوية الذاتية وتقدير الذات، فوفقًا لـنظرية الانحراف عن الذات لإدوارد هيغينز، ينشأ التوتر عندما تكون هناك فجوة كبيرة بين الذات الفعلية كيف يرى الفرد نفسه الآن، والذات المثالية كيفت يتمنى أن يكون، لذلك توفر المنصات فرصة لتقديم هوية افتراضية مثالية تحقق شخصيته التي يتمناها، مما يقلل مؤقتًا من هذا التوتر ويعزز الشعور بالقيمة.  

نظرية الهروب من الذات

على جانب آخر، فإن نظرية الهروب من الذات تشير إلى أن الأفراد يلجئون إلى أنشطة تشتت انتباههم عن حالتهم الداخلية السلبية أو عيوبهم المدركة في الواقع، وتعد التفاعلات اللامتناهية على السوشيال ميديا وسيلة فعالة للهروب من المشاعر المؤلمة أو الملل؛ حيث تؤدي هذه الآليات النفسية في النهاية إلى آثار ضارة خطيرة، أبرزها زيادة القلق والاكتئاب والوحدة النفسية نتيجة المقارنة الاجتماعية المستمرة والتركيز على حياة الآخرين المثالية المضللة، فمن منظور النموذج المعرفي السلوكي عند آرون بيك، يتم تفسير الإدمان على أنه حلقة مفرغة من الأفكار والمشاعر والسلوكيات تبدأ الحلقة بـأفكار غير عقلانية، تليها مشاعر سلبية، تؤدي إلى سلوك قهري، وهو فحص الهاتف بصورة دورية، والذي يقدم مكافأة فورية قصيرة المدى، ولكنه يعزز المشكلة على المدى الطويل، مما يؤدي إلى تفاقم السلوك الإدماني وتأثيراته السلبية على الحياة اليومية.

الخلاصة

يتضح من تحليل نظريات علم النفس أن إدمان السوشيال ميديا لا ينشأ صدفة، بل يتغذى على مجموعة من الآليات النفسية المعقدة التي تتراوح بين التعلم بالملاحظة، وتعزيز السلوك، وإشباع الدوافع الاجتماعية والنفسية. ومع أن هذه المنصات توفر شعورًا مؤقتًا بالرضا والانتماء، إلا أنها تزرع في الوقت نفسه جذور القلق، والعزلة، والتشتت الذهني، مما يؤكد الحاجة إلى وعيٍ ذاتيٍّ ونظاميٍّ يوازن بين الاستخدام والفصل النفسي عن العالم الافتراضي.