١- العجلة: إنَّ مما يدفع الناس لكسر إشارات المرور العجلة المُفْرِطة، وهذه العجلة مذمومة في كل أحوالها، فقد روى الترمذي عن سهل بن سعد أن النبي -ﷺ- قال: «الأناةُ مِنَ اللهِ، والعَجَلةُ مِنَ الشيطانِ» [أخرجه الترمذي برقم (٢٠١٢)]، ولم يُستثنَ من ذلك إلا ما كان من عمل الآخرة فيما أخرجه أبو داود عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «التُّؤَدةُ في كُلِّ شَيءٍ، إلّا في عَمَلِ الآخِرةِ» [سنن أبي داود (٤٨١٠)]، وفي بعض الأمور التي تُرَاعَى فيها أحوال الناس ومصالحهم كتعجيل الفطر، فعن سهل بن سعد الساعدي أنَّ رَسولَ اللَّهِ -ﷺ- قالَ: «لا يَزالُ النّاسُ بخَيْرٍ ما عَجَّلُوا الفِطْرَ» [صحيح البخاري (١٩٥٧)، أخرجه مسلم (١٠٩٨)]، وكذا في إطعامِ الضيفِ وتجهيزِ الميتِ وتزويجِ البكرِ وقضاءِ الدَّينِ...، وكلِّ ما فيه إسراع بخير أو مَكْرُمة.
أما العجلة في السير في طُرُقٍ الناس فهي مذمومة لعواقبها السيئة على صاحبها والمارة والطريق، وكان من حرص النَّبيِّ -ﷺ- على ذلك كله أنه (...وقَفَ بعرفةَ وَهوَ مُرْدِفٌ أسامةَ بنَ زيدٍ فقالَ: «هذا الموقِفُ وَكُلُّ عَرفةَ موقفٌ»، ثمَّ دفعَ يَسيرُ العَنَقَ، وجعلَ النّاسُ يَضربونَ يَمينًا وشِمالًا، وَهوَ يلتَفتُ ويقولُ: «السَّكينةَ أيُّها النّاسُ السَّكينةَ أيُّها النّاسُ» حتّى جاءَ المزدلِفةَ...)، [أخرجه أبو داود (١٩٣٥) مختصرًا، والترمذي (٨٨٥) باختلاف يسير]، حتى عند الذهاب للصلاة يأمر النبي -ﷺ- بترك العجلة فيقول: «إذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فلا تَأتُوها وأنتُمْ تَسعَونَ وائتوها وأنتُم تَمشُونَ وعليكُمُ السَّكينَةُ فما أدرتكم فَصلُّوا وما فاتَكُم فأتِمُّوا» [أخرجه البخاري (٦٣٦)، ومسلم (٦٠٢) باختلاف يسير].
والمتعجل في القيادة، أو العبور راكبًا أو ماشيًا قد يتسبب في فَقْدِ حياته، أو إفقاد غيره حياتهم، فهو -بين جريمتين- إمَّا منتحر وإمَّا قاتل، والله تعالى يقول: {وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا} [النساء: ٢٩]، ويقول سبحانه: {مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا} [المائدة: ٣٢]، وإذا كان إجهاد حيوان ولو بالعمل -كما جاء في قول النبي -صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَبُّ هذا الجملِ؟ لمن هذا الجملُ؟» فجاء فتًى من الأنصارِ، فقال: لِيَ يا رسولَ اللهِ، فقال: «أفلا تتَّقي اللهَ في هذه البهيمةِ التي ملَّكَك اللهُ إياها فإنَّهُ شكا إليَّ أنك تُجيعُه وتُدْئِبُه» [أخرجه أبو داود (٢٥٤٩)، والحاكم (٢٤٨٥) واللفظ لهما، وأحمد (١٧٤٥) باختلاف يسير]، أو إزهاق روحه، كقوله -صلى الله عليه وسلم: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النّارَ في هِرَّةٍ رَبَطَتْها، فَلَمْ تُطْعِمْها، ولَمْ تَدَعْها تَأْكُلُ مِن خَشاشِ الأرْضِ» [ صحيح البخاري (٣٣١٨)، ومسلم (٢٢٤٢)]- يُدخِل العبدَ النارَ فكيف بمن يصنعه مع الإنسان.
٢- الأنانية الممقوتة: فالمخالف لا يرى إلا نفسه، ولا يُقَدِّر إلا ظروفه، ويقدِّم منفعتَه الشخصية على المنفعة العامة -تحقيق السلامة المرورية- فيندفع بسيارته، أو على قدميه ليكسر القيم والحقوق بكسره لإشارة المرور، وهذه الأنانية قد حاربها الإسلام بِذَمِّهَا والدعوةِ إلى رعاية الآخرين فقال تعالى: {وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٌ} [الحشر: ٩]، ويقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» [صحيح البخاري رقم (١٣)، وصحيح مسلم رقم (٤٥) باختلاف يسير]. هذه الأخلاق السامية هي أخلاق المسلم الحق والمواطن الصادق في حبه لوطنه أيَّمَّا كان اعتقاده أو ثقافته، بل كانت الأنانية فكرة شيطانية، وهي التي دفعت إبليس لمعصية الله -تعالى- حينما أُمِرَ بالسجود لآدم -عليه السلام- قال -تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٌ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ} [الأعراف: ١٢].
٣- التهاون وعدم الشعور بالمسئولية: لو أدرك كل مخالف لإشارات المرور -راكبًا، أو مترجِّلًا- ما يترتب على مخالفته هذه من نشرٍ للفوضى والاعتداءِ على حقوق الآخرين، وإفسادٍ للنظام المجتمعي؛ لامتنع عنها، وقد وضع الإسلام المجتمع بأسره كلًا أمام مسئوليته، فقال تعالى: {وَقِفُوهُمۡۖ إِنَّهُم مَّسۡـُٔولُونَ} [الصافات: ٢٤]، وقال تعالى: {فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ * وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ} [الزلزلة: ٧-٨].
٤- تقليد المخالفين لإشارات المرور: ربما أصاب الإعجابُ بالمخالفين لإشارات المرور بعضَ الشباب، أو ربما دفعت كثرةُ المخالفين بعضَ المُلتزمين إلى تقليدهم بدعوى أن الجميع يكسرها -إشارة المرور- حتى يقول لنفسه القولة الشيطانية المشهورة: "هي جت عليه"، ويعجز أن يرى قول الله -تعالى- {قُل لَّا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّآ أَجۡرَمۡنَا وَلَا نُسۡـَٔلُ عَمَّا تَعۡمَلُونَ} [سبأ: ٢٥]، وقوله -تعالى: {فَٱلۡيَوۡمَ لَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗا وَلَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} [يس: ٥٤].