علم الفلك هو بوابة الإنسان لفهم أسرار الكون، يدرس المجرات والنجوم والكواكب والمذنبات، وقد أسهم العرب والمسلمون بشكل بارز في تطويره وتنقيته من الخرافات.
علم الفلك هو بوابة الإنسان لفهم أسرار الكون، يدرس المجرات والنجوم والكواكب والمذنبات، وقد أسهم العرب والمسلمون بشكل بارز في تطويره وتنقيته من الخرافات.
علم الفلك لغة: المدار الذي يسبح فيه الجِرم السماوي.
واصطلاحًا: علم يتناول دراسة المجرات البعيدة، والمذنبات والشهب والنيازك والنجوم والكواكب، أو مجموعات النجوم، ويبحث فيه الفلكيون عن جوهر الكون، مستخدمين أعينهم أو المنظار الثنائي أو التلسكوب أو سفن الفضاء.
ويتميز علم الفلك: بأنه العلم الذي ليس له حد يفصل بين الهواة والمحترفين؛ بل إنه في أحيان كثيرة تكون لمعلومات الهواة فائدة كبرى للفلكيين في أبحاثهم.
وبالنظر إلى مجموعات النجوم في الفضاء، نجد أن كل مجموعة لها حدود ونجوم متألقة، ونجوم أقل تألقًا، ونجم كبير.
والآن يتعرف الفلكيون على ٨٨ مجموعة في السماء، تقع ٤٤ منها في النصف الشمالي للسماء، و٤٤ في النصف الجنوبي.
وعلى مر العصور، كان للثقافات المختلفة اهتمامات بمجموعات نجوم خاصة بها، وللتعرف على هذه المجموعات يجب النظر إلى السماء عندما يكون القمر محاقًا، ومع استمرار التحديق في أي مجموعة نلاحظ حركتها من الشرق الى الغرب نتيجة لدوران الأرض حول محورها.
وعندما ننظر إلى السماء تظهر لنا على هيئة نصف كرة، ولكنها في الحقيقة كرة كاملة، تسمى القبة السماوية، وتحيط بالكرة الأرضية.
ويظهر لنا القمر والنجوم والكواكب والمجرات -وكل ما هو موجود في الكون- كأنه متصل بهذه القبة السماوية.
وكما يتم تحديد الأماكن على سطح الأرض بخطوط الطول والعرض، يتم تحديد مواقع الأجسام السماوية بعنوان مشابه، وهما خط الطول وزاوية السمت.
ونظرًا للعدد الهائل للنجوم، فإنه من الصعب جدًا إيجاد المسافات بينها، ولكن أقصى ما يمكن عمله هو إيجاد المسافات بين أنواع مميزة من النجوم، أو المسافات التي تفصل بين النجوم في منطقة صغيرة، فإذا جمعنا هذه البيانات أمكن وضع تصور قريب من الواقع لأبعاد الكون.
وقد بدأ اهتمام الإنسان بعلم الفلك منذ خلقه الله، وقد قام بملاحظة القمر منذ فجر التاريخ، وكان يقدسه أحيانًا ويدرسه أحيانًا أخرى، ومنذ عام ١٩٦٩م بدأ يمشى على سطحه، كما قام بجمع عينات من حجارته.
ولقد كان للعرب والمسلمين دور كبير في تقدم علم الفلك، إذ كانت بعض مسائله مما يطالب المسلم بمعرفتها، كأوقات الصلاة التي تختلف بحسب الموقع، وتتغير من يوم إلى يوم، وفوق ذلك فاتجاه المسلمين إلى الكعبة في صلواتهم يستلزم معرفتهم سمت اتجاه القبلة، وكذلك هلال رمضان، والصوم، وغيرها من أحكام الشريعة.
وبدأ اهتمام العرب والمسلمين بترجمة كتب الفلك في العصر الأموي، بدءًا بكتاب "عرض مفتاح النجوم" المنسوب إلى هرمس الحكيم، ثم بعد ذلك كتاب "السند هند الكبير" الذي اختصره الخوارزمي (ت: ٢٣٢هـ - ٨٤٦م) فيما بعد، وكتاب "الأربع مقالات في صناعة أحكام النجوم" لبطليموس، الذي نقله أبو يحيى البطريق (ت: ٢٠٠هـ /٨١٥م)، وكتاب "المجسطي" لبطليموس، والذي شارك في شرحه ونقله وإصلاح أغلاطه عدد من الفلكيين العرب مثل النيريزي (ت: ٣١٠هـ - ٩٢٢م)، والبوزجاني (ت: ٣٨٨هـ - ٩٩٨م)، والبيروني (ت: ٤٤٠هـ - ١٠٤٨م)، والطوسي (ت: ٦٧٢هـ - ١٢٧٤م)، والشيرازي (ت: ٧١٠هـ - ١٣١١م)، ثم بعد ذلك أسهم علماء الفلك العرب بمؤلفاتهم القيمة مثل "ما شاء الله" الذي ألف في الإسطرلاب ودوائره النحاسية، ويحيى بن أبي منصور الذي وضع زيجًا (جدولًا) فلكيًا مع سند بن علي.
وفي عهد الخليفة المأمون ألف موسى بن شاكر وأحمد بن عبد الله بن حبش أزياجًا (جداول) في حركات الكواكب.
وقد قام علماء الفلك في عهد المأمون بتقدير محيط الأرض، وتوصلوا لقيمة تقترب من القيمة الحقيقية، كما وضع البيروني نظرية بسيطة لتقدير محيط الأرض، ودقق الفلكيون العرب في حساب طول السنة الشمسية، وأخطأوا في حسابهم بمقدار دقيقتين و٢٢ ثانية، ويعود سبب الخطأ إلى اعتمادهم على أرصاد بطليموس.
وقد توصل البتاني (ت ٣١٧هـ - ٩٢٩م) إلى تقدير بعد الشمس عن الأرض، بأنه يساوي ١٠٧٠ مرة مثل نصف قطر الأرض، وهذه النتيجة قريبة من القيمة الحقيقية.
وقد وضع الصوفي (ت عام ٣٧٦هـ - ٩٨٦م) جداول دقيقة لبعض النجوم الثوابت، وكان أول من أشار في عام ٩٦٤م إلى التجمع النجمي أندروميدا، ووصفه بأنه سحابة صغيرة، وظلت هذه الحقيقة قائمة حتى وضع عالم الفيزيقا المعاصر واينبرج أفكاره عن الثلاث دقائق الأولى في عمر الكون عام ١٩٧٧م.
ويمكن تلخيص فضل العرب والمسلمين على علم الفلك، بأنهم نقلوا الكتب الفلكية عن اليونان والفرس والهنود والكلدان والسريان، وصححوا بعض أغلاطها، وتوسعوا فيها، وهذا عمل جليل -لا سيما- إذا عرفنا أن أصول تلك الكتب قد ضاعت، ولم يبق منها غير ترجماتها العربية، وعن هذه الترجمات نقل الأوروبيون أصول علم الفلك كما هي، وقد أضاف العرب اكتشافات قطع بها علم الفلك شوطًا كبيرًا، ويذكر أن نصف أسماء النجوم هي من وضع العرب، ولاتزال مستعملة بلفظها العربي في اللغات الأجنبية.
كما يشهد للعرب أنهم جعلوا علم الفلك علمًا استقرائيًا يعتمد على المشاهدات، كما أنهم قد طهروا علم الفلك من أدران التنجيم.
وقد تطور علم الفلك في عصر النهضة تطورًا كبيرًا؛ فقد كان العلماء في التاريخ القديم -منذ بطليموس في القرن الثاني الميلادي- يعتبرون أن الأرض مركز العالم، ويقول علماء الغرب أن هذا الاعتقاد ظلَّ سائدًا لمدة أربعة عشر قرنًا، حتى اقترح الفلكي البولندي كورنيقوس (١٤٧٣ - ١٥٤٣م) أن الأرض والكواكب تدور في مسارات دائرية حول الشمس، ثم قام الفلكي الدنماركي تيكوبراها (١٥٤٦ - ١٦٠١م) بإجراء قياسات فلكية على مدار عشرين عامًا، كانت الأساس الذي بنى عليه نموذج للمجموعة الشمسية.
وبعد ذلك قام الفلكي الألماني تبلر (١٥٧١ - ١٦٣٠م) بوضع قوانينه الثلاثة لشرح الحركة الكوكبية، وفي عام ١٩٢٩م توصل العالم الأمريكي هارلوشيبلي (١٨٨٥ - ١٩٧٢م) إلى أن شكل المجرة مفلطح، وتشبه ساعة المعصم، وتحتوي على النجوم والسدم والسحب النجمية، وأن الشمس والكواكب لا تقع في مر كزها، وأن رحلة الضوء من مركز المجرة في اتجاه حدودها -حيث الشمس والنجوم المرئية- تبلغ أكثر من خمسين ألف سنة.
وفي عام ١٩٧٧م (نشر عالم الفيزيقا ستيفن واينبرج المولود في ١٩٣٣م) الحائز على جائزة نوبل في الفيزيقا كتابًا بعنوان "الدقائق الثلاث الأولى"، يشرح فيه فكرة أصل الكون القائمة على أساس نموذج الانفجار العظيم، المبني على عدد كبير من نتائج التجارب العملية الفيزيقية المختلفة، كما تعتمد الفكرة على أن الكون في تمدد مستمر.
وكان الفلكي توماس رايت قد قال عام ١٧٥٠م: "منذ أن كانت الخليقة فإن الخالق نفسه يتجلى في كل ما حولنا، فإننا نستطيع أن نقرر أن هناك ١٧٠ مليون عالَم مسكون في مجرتنا في هذا الخلق الكوني العظيم، فإن كارثة عالم مثل عالمنا أو حتى الاختفاء التام لعدد من النظم الكونية قد يكون ممكنًا لمؤلف الطبيعة العظيم تمامًا، كإمكانية حدوث حادث لحياة أحدنا".
وقد ذكر العالم الباكستاني محمد عبد السلام أنه أنهى حديثه عند استلامه جائزة نوبل في الفيزيقا بالآيتين التاليتين: قال تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗاۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلۡقِ ٱلرَّحۡمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٖۖ فَٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ هَلۡ تَرَىٰ مِن فُطُورٖ * ثُمَّ ٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ كَرَّتَيۡنِ يَنقَلِبۡ إِلَيۡكَ ٱلۡبَصَرُ خَاسِئٗا وَهُوَ حَسِيرٞ} [الملك: ٣، ٤].
مراجع للاستزادة:
١- تاريخ الفلك عند العرب د / إمام ابراهيم أحمد.
٢- الجغرافيا الفلكية - شفيق عبد الرحمن علي، دار الفكر العربي سنة ٩٧ ٥١٣-
٣- الطبيعة الجوية د/ محمد جمال الدين الفندي - الكويت سنة ١٩٧٧م.
٤- تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك - قدري حافظ طوقان - دار القلم سنة ١٩٦٣م - القاهرة.
يتناول علم الفلك دراسة المجرات البعيدة، والمذنبات، والنيازك، والنجوم، والكواكب، سعيًا لفهم جوهر الكون. بدأ اهتمام الإنسان به منذ القدم، وأسهم العرب والمسلمون في نهضته عبر ترجمة الكتب الفلكية من اليونان والفرس والهنود والكلدان والسريان، وتصحيح أخطائها، وتوسيع معارفها. تميزوا بجعل الفلك علمًا استقرائيًّا قائمًا على المشاهدة، ونقوه من التنجيم، مما جعل إسهامهم حجر أساس في تطور هذا العلم عالميًا.