Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

السخرية والاستهزاء (ما بين جرح الكلمة ونهي الشريعة)

الكاتب

هيئة التحرير

السخرية والاستهزاء (ما بين جرح الكلمة ونهي الشريعة)

السخرية والاستهزاء تهدم القيم وتفسد العلاقات، بينما الكلمة الطيبة تحفظ الكرامة وتبني جسور المودة والتآلف.

تمهيد

تُعدّ الكلمة من أعظم النِعم التي أنعم الله بها على الإنسان، فهي وسيلة للتعبير، والتواصل، وبناء العلاقات، وكسب الحسنات، لكنّ هذه النعمة العظيمة قد تتحوّل إلى نقمة إن استخدمت في غير موضعها، أو وُجّهت نحو إيذاء الآخرين والتقليل من شأنهم، ومن أخطر صور الإيذاء اللفظي التي نهت عنها شريعتنا الغرّاء: السخرية والاستهزاء.

تحريم السخرية والاستهزاء في القرآن الكريم

لقد جاء القرآن الكريم واضحًا وصريحًا في تحريم السخرية والاستهزاء بالآخرين، وذلك لما لها من آثار سلبية على الفرد والمجتمع ، فهي تقوّض أواصر المحبة والأخوة، وتُشعل نار العداوة والبغضاء، وتُورث القلوب الضغينة ، وقد خصّ الله تعالى هذه الظاهرة القبيحة بالذكر في سورة الحجرات، حيث قال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ} [الحجرات: ١١]   فهذه الآية الكريمة تبين  بشكل جليّ النهي عن سخرية الرجال من الرجال، والنساء من النساء، مؤكدة على إمكانية أن يكون المسخور منه أفضل عند الله، كما تشمل الآية النهي عن "اللمز" وهو العيب والطعن، و"التنابز بالألقاب" وهو مناداة الشخص بلقب يكرهه أو يسيء إليه ،  ويُشدّد الله تعالى على أن هذه الأصناف من السلوكيات تُعدّ "فسوقًا" بعد الإيمان، وأنّ من لم يتب منها فهو من الظالمين .

ولم يقتصر النهي على السخرية بين المسلمين وحسب، بل امتدّ ليشمل النهي عن السخرية من غير المسلمين أو حتى من آيات الله ودينه. قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ} [الأنعام: ٦٨].

وغيرها من الآيات التي تنهى عن الاستهزاء بالدين وشرائعه ورسله، كقوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ * لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ} [التوبة: ٦٥-٦٦].

التحذير من السخرية والاستهزاء في السنة النبوية

 لم تكتفِ الآيات القرآنية بتحريم السخرية والاستهزاء، بل جاءت الأحاديث النبوية الشريفة لتعمّق هذا المعنى وتُبيّن عواقب هذه الآفة الخطيرة،  فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - القدوة الحسنة في التعامل مع الناس، فلم يكن يسخر من أحد، ولم يكن يُشير إلى عيوبهم، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بحَسْب امْرئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أخَاهُ المُسْلِمَ »(رواه مسلم) ،  فهذا الحديث يُبيّن أن احتقار المسلم لأخيه المسلم كافٍ ليكون ذنبًا عظيمًا، والسخرية هي من أبرز صور الاحتقار، وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قلت للنبي - صلى الله عليه وسلم - : حسبك من صفية كذا وكذا - تعني قصيرة - فقال: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ» (رواه الترمذي وأبو داود) ،فهذا الحديث يُظهر مدى خطورة الكلمة المسيئة، حتى وإن بدت بسيطة في نظر قائلها، فالكلمة التي تُؤذي مشاعر الآخرين لها تأثير عظيم وسلبي.

كما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تتبع عورات المسلمين والسخرية منها، فعن ابن عمر - رضي الله عنهما -قال: «صَعِدَ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم - الْمِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ» لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ» (رواه الترمذي)  فيُحذّر هذا الحديث من تتبع عورات المسلمين والسخرية منها، ويربط ذلك بوعيد شديد من الله تعالى لمن يفعل ذلك.

الإسلام دين الأخلاق الحسنة والتعامل الطيب بين الناس

إنّ الإسلام دينٌ يُعلي من قيمة الأخلاق الحسنة والتعامل الطيب بين الناس، وهو دينٌ يبني ولا يهدم، يجمع ولا يفرّق، فبدلًا من السخرية والاستهزاء التي تُدمّر القلوب وتُفسد العلاقات، دعانا الإسلام إلى الكلمة الطيبة، التي تُؤلّف القلوب وتُصلح النفوس، فلنتذكر دائمًا أنّ لكل إنسان كرامته التي يجب أن تُصان، وأنّ القلوب أوعية، والكلمات فيها سهام. ولتكن ألسنتنا لينةً بالخير، تُعلي من شأن الآخرين وتُعزّز من قدرهم، لا أن تُقلّل منهم وتُسقطهم، فالمؤمن الحقيقي هو من يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويُعامل الناس بما يُحب أن يُعامَل به.

فهل نُدرك قيمة الكلمة، ونُدرك خطورة السخرية، لنسعى دائمًا إلى أن تكون ألسنتنا مفتاحًا للخير، لا مغلاقًا له؟

الخلاصة

السخرية والاستهزاء من السلوكيات المحرّمة في الإسلام لما لها من آثار سلبية على الأفراد والمجتمع، وقد نهى عنها القرآن الكريم بشدة واعتبرها من الفسوق، كما حذّر النبي – صلى الله عليه وسلم - في أحاديثه من احتقار الآخرين وتتبع عيوبهم، وبيّن خطورة الكلمة الجارحة، ويدعو الإسلام إلى استخدام الكلمة الطيبة واحترام كرامة الآخرين، تحقيقًا للأخلاق الفاضلة والتآلف بين الناس.

موضوعات مختارة