Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

حرمة السباب والشتائم في الإسلام

الكاتب

هيئة التحرير

حرمة السباب والشتائم في الإسلام

يحذر الإسلام استخدام الشتائم، لما فيها من انتهاك لكرامة الإنسان وتدمير للعلاقات الاجتماعية، ورغّب في الكلمة الطيبة التي هي جوهر الأخلاق ومفتاح المحبة، بينما الشتائم تُعد من الفسوق والظلم الذي يناقض الإيمان، وتتنوع أشكال الشتائم مثل السخرية والتنابز، ولها آثار نفسية ومجتمعية خطيرة كزرع الكراهية وفقدان الثقة، والوقاية تبدأ من التربية السليمة ونشر الوعي بأهمية ضبط اللسان والتعامل بالحسنى، فالمؤمن الحقيقي يجعل لسانه أداة للخير، لا أداة للإيذاء والفرقة.

تمهيد

إن جوهر الإنسانية يكمن في الكرامة، والكلمة الطيبة هي لغةُ الروح التي تُعلي من شأن هذه الكرامة وتُقيم جسور المودة بين الناس؛ أما الشتائم، فهي سمومٌ تُلقى في الآذان، تُفسد القلوب، وتهدم الروابط، وتُباعد بين النفوس، فهي خروجٌ عن ميزان العدل والرحمة الذي أُمرنا به، وتجاسرٌ على مقام الأخوة الذي دعا إليه ديننا الحنيف.

فلقد جاء الإسلام ليصون كرامة الإنسان، ويحفظ له حقوقه، ويُرسي دعائم الأخوة والمحبة بين الناس، والشتائم تُعدّ انتهاكًا صارخًا لهذه المبادئ السامية، لما فيها من إهانة وتحقير للطرف الآخر، وقد حذرت الشريعة الإسلامية تحذيرًا شديدًا من هذا السلوك المشين، إن السب والشتم ليس مجرد ذَلة لسان عابرة، بل هو تعبيرٌ عن خُلُقٍ سيء، وتجاوزٌ للحدود التي وضعها الله لعباده ، فلقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم سب المسلم فسوقًا، أي خروجًا عن طاعة الله ودائرة الإيمان الكامل، ففي الحديث الشريف: « سِبابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وقِتالُهُ كُفْرٌ » (صحيح البخاري)، فالمسلم لا يُفترض أن يكون مَن يسب أو يشتم إخوانه، بل يُفترض أن يكون مصدرًا للخير والسلام، فكيف يتسنى للمرء أن يدعي الإيمان وهو يؤذي الناس بأقبح الألفاظ؟

منزلة الكلمة الطيبة في الإسلام

لقد حثنا الإسلام على الكلمة الطيبة، وجعلها صدقةً يؤجر عليها العبد، بينما حذر من الكلمة الخبيثة التي لا تجلب إلا الوبال على صاحبها، يقول الله تعالى واصفًا الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} [إبراهيم: ٢٤-٢٦].

فالشتائم كلماتٌ خبيثةٌ لا قرار لها في الخير، ولا نفع فيها، بل هي تزرع العداوة والبغضاء، وتُحرق القلوب كما تُحرق النار الحطب، وفي المقابل، نجد الكلمة الطيبة نورًا يضيء القلوب ويهدي العقول.

أشكال الشتائم

إن الشتائم تتخذ أشكالًا متعددة، منها اللمز (العيوب) والتنابز بالألقاب المسيئة، وقد نهى الله تعالى عن ذلك نهيًا صريحًا لما فيه من إيذاء لمشاعر الناس وتحقير لشأنهم. يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: ١١] ، تُبين الآية أن السخرية واللمز والتنابز بالألقاب هو من الفسوق والظلم، وهو ما لا يليق بالمؤمن الذي يحترم ذاته ويُقدر الآخرين، فلقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن بأنه ليس بفاحش ولا بذيء، ففي الحديث الشريف:  « ليسَ المؤمنُ بالطَّعَّانِ ولا اللَّعَّانِ ولا الفاحشِ ولا البذيء» [سنن الترمذي]، فالشتائم هي مظهرٌ للفحش والبذاءة التي تتنافى مع مكارم الأخلاق التي دعا إليها الإسلام، فالمؤمن الحقيقي هو من يتحلى بالأخلاق الفاضلة ويُجمل قوله وفعله.

آثار الشتائم المدمرة على الفرد والمجتمع

لذلك فاستخدام الشتائم ليس مجرد سلوك فردي، بل له آثارٌ مدمرةٌ تمتد لتشمل جوانب متعددة من حياة الفرد والمجتمع، فالشتائم كالأسلحة الحادة، تمزق نسيج العلاقات وتُباعد بين القلوب، وتُحوّل المودة إلى عداوة، والثقة إلى ريبة، فمن يطيق أن يُعامل بالشتائم؟ فالكلمات الجارحة تترك جروحًا عميقة في النفس، وقد تكون أشد إيلامًا من الجروح الجسدية، فهي تُسبب الاكتئاب والقلق، وتُفقد الثقة بالنفس، وتُولد شعورًا بالمهانة والذل لدى المتعرض لها، والشتائم تُشعل فتيل النزاعات وتُغذي الكراهية في المجتمع.

فكم من خصومةٍ نشأت من كلمةٍ نابيةٍ، وكم من عداوةٍ استمرت لعقود بسبب ألفاظٍ غير مسؤولة؟ والمتكلم بالشتائم لا يُسيء إلا لنفسه أولًا، فالناس ينفرون منه، ويُحتقرونه، ويفقد ثقتهم واحترامهم، ويصبح سمةً للسوء والخبث في أعينهم فعندما يصبح الشتم أمرًا عاديًا في مجتمع ما، تتحول البيئة الاجتماعية إلى بيئة سامة وغير صحية، تُفقد فيها قيم الاحترام والتعاطف، ويُصبح الجفاء هو السائد.

سُبل مواجهة آفة الشتائم

فيجب أن نتكاتف جميعًا، أفرادًا ومؤسسات لمواجهة تلك الآفة اللعينة،  تبدأ الوقاية من الشتائم من الأسرة والمدرسة، بتعليم الأجيال القادمة قيمة الكلمة الطيبة، وكيفية التعبير عن المشاعر والغضب دون اللجوء إلى الألفاظ النابية، يجب على كل فرد أن يُجاهد نفسه لضبط لسانه والتحكم في غضبه، فالغضب هو مفتاح الشرور، وهو ما يدفع الإنسان إلى قول ما يندم عليه، لذلك فمبدأ الوقاية خير من العلاج وضحه النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: «ليسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّدِيدُ الذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» [صحيح البخاري]، فيجب تنظيم حملات توعوية مُكثفة في المساجد والمراكز الثقافية ووسائل الإعلام، لبيان خطورة الشتائم وآثارها السلبية، وتشجيع الأفراد على التسامح والعفو، يجب أن يكون الكبار قدوة حسنة في استخدام الكلمات الطيبة والتعامل بأسلوب محترم ، حتى في حالة التعرض للشتائم، يجب على المؤمن أن يُقابل السيئة بالحسنة، كما أمرنا الله تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: ٣٤]، فالدفع بالتي هي أحسن يُطفئ نار العداوة ويُحوّل الخصم إلى صديق.

إن اللسان حصانك إن صنته صانك، وإن خنته خانك، فالكلمة هي أمانة، ومسؤولية عظيمة، وكل كلمة نُخرجها من أفواهنا محسوبةٌ علينا، فلنجعل ألسنتنا مفاتيح للخير، لا معاول للهدم، ولنتذكر دائمًا أن ديننا يدعو إلى الرحمة والسكينة، وأن الشتائم تتنافى مع هذه القيم السامية، فلنحرص على أن نكون من الذين ينطقون بالخير ويفعلونه، لننال بذلك رضا الله تعالى ومحبة الناس في الدنيا والآخرة. فهل سنختار أن نكون مصدرًا للسموم في مجتمعاتنا، أم ينابيع للكلمات الطيبة التي تُحيي النفوس وتُقوي الروابط؟

الخلاصة

تحذر الشريعة الإسلامية من الشتائم لما تسببه من انتهاك لكرامة الإنسان، وتدمير للعلاقات الاجتماعية، وتشدد على أهمية الكلمة الطيبة التي تبني المحبة وتعزز الأخلاق، فالشتائم تعد من الفسوق والظلم الذي يناقض الإيمان، ولها آثار نفسية ومجتمعية خطيرة، والوقاية منها تبدأ بالتربية السليمة وضبط اللسان، فالمؤمن يجعل كلامه وسيلة للخير والوحدة.

موضوعات مختارة