الابتعاد عن الاستفزاز والسخرية سلوك نبيل يحافظ على السلم الاجتماعي ويعكس أخلاق المسلم الحقيقية.
الابتعاد عن الاستفزاز والسخرية سلوك نبيل يحافظ على السلم الاجتماعي ويعكس أخلاق المسلم الحقيقية.
تُعدّ الأخلاق الإسلامية منظومة متكاملة تهدف إلى بناء مجتمعٍ فاضلٍ تسوده المحبة والوئام، وينبذ كل ما من شأنه إثارة الفتن والشقاق، ومن بين الصفات التي حذّر منها الشرع تحذيرًا شديدًا، تأتي صفة الاستفزاز، وهي عبارة عن تلك الكلمة أو الفعل الذي يُقصد به إثارة غضب الآخر، أو دفعه إلى رد فعل غير محمود، أو المساس بكرامته وشعوره، والاستفزاز وإن بدا أحيانًا فعلًا فرديًا، إلا أنه يحمل في طياته بذور الشرور التي قد تمتد لتُفسد العلاقات وتُشعل العداوات.
لقد جاءت نصوص الشريعة الغراء مؤكدة على حرمة الاستفزاز وخطورته، دافعةً المسلم نحو التحلي بالصبر والحلم، ونبذ كل ما يُثير حفيظة النفوس، لقد تضافرت آيات القرآن الكريم لتُشكّل سورًا منيعًا ضد كل سلوك استفزازي، فالقرآن يدعو إلى التسامح والعفو، ويُعلي من شأن كظم الغيظ، ويُحذّر من مغبة رد الإساءة بالإساءة.
يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ} [فصلت: ٣٤] ، فهذه الآية الكريمة ليست مجرد دعوة إلى حسن الخلق، بل هي استراتيجية قرآنية لتهدئة النفوس المتهيجة، وتحويل العداوة إلى صداقة، فالمقابل للإساءة بالإحسان يُطفئ جمرة الغضب ويُهدّئ من روع الاستفزاز، وفي سورة آل عِمران، يُبيّن الله تعالى صفات المتقين الموعودين بدخول الجنة، ومنها: {وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [آل عمران: ١٣٤]، إن كظم الغيظ ليس ضعفًا، بل هو قوة نفسية عظيمة تدل على تحكم الإنسان في انفعالاته، وعدم استسلامه للاستفزاز، وبالتالي يُعدّ سدًا منيعًا ضد الوقوع في شراك الاستفزاز.
وإن كان البعض قد يرى في الاستفزاز نوعًا من الممازحة أو التسلية، فإن القرآن يحذّر من كل ما يؤذي المشاعر ويُسبّب الأذى النفسي، كما في قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ} [الحجرات: ١١]، فهذه الآية تعبر عن السخرية واللمز والتنابز بالألقاب، وكلها أشكال من الاستفزاز اللفظي الذي قد يُوقد نار العداوة والبغضاء.
ولم تكتفِ السنة النبوية الشريفة بالتحذير النظري من الاستفزاز، بل جاءت بأحاديث صريحة وواضحة تُبيّن خطورته، وتُقدّم نماذج عملية لكيفية التعامل معه، يقول الجناب المحمدي - صلى الله عليه وسلم-: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» (متفق عليه). هذا الحديث يُعلّمنا أن القوة الحقيقية لا تكمن في القدرة على قهر الآخر أو استفزازه، بل في القدرة على ضبط النفس والسيطرة على الغضب، وهو ما يُعدّ جوهرًا في مواجهة الاستفزاز، وفي موقف نبوي جليل، كان رجل يستفز النبي - صلى الله عليه وسلم - ويسيء إليه، فكان النبي يدعو له ويسامحه، وهذا ما يُرسّخ مبدأ مقابلة الإساءة بالإحسان، وعدم الاستسلام للاستفزاز، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: «مَا مِنْ شَيْءٍ أثْقَلُ في مِيزَانِ العبدِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ» (رواه الترمذي).
وحسن الخلق يقتضي بالضرورة الابتعاد عن الاستفزاز وكل ما يُكدّر صفو العلاقات بين الناس، كما حذّر النبي - صلى الله عليه وسلم - من السخرية والاستهزاء بالناس، وهو من أخطر أشكال الاستفزاز، فقال: «بحَسْب امْرئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أخَاهُ المُسْلِم» (رواه مسلم). فاحتقار الآخرين والسخرية منهم يُعدّ بوابة للعداوة والتباغض، ويُفضي إلى الاستفزاز وردود الأفعال غير المحمودة.
إن الاستفزاز سلوكٌ يُنافي تعاليم ديننا الحنيف، ويُضيّع بركة العلاقات الإنسانية، فالإسلام يدعو إلى بناء مجتمعٍ قائمٍ على الاحترام المتبادل، والسكينة والوقار، فلنحرص على أن تكون أقوالنا وأفعالنا مفتاحًا للمحبة والتآلف؛ لا معولًا للهدم والشقاق، ولنتذكر دائمًا أن كظم الغيظ والعفو عن الناس هما السبيل الأمثل للارتقاء بالنفس، ونيل رضا الله تعالى.
يحذر الإسلام بشدة من الاستفزاز، لما له من تأثير سلبي على العلاقات الاجتماعية، ويحث على كظم الغيظ والتسامح بدلًا من رد الإساءة بالإساءة، كما أكد القرآن الكريم والسنة النبوية على أهمية ضبط النفس والابتعاد عن السخرية والاستهزاء، لأنهما يُشعلان نار العداوة بين الناس.