Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

خطورة التعصب الكُروي

خطورة التعصب الكُروي

ظاهرة التعصب الكُروي تجاوزت حدود التشجيع الرياضي لتتحول إلى سلوك هدّام يُفرّق بين الأفراد، ويمزق النسيج المجتمعي، وأن هذا النوع من التعصب يقود إلى الانحدار الأخلاقي، والعداوات، بل وأحيانًا إلى العنف، ويتنافى مع تعاليم الإسلام التي تدعو إلى المحبة، والوحدة، ونبذ الفرقة، وهذا التعصب البغيض يؤثر على النشء، الذين يكتسبون قيمًا سلبية من بيئة التشجيع المسمومة، ولذلك ندعو الأسرة والمجتمع إلى تضافر الجهود التربوية، والدينية، والإعلامية للحد من هذه الظاهرة، وإعادة الرياضة إلى مكانها الطبيعي كوسيلة للترفيه، والتقارب، لا للشقاق والعداوة.

تمهيد لخطورة التعصب الكروي

التعصب الكروي ظاهرة المقيتة غزت مجتمعاتنا، وتغلغلت في نفوس الكثيرين، لم يعد مجرد حب لفريق أو شغف بكرة القدم، بل تحوّل إلى داء عضال يفتك بالقيم والأخلاق والمبادئ، ويهدد النسيج الاجتماعي بالتمزق، إنه سقم الروح وسمّ المجتمع الذي يتجاوز حدود المستطيل الأخضر ليترك بصماته السوداء على العلاقات الإنسانية، والأخوة الدينية.

خطورة التعصب الكروي على الفرد والمجتمع

إن خطورة هذا التعصب لا تكمن فقط في الشد، والجذب بين جماهير الفرق المتنافسة، بل تتعدى ذلك لتشمل الانحدار الأخلاقي الذي يصحبه، فكم من كلمات نابية قيلت، وكم من حرمات انتهكت، وكم من علاقات قطعَت، بل وكم من دماء أريقت، باسم "الحب" المزيف لنادٍ أو لاعب، هذا "الحب" المشوب بالغل والحقد، الذي يُعمي الأبصار عن الحق، ويصم الآذان عن صوت العقل والمنطق، وما صفحات التعصب الأعمى على منصات التواصل المجتمعي عنا ببعيد، فهي خير شاهد على هذا التدني الأخلاقي والقيمي.

التعصب المذموم في القرآن والسنة

من أجل ذلك علّمنا ديننا الحنيف، الذي هو أساس الأخلاق والفضائل، أن التعصب مذموم في كل صوره، فالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة يدعوان إلى الوحدة والتآلف، ونبذ الفرقة والاختلاف. قال تعالى: {وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ} [آل عمران: ١٠٣] . فكيف يتسنى لنا أن ندّعي الانتماء إلى دين يدعو إلى الاعتصام بحبل الله جميعًا، ثم نقع في مستنقع التعصب المذهبي، أو الطائفي، أو حتى الكروي، الذي يفرّق بين الأشقاء ويوقع العداوة والبغضاء؟

فالواقع خير شاهد أن التعصب الكروي يضرب بعرض الحائط كل مبادئ الأخوة الإنسانية والمجتمعية،  فبدلًا من أن يكون التشجيع مناسبة للترفيه والتنافس الشريف الذي يُثري الروح الرياضية، يتحول إلى ساحة للحرب الكلامية والشتائم، بل وأحيانًا للعنف الجسدي، فيغيب العقل لدرجة  المتعصب ينسى أن خصمه في التشجيع قد يكون جاره، أو صديقه، أو قريبه، أو حتى أخاه في الدين والإنسانية، لذلك كان التحذير من الجناب المحمدي المعظم، فقد  قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: « لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا. الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ» [رواه مسلم]، فهذا هو المنهج الإسلامي في التعاملات الإنسانية، والذي يتلاشى أمام وهم الانتماء الأعمى لفريق، أو كراهية عمياء لفريق آخر.

تأثير التعصب الكروي على النشء

بجانب ما سبق، فإن من أخطر تجليات التعصب الكروي هو تأثيره على النشء الجديد، فالأطفال والشباب، الذين يرون في الكبار قدوة، يشبّون على هذا النمط من التفكير، حيث يتبنون هذا التعصب الأعمى كجزء لا يتجزأ من هويتهم، يتعلمون الكراهية، والبغضاء قبل أن يتعلموا المحبة، والتسامح، يسير بهم العمر وهم يعتقدون أن الانتماء لفريق معين يبرر لهم السباب والشتائم والاعتداء على الآخرين دون مراعاة للأدب المحمدي والذي ينص على: «لَيْسَ ‌المُؤْمِنُ ‌بالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ ولا الفاحِشِ وَلا البَذِيء» [رواه الترمذي]، فكيف يمكن أن ننتظر من جيل نشأ على هذه السموم أن يبني مجتمعًا متماسكًا قائمًا على قيم المحبة والتعاون؟

بل إن هذا التعصب يتجاوز مجرد الانفعالات العاطفية، ليتحول إلى غزو للعقول، فكثير من المتعصبين، وبدلًا من أن ينشغلوا بما ينفعهم في دينهم ودنياهم، يستهلكون جل أوقاتهم وجهدهم في متابعة أخبار فرقهم، وملاحقة تفاصيل المباريات، والدخول في جدالات لا طائل منها، فيصبح هذا التعصب شغلاً شاغلاً، يصرفهم عن واجباتهم الأسرية والمجتمعية، ويقعدهم عن تحقيق طموحاتهم الشخصية والعلمية في مجانبة صريحة لتلك القاعدة المحمدية المنيفة: «من ‌حُسْنِ ‌إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُه مَا لا يَعْنيهِ» [رواه الترمذي].

معالجة التعصب الكروي

إن معالجة هذه الآفة تتطلب تضافر الجهود، التي تبدأ من التربية الأسرية التي تغرس في الأبناء قيم التسامح والاحترام المتبادل، وتوعيهم بخطورة التعصب بمختلف أشكاله، ثم يأتي دور المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية في تعزيز هذه القيم، ونشر الوعي بمخاطر التعصب الكروي على الفرد والمجتمع، فيجب علينا جميعًا أن نعود بالرياضة إلى طبيعتها باعتبارها وسيلة للترفيه والتقارب، وليست أداة للشقاق والفرقة.

فلنتذكر دائمًا أن الانتماء الأسمى هو لديننا وأمتنا ووطننا، وأن حب الخير للجميع، والتعاون على البر والتقوى، هو ما يحقق لنا السعادة في الدنيا والآخرة، فليست كرة القدم إلا لعبة، والتعصب لها مرض، فلنتخلّص من هذا المرض، ولنعد إلى رُشدنا، ولتتآلف قلوبنا، ولنكن أمة واحدة متماسكة، تُرسي دعائم المحبة والسلام، وتنبذ كل أشكال التعصب والفرقة.

الخلاصة

ظاهرة التعصب الكروي كمرض اجتماعي خطير يتجاوز مجرد التشجيع ليصبح سلوكًا مدمّرًا يؤدي إلى الانحدار الأخلاقي والعداوات والعنف، ويتنافى مع تعاليم الإسلام الداعية للمحبة والوحدة؛ ويسلط الضوء على تأثيره السلبي على النشء، ويدعو المقال إلى تضافر جهود الأسرة والمؤسسات التربوية والدينية والإعلامية لمعالجة هذه الآفة وإعادة الرياضة إلى دورها الأصيل كوسيلة للترفيه والتقارب.

موضوعات مختارة