Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التنمر داءٌ يفتك بالإنسان ويُفسد العلاقات

الكاتب

هيئة التحرير

التنمر داءٌ يفتك بالإنسان ويُفسد العلاقات

التنمر داء اجتماعي خطير يهدد كرامة الإنسان ويفكك روابط المجتمع، ويسبب أضرارًا نفسية واجتماعية للضحايا ويعرض المتنمر للنبذ والعقوبات، ومكافحته تتطلب دورًا فعالًا للأسرة والمدرسة وتطبيق القوانين الرادعة.

تمهيد

إن النفوس البشرية نفائس ثمينة، أودع الله فيها كرامةً وعزةً، وأمرنا بالحفاظ عليها وصونها فالإنسان بنيان الله سبحانه وتعالى، ولكن يأبى بعض البشر إلا أن يعبث بهذه النفائس، فيرميها بكلمات جارحة، أو نظرات مهينة، أو أفعال مؤذية، تُعرف تلك الصور العدوانية مجتمعةً بـالتنمر.، فهذه الظاهرة التي تتفشى في مجتمعاتنا كالنار في الهشيم، هي داءٌ عضالٌ يفتك بالنفوس البريئة، ويُفسد النسيج الاجتماعي، ويُبعدنا عن جوهر ديننا الحنيف الذي يدعو إلى الرحمة والتعاطف والتآخي.

الشريعة الإسلامية تحفظ حفظ كرامة الإنسان

لقد جاءت الشريعة الإسلامية لتحفظ للإنسان كرامته وعزته، وتحرم كل ما يؤذي النفس أو يسيء إليها، ومع هذا السياج المحكم القائم على الأدب والاحترام، إلا أن الانحدار الأخلاقي الموجود في المجتمع  أبرز العديد من صور التنمر المختلفة والتي تتعارض تمامًا مع قيم الإسلام ومبادئه، فمن أظهر صور التنمر السخرية من الآخرين، سواء كان ذلك بسبب شكلهم، أو لونهم، أو وضعهم الاجتماعي، أو أي صفة أخرى، وهذا السلوك يُحرم تحريمًا قاطعًا في الإسلام، يقول الله تبارك و تعالى في كتابه العزيز: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: ١١]، هذه الآية الكريمة تحذيرٌ صريحٌ من السخرية واللمز والتنابز بالألقاب، وتصف فاعل ذلك بالفسوق والظلم، فكم من كلمة سخرية كسرت قلبًا، وكم من نظرة استهزاء زرعت الحسرة في نفس بريئة! إن الله تعالى لا ينظر إلى صورنا وأجسادنا، بل ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، فكيف لنا أن نسخر ممن أكرمه الله بخلقه؟

أشكال التنمر

التنمر غالبًا ما يتخذ شكل الإيذاء اللفظي كالشتم والسب، أو الإيذاء الجسدي كالضرب والدفع، وكلاهما محرم في الإسلام، لذلك حذر الجناب المعظم من ذلك فقال - صلى الله عليه وسلم -: «سِبابُ المسلمِ فُسوقٌ، وقِتالُهُ كُفرٌ» [صحيح البخاري]. وهذا الحديث يبين أن سب المسلم خروج عن طاعة الله، أما الإيذاء الجسدي فهو أشد حرمة، ويعتبر من الكبائر.

وقد جاء في الحديث الشريف: «لا ضَررَ ولا ضِرارَ» [سنن ابن ماجه]، وهذه القاعدة النبوية الشريفة تُحرم إلحاق الضرر بالآخرين بأي شكل من الأشكال، سواء كان ذلك ضررًا جسديًا أو نفسيًا، فالمتنمر لا يضر بغيره فحسب، بل يضر بنفسه أولًا بمعصيته لله ورسوله، وقد يأخذ التنمر صورًا خفية كالغيبة والنميمة وإفشاء الأسرار التي تضر بسمعة المتنمر عليه وتجرح مشاعره، وقد سبق ذكر آية الغيبة في سورة الحجرات: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ}. وهذا التشبيه البليغ يُبرز مدى بشاعة هذا الفعل في نظر الشرع، وقد يتجاوز التنمر مجرد الإيذاء ليصبح ترويعًا للآخرين، وبثًا للخوف في نفوسهم، وهذا ما نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «لا يَحِلُّ لمُسلِمٍ أنْ يُرَوِّعَ مُسلِمًا» [سنن أبي داود]. فكيف يهنأ للمتنمر عيشٌ وهو يزرع الرعب في قلوب من حوله؟

آثار التنمر على الفرد والمجتمع

لا يقتصر أثر التنمر على الضحية والمتنمر فقط، بل يمتد ليشمل المجتمع بأسره. يؤدي التنمر إلى آثار نفسية عميقة على الضحية مثل الاكتئاب، والقلق، وفقدان الثقة بالنفس، والانعزال الاجتماعي، وقد يصل الأمر إلى التفكير في الانتحار في بعض الحالات المأساوية،  كما يؤثر التنمر على التحصيل الدراسي أو الأداء المهني للضحية، والمتنمر نفسه لا ينجو من تبعات سلوكه، فغالبًا ما يكون التنمر مؤشرًا على مشكلات نفسية أو اجتماعية يعاني منها المتنمر، كالشعور بالنقص، أو الحاجة إلى لفت الانتباه ، كما أن هذا السلوك قد يؤدي به إلى عواقب وخيمة في حياته المستقبلية، منها نبذ المجتمع له، ودخول في مشكلات قانونية ، أما على مستوى المجتمع، فينتشر الخوف وعدم الأمان في المجتمع الذي يتفشى فيه التنمر، ويقل التراحم والتآخي بين أفراده، وتتآكل روابط الثقة، مما يؤثر سلبًا على تماسك المجتمع وقدرته على التقدم والازدهار،  فالبيئة التي يسودها التنمر هي بيئة غير صحية لا يمكن أن تزدهر فيها المواهب أو تنمو فيها العلاقات الإيجابية.

سُبل مواجهة التنمر

ولمواجهة هذا الداء الخطير، لا بد من تكاتف الجهود على جميع المستويات ، فيجب أن تبدأ الوقاية من التنمر من الأسرة والمدرسة، بتعليم الأطفال قيم الاحترام، والتسامح، والتعاطف مع الآخرين، وضرورة الدفاع عن المظلوم، وغرس مبادئ الإسلام السمحة التي تحرم الظلم بجميع أشكاله،  كما ينبغي تنظيم حملات توعية مكثفة في المدارس والجامعات والمؤسسات المختلفة، لبيان خطورة التنمر وآثاره السلبية على الفرد والمجتمع، وتشجيع الضحايا على التحدث وطلب المساعدة، ويجب أن يكون الكبار قدوة حسنة في التعامل مع الآخرين بلطف واحترام، وأن يظهروا نبذهم للتنمر بكافة أشكاله ، كما يجب على الكبار التدخل الفوري والحازم لوقف أي سلوك تنمري، وتقديم الدعم للضحايا، ومعالجة أسباب سلوك المتنمر.

وأخيرًا، يجب تفعيل القوانين والأنظمة التي تجرم التنمر، واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المتنمرين لضمان حماية الأفراد وردع المعتدين، فالحفاظ على كرامة الإنسان وحمايته من الأذى واجب ديني وقانوني ، فالتنمر ليس مجرد سلوك عابر، بل هو مرض مجتمعي يهدد أمننا وسلامتنا النفسية، فديننا الحنيف هو دين الرحمة والعدل والتآخي، ويأمرنا بأن نكون إخوة متحابين لا يتعدى أحدنا على الآخر، فلنجعل من قلوبنا بستانًا تزهر فيه المحبة والتسامح، ومن ألسنتنا قيثارة تعزف أجمل الألحان، لا خنجرًا يطعن القلوب ، لنتذكر دائمًا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ» [صحيح البخاري] ،فهذا هو المعيار الحقيقي للمسلم، أن يكون مصدر أمان وسلام للآخرين، لا مصدر خوف وأذى، فلنعمل جميعًا على اقتلاع جذور التنمر من مجتمعاتنا، ولنصنع بيئة آمنة ينمو فيها الجميع بسلام وكرامة، ويسود فيها قول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: ١٠] ، فهذا هو العنوان الحقيقي للحياة ، حياة بلا تنمر.

الخلاصة

التنمر داءٌ اجتماعيّ خطير يُهدد كرامة الإنسان ويُفكك روابط المجتمع. ينبع من ضعفٍ في التربية والأخلاق، ويتخذ صورًا متعددة منها السخرية والسب والضرب والغيبة. الإسلام حرم جميع أشكال الأذى، داعيًا إلى الرحمة والعدل، وضحايا التنمر يعانون من أضرار نفسية واجتماعية، والمتنمر ذاته مهدد بالنبذ والعقوبات، ولمكافحة التنمر: لا بد من دور فعّال للأسرة، والمدرسة، والمؤسسات، وتفعيل قوانين رادعة. بناء مجتمعٍ آمن يبدأ باحترام الإنسان وحماية كرامته، فالناس إخوة، والتسامح هو السبيل إلى بيئة متماسكة وآمنة للجميع.

موضوعات مختارة