Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الأعشاب الطبيعية بين الحقيقة والوهم في ضوء السنة النبوية الشريفة

الكاتب

هيئة التحرير

الأعشاب الطبيعية بين الحقيقة والوهم في ضوء السنة النبوية الشريفة

مقدمة:

خلق الله الإنسان وسخر له ما في الكون جميعًا نعمة وتفضلًا منه سبحانه؛ وذلك في سبيل عمارة الأرض، وبناء الحضارة، قال تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا} [هود: ٦١] ، والنظرة الثاقبة في عمارتها يتأتى بها صحة المُعَمِر، وإذا قضى الله على عباده مرضًا فقد أنزل لهم دواءه، جاء في الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: "لَكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أَصَابَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ" [رواه الحاكم]،  وفي رواية: "عَلِمَهُ مَن عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ، إِلَّا السَّامَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا السَّامُ؟ قَالَ: الْمَوْتُ"، ومفاده أنه ما من مرض إلا وقد أنزل الله له دواءه، ولكن قد يخفى على بني الإنسان، فإن تم الطلب واجتهد في الإتيان به من قبل أهل التخصص فتح لهم، وقد يتواجد بين ذلك وذاك ادعاء من يروِجون لمصالحهم سواء المادية أو المعنوية كالشهرة، وركوب التريندات، وجمع المال؛ لذا أعالج في السطور القادمة فكرة الأعشاب الطبيعية من حيث وضعها موضع الوسط بين الإفراط والتفريط.

مفهوم الأعشاب الطبيعية

الأعشاب الطبيعية: هي كل نبتة استخدمت في علاج مرض أو زيادة صحة، دون تدخل كمياوي من الإنسان فيها.

بعض الأعشاب في السنة النبوية

ذكرت السنة المشرفة بعض الأعشاب لصلاحيتها للعلاج في بعض الحالات، وزيادة للانتباه لها في وقتها، وبيانا لفائدتها المرجوة، منها:

أ‌- السنا والسنوت:

جاء في الحديث: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالسنا وَالسَّنُّوتِ، فَإِنَّ فِيهِمَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا السَّامُ؟ قَالَ: «الْمَوْتُ». [رواه الترمذي وأحمد والحاكم وصححه، والحديث ضعيف تحسن بتعدد طرقه]

والسنا نبتة موجودة معروفة تساعد في تليين البطن، أما السنوت فقد اختلفوا في معناه: فقيل العسل، وقيل الكمون، وقيل غيرهما.

ب- الحبة السوداء:

وهي ما تسمى بحبة البركة، جاء الحديث فيها عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال- "إنَّ هذِه الحَبَّةَ السَّوْدَاءَ شِفَاءٌ مِن كُلِّ دَاءٍ، إلَّا مِنَ السَّامِ، قُلتُ: وما السَّامُ؟ قَالَ: المَوْتُ." [رواه البخاري]

فهذه بعض الأعشاب التي ذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم- في سنته، والمقصد من ذكرها بيان أن السنة النبوية المشرفة تعرضت للتداوي، وداوى الرسول صلى الله عليه وسلم بما يتوافق مع طب قومه، وبما كان معلومًا عند أهل الطب في هذا الوقت.

من سنة النبي صلى الله عليه وسلم التداوي

مَن أمعن النظر في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجد أن التداوي من صميم صحة الاعتقاد، وتمام التوكل على الله تعالى، ولذا قال -صلى الله عليه وسلم-: "تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّـهِ، فَإِنَّ اللَّـهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً" [رواه أبو داود[

فحقيقة التوكل على الله: الأخذ بالأسباب، وترك نتائج الأخذ بهذه الأسباب على الله سبحانه، مع عدم الاعتقاد فيها أنها تؤثر بذاتها؛ ولذا وجب على المريض أن يبذل جهده في طلب العلاج والتداوي.

الطب البديل بين الإفراط والتفريط

لا شك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تكلم عن التداوي بل أمر به، بل ووصف علاجًا لبعض الحالات، وأوصى بها كما مرَّ،  واتخذ بعض الناس من ذلك ترويجاً واسعا لغير مقاصد الأحاديث النبوية، وحمَّلوا السنة مالا تحتمل من توجيهات شخصية، فجعلوا السنة قد تكلمت في كل ما هو مستحدَث من أمراض، وهو إفراط شديد، لا يخفى على طالب علمٍ دَرَس السنة وعَلِم مقاصدها الشريفة، وعلم أن هناك ما يُورَد الحديث الشريف لسببه بسبب حالات خاصة، وأما الجانب الآخر وهم أهل التفريط الذين يلقون أي شيء جاءت به السنة وراء ظهورهم، ظنًا منهم أنها من خرافات التراث، أو جاهلية الأولين، ولا شك أننا نرفض كلا الطرحين، ونقبل الوسط، فلا نظرة عجلى تنفع، ولا تدقيق يصل إلى حد الإيغال، فالسنة تحدثت عن بعض الأشياء التي ثبت لها علميًا وعمليًّا نفعاً محققاً كالسنا، أو ما يقال عنه السنامكي مثلا، ويستخدم كمادة فعالة لبعض أدوية الليونة، وكذا الحبة السوداء ثبت لها علميا فوائد كثيرة، ولا يعني هذا أن نجعل المنهج هو طرح الطب الحديث، بل والافتراء عليه، وطلب الاستغناء عنه، ببعض الأعشاب أو الترويج لها دون دراية أو علم وبحث، وأغلب هذا من باب المبالغات في غير محلها، ومن باب الغش الذي حرمه الله سبحانه وتعالى، ولا شك أن هذا منهج غير دقيق، وكلام غير منضبط علميًا، ولقد منعت نقابة الأطباء المصرية أكثر من طبيب من ممارسة الطب بسبب استخدام مثل هذه الوسائل، مع بيان أنها من الترويجات التي لا تستند إلى حقائق علمية، ولا تفيد المرضى، بل تزيد عليهم أمراضهم، ووصل الحال ببعضهم إلى الموت من جراء ترك علاجه الطبي، ثم اللجوء إلى ما يطرحه هؤلاء من ترك أغلب الأدوية لأغلب الأمراض، اعتمادًا على طرحهم عشبة أو أكثر تعالج جميع الأمراض أو أغلبها.

أسباب الترويجات للعلاج بالأعشاب

إن أصحاب الترويجات الذين يتكلمون بلا علم من كلا الطرفين أصحاب مصلحة مادية، أو معنوية كالشهرة ومعرفة الناس لهم، وهذا منزلق خطير نهى الإسلام عنه، قال تعالى: {وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا} [سورة الإسراء ٣٦]

والعلم يعني التخصص الذي يؤهل للكلام، والدقة العملية التي تدفع للصدع بالحق، وهذا الباب صعب في مرماه؛ وذلك لأنه يحتاج إلى تجارب علمية عملية منضبطة، فتجد واحداً يقول: عشبة تشفي السرطان خلال أسبوع، ووصفة تذيب الدهون دون حمية أو رياضة، وخلطة تمنع الإصابة بالأمراض نهائيًّا، بل قال أحدهم: الكركم أو بعض مستخلصاته هو علاج لكل شيء من الأمراض الحديثة حتى السرطان، وعجباً لمن يصدق!

الواجب شرعاً في التعامل مع تلك الترويجات

إن مما يجب على المتلقي شرعًا هو منهج التثبت مما يقال، فهو منهج إسلامي عام، قال تعالى: {یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِن جَاۤءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإࣲ فَتَبَیَّنُوۤا۟ أَن تُصِیبُوا۟ قَوۡمَۢا بِجَهَـٰلَةࣲ فَتُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَـٰدِمِینَ} [سورة الحجرات:٦]، فلا يجوز له تصديق كل ما يُنقل إليه وخصوصًا في ظل الطفرة الإعلامية على وسائل التواصل الاجتماعي، وكل يريد أن يكون له نصيبًا من الظهور والشهرة.

وينبغي عليه سؤال أهل التخصص، فإن سؤال أهل التخصص مطلوب شرعي، قال تعالى: {فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} [سورة النحل ٤٣]، وهو أوجب فيما يتعلق بصحة الإنسان، الذي كرمه ورفع مكانته، قال تعالى: {وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا} [الإسراء: ٧٠]؛ لذا وجب على الشخص "البحث عن الدواء المناسب على يد الطبيب الثقة المشهود له بتخصصه في هذا الفن". [مسئولية الأطباء عن أخطائهم كما يراها الفقهاء- من فتاوى الإمام الأكبر أ.د/ محمد سيد طنطاوي- دار الإفتاء المصرية].

فما ثبت بطريق طبي صحيح مدقَق متقَن، مع التجارب الناجحة يمكنه استعماله تحت إشراف الثقة من الأطباء، وذلك للجرعات المناسبة وعدم تعارض بعضها مع بعض، أو مع الأدوية الأخرى، وفي هذا تمام التوكل على الله، وسلامة الاعتقاد، واتباع هدي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لوجود إنسان يُعمِّر الكون ويصنع الحضارة.

أخيراً

يتبيّن لنا أن الأعشاب الطبيعية ليست مجرد موروث شعبي أو وصفات متناقلة، بل هي جزء من منظومة التداوي التي أقرّتها السنة النبوية في حدودها التي وردت فيها، وأكدَّت على أهمية التوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، فكما أن في بعض الأعشاب نفعًا مثبتًا، فإن في التهويل بشأنها والاعتماد عليها وترِك الطب الحديث  خطرًا على العقول والأبدان؛ ولذا فإن الواجب الشرعي والعقلي يُحتم علينا أن نُحكّم العلم ونقدمه ونحترمه، ونسترشد بأهل التخصص، ونبتعد عن الترويج غير المنضبط الذي يخلط بين الحقيقة والوهم، ولنقل جميعًا: الدواء لا بد أن يكون بعلم، وتوكلنا على الله بيقين، واعتدالنا وتوسطنا في كل شيء وفي كل حين.

الخلاصة

الأعشاب الطبية نعمة من الله إذا استخدمت بحكمة، لكنها قد تصبح خطرًا عندما تتحول إلى خرافات، ويُروَّج لها دون دراية، أو لخداع الناس، أو لمكسب مادي بحت، فبعض الأعشاب كالحبة السوداء والسنا ورد ذكرها في السنة النبوية وفوائدها مثبتة علميًا، لكن يجب الحذر من المبالغة في الترويج للأعشاب كعلاج لكل الأمراض، خاصة الخطيرة منها كالسرطان.

والواجب التثبت من المعلومات وسؤال الأطباء المتخصصين، والجمع بين الطب الحديث وطب الأعشاب، فالأعشاب قد تكون مفيدة كعلاج تكميلي، لكن لا تغني عن العلاج الطبي عند الحاجة وسؤال أهل الثقة من الأطباء.

وعلَّمنا الشرع أن التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب هو المنهج الصحيح، مع تذكر أن الشفاء الحقيقي بيد الله تعالى، والاعتدال مطلوب بين الإفراط في الاعتماد على الأعشاب والتفريط في إهمال فوائدها المثبتة.

موضوعات مختارة