كل شيء خلقه الله بحكمة ولحكمة، ويجلي القرآن هذه الحقيقة في
قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: ٤٩] {أَيَحْسَبُ
الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة:
٣٦] {أَفَحَسِبْتُمْ
أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ *
فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ
الْكَرِيمِ } [المؤمنون: ١١٥-١١٦]، وموت
الفجأة له جوانب إيجابية ودروس عظيمة ينبغي أن يقف عندها الأحياء قبل فوات الأوان،
منها:
١- اليقظة الروحية
عندما يختطف الموت أحد الأحبة فجأة تتوقف عقارب الزمن للحظة
تتبدد فيها الأوهام، وتتضح الرؤية بشكل كامل، تجبرنا على وجوب الوقفة مع النفس
لإعادة تقييم أولوياتنا، وطرح أسئلة جوهرية على أنفسنا: هل نعيش حقا الحياة التي
يريدها الله لنا؟ ويطلبها منا؟ هل نحن راضين عن أعمالنا مع الله وأنفسنا ومن حولنا
؟ هل حققنا الأهداف التي من أجلها خلقنا؟ هل استعد كل منا للحظة البعد والغياب؟
ماذا قدمنا لأنفسنا ومجتمعنا وعالمنا؟ هل عندنا رؤية لأيامنا القادمة أم سنبقى في
الطريق دون وعي وبلا هدف؟، وهكذا يحدث موت الفجأة يقظة روحية عميقة، فلا تخدعنا
الماديات، ولا تغرينا الشهوات.
٢- اغتنام الوقت
الموت المفاجئ تذكير لنا بقيمة الحياة، وأن كل يوم – بل كل
لحظة – هدية من الله تعالى يجب اغتنامها قبل فوات الأوان والمحاسبة على ما كان،
يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس
الصحة والفراغ» [رواه البخاري] وهذا الإدراك يدفعنا إلى التفكير بجدية في
استغلال ما تبقى من حياتنا بأقصى قدر من الإيجابية والفاعلية.
٣- إصلاح العلاقات المتصدعة
في أعقاب الموت المفاجئ لأحد المقربين يساورنا سؤال (ماذا لو)
ويلح علينا بكثرة، مثل: ماذا لو أخبرته كم أحبه؟ ماذا لو قضيت معه وقتا أطول؟ ماذا
لو اعتذرت له عن كذا؟ ماذا لو سامحته وعفوت عنه؟ ماذا لو لم أخاصمه؟.
وهذا الشعور بالندم – وإن كان مؤلمًا – إلا أنه يمكن أن يكون
قوة دافعة للتغيير، ويشجعنا على كسر قيود التردد والتسويف، من أجل اصلاح العلاقات
الاجتماعية المتصدعة، ولعل في وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتعبير عن مشاعرنا
الصادقة للأحباب ما يدل على ذلك: «إذا أحبَّ أحدُكم أخاه فَليُخْبرُه، وليقْل:
إني أحبُّك في الله، وإني أوَدُّكَ في الله عز وجل» [جمع الجوامع للسيوطي، وقد ضعفه الذهبي] وَإِنَّمَا
أَمَرَ بِالْإِخْبَارِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ زِيَادَةَ حُبٍّ، فَإِنْ عَرَفَ أَنَّكَ
تُحِبُّهُ أَحَبَّكَ بالطبع لا محالة، فإذا عرفت أنه أيضًا يحبك زاد حبك لَا مَحَالَةَ،
فَلَا يَزَالُ الْحُبُّ يَتَزَايَدُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَيَتَضَاعَفُ. [إحياء علوم الدين للغزالي].
٤- استكشاف معاني جديدة للحياة
بعد
موت الفجأة غالبًا ما يشعر الكثير من الناس أن الحياة قد فقدت معناها، والحق أن
هذا الفقد يمكن أن يكون نقطة انطلاق لاكتشاف معان جديدة في الحياة، تستحق أن نعيش
لأجلها، قد تكون هذه المعاني في مساعدة الآخرين، في تحقيق أحلام مؤجلة، في تغيير
نمط الحياة ليصبح أكثر وعيًا وإيجابية، وأعظم نفعًا ونتاجًا، ويتضح ذلك المعنى من
حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا
مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَة جَارِيَة، وَعِلْم يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلد صَالِح يَدْعُو
لَهُ» [سنن الترمذي وابن ماجة
ومسند أحمد].