Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

ويبقى الأثر، الجانب الإيجابي لموت الفجأة

الكاتب

هيئة التحرير

ويبقى الأثر، الجانب الإيجابي لموت الفجأة

يباغتنا الموت دون سابق إنذار، يقتحم حياتنا فجأة ليغلق صفحة كنا نظن أن أمامها متسعًا من الوقت، فيترك وراءه فجوة عميقة في القلوب، وصدمة تزلزل الكيان، فهو حقًا مصيبة تحل بالخلق كما عبر عنه القرآن: {فَأَصَابَتْكُمْ ‌مُصِيبَةُ ‌الْمَوْتِ} [المائدة: ١٠٦]، ولكن لا ينبغي أن ننظر إلى الموت على أنه أمر سلبي، يبعث على اليأس والقنوط، ويدعو إلى الإحباط والأسى، ففيه من الجوانب الإيجابية، والآثار النافعة ما يربو على ما نظنه جانبًا سلبيًا للموت، فالموت في جوهره دافع قوي نحو التغير الإيجابي، والتحول للأفضل.

التعريف بالموت وتصحيح المفاهيم حوله

يظن الكثير من الناس أن الموت فناء محض، ذهاب بلا عودة، إنسان كان ثم ذهب وأصبح لا شيء، والحق أن ذلك فهم خاطئ، وتصور مريض عن الموت، لأنه انتقال من دار إلى دار، ومن حياة الدنيا إلى حياة البرزخ ثم الحياة الآخرة، إنه خطوة في رحلة الطريق إلى الله تعالى، يقول الامام القرطبي رحمه الله في تفسيره (قال العلماء: الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولة بينهما، وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار) [ تفسير القرطبي، سورة الملك آية ٢].

وهو سنة الله تعالى في خلقه، وآية من آياته في كونه، قال تعالى: {‌كُلُّ ‌نَفْسٍ ‌ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [العنكبوت: ٥٧] وله حكم كثيرة، وأهداف عظيمة لمن كان له قلب يعي وعقل يفكر، ولعل القرآن يجلي ذلك في قوله تعالى: {الَّذِي ‌خَلَقَ ‌الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ } [الملك: ٢] ولا يمكن دفعه أو الهرب منه بأي وسيلة، قال تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا ‌يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: ٧٨] كما لا يصح تأخيره أو التخلف عنه ولو أقل من لحظة: {وَلِكُلِّ ‌أُمَّةٍ ‌أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: ٣٤].

موت الفجأة بين أهل الحق وأهل الهوى

يعتقد أهل الهوى أن موت الفجأة غضب من الله تعالى على عبده، وأنه انتقام وأخذة أسف، وينظرون إلى المتوفى فجأة نظرة يملؤها الشذر والكره، وكأن هذا الأمر بيده، بل لو سئل أحدهم عن إنسان توفي فجأة إذا بهم يستعيذون بالله، ويظنون فيه الظنون.

 أما أهل الحق فيرون موت الفجأة من أقدار الله تعالى التي يقضي بها في عباده، وهو صورة من صور الموت المتعددة، وقد زاد انتشارها حديثا لأسباب كثيرة ومتعددة، مع اليقين بأن الأمر كله بيد الله تعالى، {‌وَمَا ‌كَانَ ‌لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا} [آل عمران: ١٤٥]. 

ثم إن موت الفجأة يحتمل أن يكون خيرًا كما يحتمل أن يكون شرًا، وذلك بحسب اختلاف حال المتوفى، فإن كان من أهل الصلاح والخير فهو رحمة وتخفيف من الله تعالى، فلا يجد من ألم الموت وشدة سكراته شيئا يذكر، وذلك تصديق لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «‌عَجَبًا ‌لِأَمْرِ ‌الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» [رواه مسلم].

أما إذا كان المتوفى من أهل السوء والضلال فموت الفجأة له أخذة أسف، إذ عوجل بالموت قبل التوبة، ولم يمهل كي يستدرك ما مضى من تفريطه وتقصيره، وذلك معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَوْتُ الْفَجْأَةِ أَخْذَةُ أَسَفٍ» [رواه أبو داوود].

 وما روي عن سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الأحاديث المتعلقة بموت الفجأة مدحًا أو ذمًا غير حديث أبي داوود السابق، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يستعيذ منه فلم يصح منها شيء، قال الفيروز آبادي (وباب موت الفجاءة ما صح فيه شيء، وحديث أنها راحة للمؤمن، وأخذة أسف للكافر ‌ما ‌ثبت ‌فيه ‌شيء) [سفر السعادة للفيروز أبادي].

كما لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- دعاء خاص يحفظ من موت الفجأة، وإنما المعروف والمشهور من دعائه صلوات الله وسلامه عليه أنه استعاذ من فجأة النقمة، فقال: «‌اللهُمَّ ‌إِنِّي ‌أَعُوذُ ‌بِكَ ‌مِنْ ‌زَوَالِ ‌نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ» [رواه مسلم].

الجوانب الإيجابية لموت الفجأة

كل شيء خلقه الله بحكمة ولحكمة، ويجلي القرآن هذه الحقيقة في قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ ‌خَلَقْنَاهُ ‌بِقَدَرٍ} [القمر: ٤٩] {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ ‌يُتْرَكَ ‌سُدًى} [القيامة: ٣٦] {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ ‌عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ } [المؤمنون: ١١٥-١١٦]، وموت الفجأة له جوانب إيجابية ودروس عظيمة ينبغي أن يقف عندها الأحياء قبل فوات الأوان، منها: 

١- اليقظة الروحية

عندما يختطف الموت أحد الأحبة فجأة تتوقف عقارب الزمن للحظة تتبدد فيها الأوهام، وتتضح الرؤية بشكل كامل، تجبرنا على وجوب الوقفة مع النفس لإعادة تقييم أولوياتنا، وطرح أسئلة جوهرية على أنفسنا: هل نعيش حقا الحياة التي يريدها الله لنا؟ ويطلبها منا؟ هل نحن راضين عن أعمالنا مع الله وأنفسنا ومن حولنا ؟ هل حققنا الأهداف التي من أجلها خلقنا؟ هل استعد كل منا للحظة البعد والغياب؟ ماذا قدمنا لأنفسنا ومجتمعنا وعالمنا؟ هل عندنا رؤية لأيامنا القادمة أم سنبقى في الطريق دون وعي وبلا هدف؟، وهكذا يحدث موت الفجأة يقظة روحية عميقة، فلا تخدعنا الماديات، ولا تغرينا الشهوات.

٢- اغتنام الوقت

الموت المفاجئ تذكير لنا بقيمة الحياة، وأن كل يوم – بل كل لحظة – هدية من الله تعالى يجب اغتنامها قبل فوات الأوان والمحاسبة على ما كان، يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «‌نعمتان ‌مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ» [رواه البخاري] وهذا الإدراك يدفعنا إلى التفكير بجدية في استغلال ما تبقى من حياتنا بأقصى قدر من الإيجابية والفاعلية.

٣- إصلاح العلاقات المتصدعة

في أعقاب الموت المفاجئ لأحد المقربين يساورنا سؤال (ماذا لو) ويلح علينا بكثرة، مثل: ماذا لو أخبرته كم أحبه؟ ماذا لو قضيت معه وقتا أطول؟ ماذا لو اعتذرت له عن كذا؟ ماذا لو سامحته وعفوت عنه؟ ماذا لو لم أخاصمه؟.

وهذا الشعور بالندم – وإن كان مؤلمًا – إلا أنه يمكن أن يكون قوة دافعة للتغيير، ويشجعنا على كسر قيود التردد والتسويف، من أجل اصلاح العلاقات الاجتماعية المتصدعة، ولعل في وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتعبير عن مشاعرنا الصادقة للأحباب ما يدل على ذلك: «‌إذا ‌أحبَّ ‌أحدُكم ‌أخاه ‌فَليُخْبرُه، وليقْل: إني أحبُّك في الله، وإني أوَدُّكَ في الله عز وجل» [جمع الجوامع للسيوطي، وقد ضعفه الذهبي] وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالْإِخْبَارِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ زِيَادَةَ حُبٍّ، فَإِنْ عَرَفَ أَنَّكَ تُحِبُّهُ أَحَبَّكَ بالطبع لا محالة، فإذا عرفت أنه أيضًا يحبك زاد حبك لَا مَحَالَةَ، فَلَا يَزَالُ الْحُبُّ يَتَزَايَدُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَيَتَضَاعَفُ. [إحياء علوم الدين للغزالي].

٤- استكشاف معاني جديدة للحياة

بعد موت الفجأة غالبًا ما يشعر الكثير من الناس أن الحياة قد فقدت معناها، والحق أن هذا الفقد يمكن أن يكون نقطة انطلاق لاكتشاف معان جديدة في الحياة، تستحق أن نعيش لأجلها، قد تكون هذه المعاني في مساعدة الآخرين، في تحقيق أحلام مؤجلة، في تغيير نمط الحياة ليصبح أكثر وعيًا وإيجابية، وأعظم نفعًا ونتاجًا، ويتضح ذلك المعنى من حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ ‌انْقَطَعَ ‌عَمَلُهُ ‌إِلَّا ‌مِنْ ‌ثَلَاثٍ: صَدَقَة جَارِيَة، وَعِلْم يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلد صَالِح يَدْعُو لَهُ» [سنن الترمذي وابن ماجة ومسند أحمد].

الخلاصة

لا ينبغي أن ننظر إلى الموت على أنه أمر سلبي، يبعث على اليأس والقنوط، ويدعو إلى الإحباط والأسى، ففيه من الجوانب الإيجابية، والآثار النافعة ما يربو على ما نظنه جانبًا سلبيًا للموت، فالموت في جوهره دافع قوي نحو التغير الإيجابي، والتحول للأفضل، لأنه ليس بعدم محض ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولة بينهما، وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار.

موضوعات مختارة