Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

جنازة بلا مقدمات

الكاتب

هيــئة التحرير

جنازة بلا مقدمات

هناك لحظات في الحياة لا تُقاس بالزمن، بل بما تتركه في القلب من وجعٍ وصمتٍ، وخوف، منها تلك اللحظة التي تسمع فيها: "فلان مات!"، فتفاجأ وكأنها صاعقة، أتدري لماذا؟ لا لأنك لا تؤمن بالموت، بل لأنك كنت قد رأيته أمس، وربما ضحكت معه، أو قرأت له منشورًا، أو حدثك عن أحلامه ولحظات فرحه، أو أرسلت له رسالة أو طلبته في الهاتف، ولم يردّ عليك بعد؛ لم يكن مريضًا، لم يودّع، لم يُمهل، لم يكتب وصية، لم يفتح كتاب توبته، ولم يكن يظن أن ساعة النهاية قد أزفت؛ هذا هو موت الفجأة، وهذه هي الجنازة التي لا مقدمات لها، لكنها تترك وراءها رسالة تربّي، وتوقظ، وتحاسب، رسالة من الله رب العالمين إلى الغافلين، وتربية عاجلة من السماء لمن نسوا فقه الاستعداد للوقوف بين يدي الله عز وجل.

لم تعد الجنازة مشهدًا نادرًا

صار خبرُ الوفاة المفاجئة جزءًا من يومياتنا، مات وهو نائم، خرج سائرًا على قدميه وعاد محمولًا على الأعناق، توفي قبل زفافه بساعات، ذهب لأداء امتحان آخر عام له في دراسته يحمل معه أمل التخرج من الجامعة، فعاد محمولًا على الأعناق ومعه شهادة خروجه من الدنيا ألا وهي شهادة وفاته، تفتح هاتفك صباحًا فتجد صديقًا كتب منشورًا عن وفاة شاب في عمر الزهور، لا مرض ولا تعب، فقط سكتة مفاجئة.

ويكتب أحدهم: "أمس كان معنا، واليوم بين يدي الله!"

هذه المشاهد لم تعد صادمة فقط، بل صارت أداة تربية للضمائر، فمن لم يربِّ نفسه على وقع الموت الفجائي، فمتى سيتربى؟!

جنازة بلا مقدمات لكن لها دلالات

ليست الصدمة فقط في الرحيل، بل في الصمت الذي يُحيط به، أن يُؤخذ الإنسان دون وداع، دون استغفار أخير، دون لحظة تسبيح، دون حتى أن يقول لمن أخطأ في حقهم: "سامحوني".

جنازة تُحمل على الأكتاف دون أن يكون لها في الأذهان "قصة مع مرض الموت"، ولا " لحظات أخيرة مع الودع، لتنتهي مشاهدها كما نرى ونسمع في كل لحظة"، هذه الجنازة، رغم أنها بلا مقدمات، إلا أنها ليست بلا معنى، بل معناها أبلغ، وأشدّ، وأصدق، وهذا ما عبر به الجناب النبوي المعظم سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم- عندما سألته أُمنا عائشة - عن موتِ الفَجأةِ؟ فقال –صلى الله عليه وسلم-: «راحةٌ للمُؤمِنٍ، وأخْذةُ أسَفٍ للفاجِرِ» [رواه أحمد والطبراني]، إنها راحة لمن استعدّ، ورسالة إنذار لمن سوّف وتأخّر.

رسالةٌ من السماء لا تنتظر ردّك

إن في كل جنازة بلا مقدمات، خطابٌ إلهي لا يُنتظر له ردٌّ من صاحب الجنازة، لكنه موجّه إليك أنت:

هل أنت مستعدّ؟

هل أديت حقوق الله؟

هل لو متّ الليلة سترضى عن خاتمتك؟

هل قلت ما يجب أن يُقال؟

هل تصالحت مع الله؟

هل عليك للناس مظالم؟

هل تحمل في قلبك ضغينة؟

هل صلت رحمك؟

فإن أجبت بـ " لا " فقد جاءتك أقوى موعظة بلا كلام "جنازة بلا مقدمات!"

الجنازة المربّية

إن من أعظم تجلّيات التربية في الإسلام، أن الموت نفسه وسيلة تربية، قال الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: ٣٥]

وينبهنا الجناب النبوي المعظم سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم- فيقول: «أَكثِروا ذِكرَ هادِمِ اللَّذّاتِ الموتِ» [رواه الترمذي].

لكن موت الفجأة يربّي بطريقة أشدّ؛ لأنك لا تنتظر، لا تراجع، لا ترتّب، لا توصي، لا تطلب الغفران، يأخذك كما أنت، فإما أن تكون مستعدًا، أو تكون قد ضيّعت عمرك في مظنة التأجيل والتأخير غافلاً عن البغتة والفجأة في الموت.

لمن هذه الجنازة؟

يظن البعض أن الموت الفجائي للمرضى أو كبار السن فقط، لكن الحقيقة أن الموت صار يُختار بعناية إلهية لا تخضع لمقاييس الطبّ ولا منطق الأعمار، هذا شاب رياضي، بكامل صحته، تلك فتاة صغيرة، لا تشتكي من شيء، ذلك حافظ للقرآن، كان يُصلّي كل فرض في وقته، وفي هذا يقول القائل:

يا موت قد غاب عنك الخطأ     وأدركت الجميع بلا خطأ ولا نسيان

نلت الفتى قبل العجوز            فما عرفنا لك أرضًا ولا أوطان

من بيننا راح المعافى             وتركت المريض المُتعب الأبدان

فيا ليتنا نتعظ                     ونذكر النفس بالقرآن

الموت ليس عقوبة بل هو وعد، فإما أن نُبعث على طاعة فنُكرم، وإما أن نفاجأ ونحن في غفلة فنُخذل، نسأل الله السلامة.

فقه الاستعداد للجنازة التي بلا مقدمات

إذا كانت جنازتك قد تأتي بلا إنذار، فكيف تعيش كل لحظة وكأنها "لحظة الرحيل"؟

إليك بعض تعاليم النبوة استفيدت من كلام الجناب المعظم سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم-:

- طهّر قلبك من الغلّ والحقد كل ليلة.

- لا تؤجل التوبة فربما لا تُمهَل.

- صلِّ صلاة مودّع فربما تكون آخر ركعة.

- قل لمن أخطأت في حقهم سامحوني.

- رد المظالم إلى أهلها، والحقوق إلى أصحابها.

- لا تنم وخصومة في قلبك لأحد

- اترك أثرًا نقيًّا طيبًا، عمل صالح يشهد لك بين يدي الله عز وجل، لذلك ينبهنا الجناب النبوي المعظم سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم​– فيقول: «إذا أراد اللهُ بعَبدٍ خَيرًا استعمله، قالوا: وكيف يستَعْمِلُه؟ قال: يُوَفِّقُه لعَمَلٍ صالحٍ قَبْلَ مَوتِه» [رواه أحمد والترمذي]

رسالة إلى من بقي بعد الجنازة

إذا مرّت بك جنازة بلا مقدمات فإياك أن تمضيَ كما جئت، قف، ابكِ، تفكّر في حالك، راجع نفسك، صلّ، تب، تصدّق، سامح، يقول صاحب الجناب النبوي المعظم سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم–: «الكَيِّسُ مَن دان نفسَه وعمِل لما بعدَ المَوتِ والعاجِزُ مَن أتبَعَ نفسَه هواها وتمنّى على اللهِ» [رواه الترمذي].

ليس الذكاء في كثرة المال أو المناصب، لكن الذكيّ الحقيقيّ: من جهّز قبره قبل جنازته، من نوى خاتمته قبل نهايته.

جنازة بلا مقدمات ليست مجرد حدث؛ بل بلاغٌ عاجل من السماء إلى القلب الغافل، فإن لم توقظك هذه الجنازة فبأي شيء تُوقَظ؟

كن ممن تعلّم من الراحلين، قبل أن تُصبح أنت من يُتعلّم منه.

الخلاصة

موت الفجأة "جنازة بلا مقدمات" ليست مجرد مشهد مؤلم، بل هي صدمة تهزّ القلب وتوقظ الغافل، تذكّرنا أن الموت لا يستأذن، ولا ينتظر وصية ولا توبة، وإنما يأتي فجأة؛ ليختبر فقه الاستعداد للقاء الله عز وجل، إنها رسالة تربوية من السماء، توقظ القلب وتسأله: هل أنت مستعد؟ فإما أن تكون ممن يعمل لما بعد الموت، أو تصبح عظة لمن بعدك، فهي تربية إلهية بلا كلام، لكنها أبلغ من كل الخطب والمواعظ والوصايا.

موضوعات مختارة