Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

حين يطرق البلاء بابك... استقبله برحابة صدر

حين يطرق البلاء بابك... استقبله برحابة صدر

حين يعصف البلاء بالحياة، وتهتز الروح تحت وطأة الألم، لا دواء يثبت القلب كالثقة بحكمة الله. فالمحن ليست عقابًا بل رسائل من السماء، تحمل في طيّاتها لطفًا خفيًا، وتفتح أبوابًا إلى أعماقٍ لم نكن لندخلها في زمن الرخاء. هنا تبدأ رحلة المؤمن: بين صبرٍ يتجمّل، ويقينٍ يتجذّر، وحبٍ لا تزيده الشدائد إلا اشتعالًا. هذه الخواطر، وهذه الحقائق نحتاج أن نُذكّر بها أنفسنا كلما سمعنا عن نازلة أو فاجعة تهزّنا، كما في حادثة حريق سنترال رمسيس ـ تلك الواقعة التي لامست القلوب، وجعلت النفوس تتأمل وتبتهل. عندها، تعود هذه المعاني إلى أذهاننا كالماء البارد على القلب المتعب، فتجدّد فينا الصبر، وتبعث فينا الرضا، وتوقظ الإيمان بأن وراء كل نازلة حكمة، ووراء كل ألم رسالة، وأن الله لا يُدبّر لعباده إلا ما فيه الخير... وإن تأخر الفهم، أو تألم القلب.

البلاء: واقع لا مهرب منه

البلاء ليس طارئًا على حياة الإنسان، بل هو جزء من قدرٍ كُتب علينا منذ أن خُلقنا.

قال تعالى: {لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِي كَبَدٍ} [البلد: ٤]. فالمحن ليست استثناءً، بل هي الأصل في طريق العبور إلى الله. لا أحد في مأمن من البلاء، لكنه يُرسل إلينا لا ليهدمنا، بل ليكشف معدننا، ويفتح فينا أبوابًا للصبر والدعاء واليقين.

قال ابن الجوزي: "البلايا ضيوف، فأحسن قِراها حتى ترحل إلى بلاد الجزاء مادحة لا قادحة. فلولا البلايا، لوردنا القيامة مفاليس. ولو فُتحت لك أستار الغيب لأحببت حزنك. ولو رأيت كيف يغرف للصابر غرفا من الثواب، لانتشى قلبك وتلذذت بكل وخزة ألم "[ المدهش لابن الجوزي].

من عرف سنّة البلاء سلّم، ومن أيقن بحكمة المبتلي اطمأن. وما البلاء إلا طريق يُمهّد للنقاء، وسُلَّم يرتقي به المؤمن نحو مقامات الرضا واليقين. فتمسّك بحبل الثقة بالله، وقل في كل وجع: "حسبي الله، وكفى".

الثقة بحكمة الله: بلسم القلوب

في خضمّ الابتلاء، حين يضيق الصدر، وتغيب الأسباب، لا دواء أشفى للقلوب من الثقة بحكمة الله.  أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن خلف كل قدرٍ توقيعًا من ربٍ حكيم، يُدبّر أمورك برحمة لا تغيب، ولطف لا ينفد.

قال ابن عطاء الله السكندري: " ليخفف ألمَ البلاءِ عنك، علمُك بأن الله سبحانه هو الذي ابتلاك، فالذي واجهتك منه الأقدار، هو من عودك حسن الاختيار"[ الحكم العطائية].

فحين يُبتلى المؤمن، لا يسأل: "لماذا أنا؟" بل يقول: "لعل في هذا ما لا أراه، ولكن الله يراه".

فالثقة بحكمة الله لا تزيل الألم، لكنها تُطفئ ناره، وتزرع في القلب سكينة تقول: ما شاء الله كان ومالم يشأ لم يكن.

وإن كان للبلاء وجع، فالثقة بالله بلسمٌ يُسكنه، ويمنحك نورًا تمشي به في عتمة القدر.

تأملات في خلق الله وإبداع الكون

إذا ضعُفت ثقة القلب، واشتدت وطأة البلاء، فافتح عينيك وتأمّل: في السماء التي لا تسقط، في الكواكب التي تدور بلا خطأ، في الرياح التي تسوق الغيم، وفي الأرض التي تُنبت رزقك دون أن تسألها.

انظر إلى نفسك، كيف نظّم الله دقّات قلبك، ونَفَس صدرك، وجعل فيك أجهزةً تعمل بلا أن تُديرها: {قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ} [طه:٥٠].

فهل يمكن لإله هذا صنعه، أن يبتليك عبثًا؟

هل يغيب عن علمه وجعك؟ أو عن رحمته ضعفك؟

إن في كل مخلوق من حولك رسالة: أن الله لا يُدبّر إلا بحكمة، ولا يخلق إلا بإتقان، ولا يُقدّر إلا لما فيه خيرٌ لك، وإن خفي وجهه عنك.

فتأمُّل الخلق ليس ترفًا، بل عبادة تُوقظ في القلب يقينًا.

الابتلاء: نقاء وسمو روحي

الابتلاء ليس سيفًا ينتقم الله به من عباده بل هو طريق يطهّر به القلوب، ويهذب الأرواح، ويرفع المقامات. فلو كشف الله لك ما ينقّيه البلاء من ذنوبك، وما يفتحه من أبواب القرب إليه؛ لسجدت شكرًا على كل لحظة ألم.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ عِظمَ الجزاءِ مع عِظمِ البلاءِ، وإنَّ اللهَ إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمن رضِي فله الرِّضا»[ سنن الترمذي بإسناد صحيح].

فالمحنة ليست إلا مرآة يرى فيها المؤمن صدق توكله، ومقدار صبره، ومدى رضاه بقضاء ربه.

فبالابتلاء يُصفّى القلب من شوائب الغفلة، ويعود العبد إلى ربه خاشعًا، منكسرًا، قريبًا، لا يحمل إلا قوله: اللهم إني لا أفهم حكمتك، لكني أثق برحمتك.

الصبر والرضا: مفتاحان لراحة النفس

ما أثقل البلاء على من جهل حكمته، وما أيسر ثقله على قلبٍ تسلح بالصبر وتوشّح بالرضا.

فالصبر ليس ضعفًا ولا استسلامًا بل هو قوة داخلية تُقاوم الجزع، وتربط القلب بالله حين تتكسر الأسباب.

والرضا ليس قهرًا للعواطف بل هو مقام رفيع، يُورث راحة لا يعرفها إلا من ذاق طعم التسليم لله:

قال تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: {وَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعۡيُنِنَا} [سورة الطور:٤٨].

فالصبر يزرع في القلب ثباتًا، والرضا يغرس فيه سكينة، فإذا اجتمعا، صار البلاء طريق سلام، لا طريق عذاب. حين ترضى لا يتغير القدر لكن يتغير قلبك.

وحين تصبر لا تزول الشدة فورًا لكن تزول وحشتك منها، ويُصبح كل ألمٍ رسالة حبّ من السماء.

الخلاصة

في رحلة الحياة  لا أحد يمضي دون أن يعبر بوابة البلاء… لكن القلوب تختلف في استقبالها له، فمنهم من يراه نقمة فيجزع ويضيق، ومنهم من يراه نداءً من الله فيُحسن الضيافة، ويستقبله بثقة ورضا وصبر.

إذا علمت أن الله لا يُجري في ملكه شيئًا عبثًا فإن كل ما يُصيبك يحمل في طياته خيرًا خفيًّا، وإن لبس ثوب الألم

فـ"البلاء لا يُزال لكنه يُخفف" كما قال ابن عطاء الله، ويُخففه يقينك بأن الذي ابتلاك هو أرحم الراحمين، وأن ما أوجع قلبك، كان بابًا يُفضي بك إليه. فاثبت، وطمِّن قلبك، وقل كما قال الصالحون من قبل:

"اللهم اجعل بلاءنا رفعة، وصبرنا عبادة، ورضانا بابًا نلقاك منه راضين مرضيين"

فالبلاء راحل...

لكن الله باقٍ،

ورحمته لا تفارقنا لحظة.

موضوعات مختارة