Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الترجمة جسر الحضارات وناقل المعرفة في بناء الإنسان والمجتمعات

الكاتب

هيئة التحرير

الترجمة جسر الحضارات وناقل المعرفة في بناء الإنسان والمجتمعات

تمثل حركة الترجمة واحدة من أعمق الظواهر الحضارية تأثيراً في تاريخ البشرية، فهي ليست مجرد نقل كلمات من لغة إلى أخرى، بل هي عملية إبداعية تقوم على فهم الثقافات وربط الحضارات، وتلعب دوراً محورياً في بناء الإنسان والمجتمعات، وفي إطار الاحتفال باليوم العالمي للترجمة، يجدر بنا أن نتأمل أثر هذه الحركة في تشكيل الوعي الإنساني وترسيخ قيم التعايش بين الأمم.

النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بتعلم الترجمة

لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بمعزل عن الناس من حوله، بل كان متعايشًا بين الحقوق والواجبات، ففي المدينة اختلفت لغة يهود عن لسان العرب، وبذلك اقتضت الحاجة أن نعرف كلام الجيران لنشاركهم في حزنهم وفرحهم، ونأمن مكرهم، فأمر سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم سيدنا زيد بن ثابت -رضي الله عنه- بتعلم لغة يهود، جاء في الأثر، عن سيدنا زيد، قال :" أمرني رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- أنْ أتعلَّمَ له كتابَ يهودٍ قال إني واللهِ ما آمن يهودَ على كتابي ، قال : فما مر بي نصفُ شهرٍ حتى تعلمتُه له، قال: فلما تعلمتُه كان إذا كتَبَ إلى يهودَ كتَبْتُ إليهم، وإذا كتَبوا إليه قرأْتُ له كتابَهم".[أخرجه أبو داود (٣٦٤٥)، والترمذي (٢٧١٥) واللفظ له]،جاء في عون المعبود:" أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي بتعلم كتاب يهود فتعلمت له أي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال؛ أي النبي صلى الله عليه وسلم هو عطف على أمرني لبيان علة الأمر ما آمن يهود على كتابي أي أخاف إن أمرت يهوديا بأن يكتب كتابا إلى اليهود، أو يقرأ كتابا جاء من اليهود أن يزيد فيه، أو ينقص فتعلمته؛ أي كتاب يهود حتى حذقته - بذال معجمة وقاف أي عرفته وأتقنته وعلمته - فكنت أكتب له؛ أي للنبي صلى الله عليه وسلم إذا كتب، أي إذا أراد الكتابة".[ عون المعبود شرح سنن أبي داوود]

وما هذا إلا لضمان وصول المراد على حقيقته من غير تلاعب، فإن التلاعب مفض إلى التناحر والهلكة.

الترجمة وأثرها في بناء الحضارة الإنسانية

لعبت الترجمة دورين رئيسين في بناء الحضارة الإنسانية، فالأول هو نقل تراث الأمم وبناء المعرفة، فقد عملت حركة الترجمة في الحضارة الإسلامية على نقل تراث الأمم السابقة من اليونان والفرس والهنود، حيث بدأت في القرن الأول الهجري على يد الخليفة الأموي خالد بن يزيد بن معاوية الذي طلب ترجمة كتب الطب والكيمياء من الإسكندرية إلى العربية. ثم ازدهرت في العصر العباسي، خاصة في عهد الخليفة المأمون الذي أنشأ "بيت الحكمة" في بغداد، والذي أصبح منارة عالمية للعلم والترجمة.

وأما الدور الثاني فهو تطوير العلوم والمعارف، فلم تكن الترجمة مجرد نقل آلي، بل كانت عملية إبداعية قام خلالها العلماء المسلمون بشرح وتحليل وتطوير المعارف المنقولة، وقد ترجمت أعمال الفلاسفة الإغريق مثل أرسطو، والنصوص العلمية في الطب والرياضيات والفلك، ثم أضاف العلماء المسلمون عليها وأبدعوا فيها، مما أسس لمنهج علمي جديد أثر بدوره في النهضة الأوروبية لاحقاً.

الترجمة وأهميتها في نقل الدعوة الإسلامية

لا يخفى  ما للترجمة من أهمية بالغة في نقل النصوص الدينية وتعليم الإسلام فمع توسع رقعة الدولة الإسلامية واختلاط المسلمين بأقوام يتكلمون لغات مختلفة، برزت الحاجة الملحة لترجمة النصوص الدينية والتعريف بالإسلام، وقد بدأ هذا الاهتمام منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث ورد أن الصحابي زيد بن ثابت تعلم اللغة السريانية بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم خلال نصف شهر كما مر لنقل الرسالة الإسلامية.

وكذا لعبت الترجمة دورًا محوريًا في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والتي تؤكد النصوص الإسلامية على أهميتها، وهو ما يتطلب فهماً عميقاً للغات وثقافات الآخرين، يقول الله تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:١٢٥]. وقد ساهمت الترجمة في تحقيق هذا الأمر من خلال نقل تعاليم الإسلام بصورة صحيحة ومؤثرة.

الترجمة وترسيخ قيم التعايش وتبادل الثقافات

كانت الترجمة جسرًا للتواصل بين الحضارات، فقد مثلت حركة الترجمة في العصر الإسلامي الذهبي جسراً للتواصل بين مختلف الحضارات، حيث انتقلت المعارف من اليونانية والسريانية والفارسية إلى العربية، ثم من العربية إلى اللاتينية فيما بعد، وهذا التبادل الثقافي لم يثرِ المعرفة العلمية فحسب، بل ساهم في خلق بيئة من التسامح والتعايش بين اتباع الأديان والثقافات المختلفة.

وكذا ساهمت الترجمة في إثراء الهوية الحضارية الإسلامية، فقد ساعدت الترجمة في صياغة هوية حضارية إسلامية متميزة، قادرة على استيعاب أفضل ما في الحضارات الأخرى وتطويره بما يتوافق مع رؤيتها وقيمها، وقد تجلى ذلك في ظهور علماء مسلمين كبار مثل ابن سينا في الطب والخوارزمي في الرياضيات وابن رشد في الفلسفة، فاستفادوا من الترجمات وأضافوا عليها إضافات مبتكرة.

الخاتمة

تبقى الترجمة أداة حيوية لفهم الآخر والتعايش معه في عالم يتسم بالترابط والتعددية، وإن الاحتفال باليوم العالمي للترجمة هو تأكيد على دورها المحوري في بناء جسور التواصل بين الشعوب، ونقل المعرفة، وتعزيز التفاهم المتبادل، وفي عصر العولمة والثورة الرقمية، تبرز أهمية الترجمة أكثر من أي وقت مضى كوسيلة للحفاظ على التنوع الثقافي وترسيخ قيم السلام والتعاون بين الأمم، قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات:١٣]

موضوعات مختارة