إن الإسلام
ضرب المثل الأعظم في تشريعه وهديه لحقوق كبار السن والمسنين، حيث جعل لهم فقهًا
خاصًا يراعي ظروفهم الصحية والاقتصادية ومكانتهم الاجتماعية، ولم يفرق في هذه
الحقوق بين مسلم وغير مسلم فها هو سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يُكرم
يهوديًا لا يقوى على دفع حقوق الدولة، ويجعل له من بيت مال المسلمين راتبًا شهريًا،
وأصدر قرارًا يشمل كل من كان على شاكلته [ينظر
عبقريات العقاد، عبقرية عمر - رضي الله عنه]، ومسلك سيدنا
عمر - رضي الله عنه - هذا هو تطبيق عملي لقوله تعالى: {وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا
بَنِيٓ ءَادَمَ} [الإسراء: ٧٠] ، واقتداءً
بهدي النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فعن ابن عباس - رضي الله عنهما-، قال: "جاء
شيخٌ يريدُ النبي - صلى الله عليه وسلم - فأبطأ القوم عنه أن يوسِّعوا له، فقال
النبي - صلى الله عليه وآله وسلم: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ
صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا» [سنن
الإمام الترمذي حديث رقم ٥٤٤٣ ، ٥٤٤٤]، وفي رواية عن أنس قال - صلى الله
عليه وآله وسلم -: «مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ
إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ
عِنْدَ سِنِّهِ» [سنن الإمام الترمذي ٤/٣٧٢ ، حديث رقم
٢٠٢٢، وقال: غريب]، لذلك نجده - صلى الله عليه وآله وسلم - عندما
جاءه سيدنا أبو بكر - رضي الله عنه - بأبيه أبي قحافة يوم فتح مكة يحمله حتى وضعه
بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه
وآله وسلم - لأبي بكر: «لو أقررتَ الشيخ في بيته لأتيناه» [أخرجه
الإمام أحمد في مسنده، مسند أنس بن مالك - رضي الله عنه - جـ ٣ صـ ١٦٠]، وروى معاذ بن
جبل - رضي الله عنه - أن رسولَ الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «إِذَا
أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ» [أخرجه الإمام
ابن ماجه ٣٧١٢]، وقال - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إِنَّ
مِنْ إِجْلَالِ اللهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِم» [أخرجه الإمام
أبو داود في سننه، حديث رقم: ٤٨٤٣]، كما حمى النبي - صلى الله عليه
وآله وسلم -كبار السن في الحروب والصراعات فنهى عن قتلهم، ففي رواية عند البيهقي
وغيره: «وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا طِفْلًا، وَلَا
امْرَأَةً، وَلَا شَيْخًا كَبِيرًا» [السنن
الكبرى للبيهقي٩/ ١٥٤، ١٨١٥٥].
كما دعا
الإسلام إذا بلغ الإنسان الكبر أن ينال الرعاية في محيطه العائلي ولا يُدفع إلى
دور المسنين، قال الله تعالى: {وَقَضَىٰ
رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ
إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل
لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا} [الإسراء:
٢٣]، فتأمل قوله {يَبۡلُغَنَّ
عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ}، أي: في بيتك
وفي لحافك وفي رعايتك وعطفك.
إن كبر
الوالدين ورعاية كبار السن من أعلى درجات التقوى في الإسلام، حيث جعله الله تعالى
فرض عين على كل مسلم، سواء كان الوالدان مسلمين أو غير ذلك، ما لم يأمرا بشرك أو
معصية، فقد قرن القرآن الكريم الإحسان إليهما بعبادته سبحانه، كما في قوله تعالى: {وَوَصَّيۡنَا
ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ } [الأحقاف:
١٥]، وفي سورة لقمان: {أَنِ
ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ} [لقمان:
١٤] ، مما يدل
على أن الشكر للوالدين جزء من الشكر لله، وفي حال الكبر والشيخوخة يزداد الاهتمام،
فالأمر الإلهي يحظر حتى أدنى درجات الإيذاء، ويأمر بالكلام الكريم والدعاء لهما: {وَٱخۡفِضۡ
لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا
رَبَّيَانِي صَغِيرٗا} [الإسراء:
٢٤] .
والسنة
النبوية الشريفة مليئة بالأحاديث التي ترفع من شأن بر الوالدين وتوقير الكبار، قال
رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم: «رِضَا اللَّهِ فِي رِضَا
الْوَالِدَيْنِ، وَسُخْطُهُ فِي سُخْطِهِمَا» [أخرجه
الترمذي حديث رقم:١٨٩٩]، مما يجعل رضا الوالدين بابًا
لرضا الله، وفي حديث آخر: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٍ: دَعْوَةُ
الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ» [الأدب
المفرد للإمام البخاري - ت عبد الباقي ١/١٦٩]، فاحذر من
إغضاب الوالدين لئلا تكون دعوتهما عليك سببًا في الهلاك.
كما أن
الإسلام يمدح من طال عمره وحسن عمله، كقوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «خَيْرُ
النَّاسِ مَنْ طالَ عُمُرُهُ وحَسُنَ عَمَلُهُ» [أخرجه
الترمذي كتاب الزهد باب ما جاء في طول العمر للمؤمن، حديث رقم ٢٣٣، وقال حسن غريب،
وحديث رقم ٢٣٣١ وقال حسن صحيح]، لأن كبار السن هم خزانة الحكمة
والتجربة، وفيما يتعلق بدور المسنين يجوز وضعهم في دور رعاية متخصصة إذا كان ذلك
لتوفير الرعاية المناسبة، بشرط أن يكون مبنيًا على الرحمة والاحترام، لا القسوة والإهمال.
هذه الأدلة
تؤكد أن رعاية الكبار ليست مجرد إحسان، بل عبادة تفتح أبواب الجنة، كما في قوله -
صلى الله عليه وآله وسلم -: «الْجَنَّةُ تَحْتَ أَقْدَامِ الْأُمَّهَاتِ» [مسند الشهاب القضاعي، ١/١٠٢]