بينما تحاول بعض الأصوات تشويه مفهوم السلام في الإسلام ووصفه بتنازلٍ أو ضعف، تنهض النصوص الشرعية لتروي قصةً أخرى؛ قصة تأسيسٍ لمشروعية السلام كقيمةٍ عليا في بناء الأمم وتحقيق المصالح. فالإسلام الذي جاء رحمةً للعالمين، لم يغفل عن تأصيل هذه القيمة في نصوصه المؤسسة، بل جعلها منهجاً لإقامة العدل ودرء المفاسد.
ففي القرآن الكريم، يأمر الله تعالى المؤمنين بالسلام بأبلغ صيغة للعموم والشمول، ويوجب الاستجابة لنداء السلام حين يطلقه الطرف الآخر: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} [الأنفال: ٦١] . وهذا ما أشار إليه الإمام القرطبي بقوله: "إن مالوا- يعني الذين نبذ إليهم عهدهم- إلى المسالمة، أي الصلح، فمل إليها، هذا أمر من الله تعالى لنبيه والمؤمنين بأن يقبلوا الصلح إذا جنح إليه العدو" [الجامع لأحكام القرآن، ج٨، ص ٣٩].
قال القاضي ابن العربي: "وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح، لنفع يجتلبونه، أو ضرر يدفعونه، فلا بأس أن يبتدئ المسلمون به إذا احتاجوا إليه". [أحكام القرآن لابن العربي، ج٢، ص ٤٢٧].
ويؤكد هذا المعنى ما جاء في تفسير ابن كثير: "{وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ} أَيْ: مَالُوا {لِلسَّلۡمِ} أَيْ: الْمُسَالَمَةِ وَالْمُصَالَحَةِ وَالْمُهَادَنَةِ، {فَٱجۡنَحۡ لَهَا} أَيْ: فَمِلْ إِلَيْهَا وَاقْبَلْ مِنْهُمْ ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَمَّا طَلَبَ الْمُشْرِكُونَ، عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الصُّلْحَ، وَوَضْعَ الْحَرْبِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تِسْعَ سِنِينَ، أَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ مَعَ مَا اشْتَرَطُوا مِنَ الشُّرُوطِ الْأُخَرِ" [تفسير ابن كثير: ج٤، ص٧٤].
ولم تكن السنة النبوية بمعزلٍ عن هذه القيمة الانسانية والشرعية، بل قدمت أروع النماذج التطبيقية عبر صلح الحديبية، الذي مثل نقلةً استراتيجية في فهم السلام كخيارٍ استباقي وليس ردّة فعل. فقد روى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن بنود الصلح: «وَاللهِ لَا تَدْعُونِي قُرَيْشٌ الْيَوْمَ إِلَى خُطَّةٍ يَسْأَلُونِي فِيهَا صِلَةَ الرَّحِمِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا» [مسند أحمد - ٣١/٢١٣].
ولم يكن هذا الصلح مجرد اتفاقيةٍ سياسية، بل كان حدثاً استثنائياً نزل القرآن مؤيداً له: {إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا} [الفتح: ١] .
ولا ينفرد الإسلام بإعلاء قيم السلام بين البشرية، فالرسالات السماوية تتشارك في التأكيد على قيمة السلام كأساسٍ للتعايش.
ففي الرسالة المسيحية، يعلن الإنجيل: "طوبى لصانعي السلام فإنهم أبناء الله يدعون" [إنجيل متى ٥: ٩]، ويؤكد القديس بولس: "إنْ كَانَ مُمكنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ" [رسالة رومية ١٢: ١٨].
وفي الرسالة اليهودية، تنص التوراة على السعي الحثيث نحو السلام: "اطلبوا السلام واسعوا وراءه" [سفر المزامير ٣٤: ١٤]، وتؤكد التعاليم اليهودية أن "السلام العظيم هو أساس العالم" [التلمود البابلي].
هذه المعاني كلها سبق وبينها الرئيس الراحل بطل الحرب والسلام محمد أنور السادات في زيارته التاريخية للقدس : "لقد جئت إليكم اليوم على قَدَمَيْن ثابتَتَيْن، لكي نبني حياة جديدة، ولكي نُقِيم السلام. وكلنا على هذه الأرض، أرض الله، كلنا (مسلمون ومسيحيون ويهود) كلنا نعبد الله، ولا نشرك به أحداً، وتعاليم الله ووصاياه، هي حب وصدق وطهارة وسلام". [السادات: خطاب الكنيست، بتاريخ ٢٠ نوفمبر ١٩٧٧].
فوجود هذا التوافق بين الرسالات السماوية يؤكد أن السلام ليس خياراً ثانويًّا، بل هو قيمةٌ أصيلة وغاية سامية في الشرائع السماوية، وجزءٌ لا يتجزأ من رسالتها الإنسانية، إنه الجسر الذي تعبر عليه الأمم من ظلمات الصراع إلى نور التعايش، ومن قاع الصراع والتناحر إلى قمم المجد والتعاون.