Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

اليوم العالمي لحقوق الطفل

الكاتب

هيئة التحرير

اليوم العالمي لحقوق الطفل

الطفولة ليست مجرد مرحلة عمرية، بل هي البذرة الأولى التي تُزرع فيها ملامح الإنسان، فإن أُحسن غرسها أزهرت الأمة، وإن أُهملت ذبلت القيم، وضاعت الحضارة.

الطفولة بين المواثيق الدولية، والهدي الإسلامي

في العشرين من نوفمبر من كل عام، يُحيي العالم اليوم العالمي لحقوق الطفل، وهو مناسبة أقرَّتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ١٩٨٩م حين اعتمدت اتفاقية حقوق الطفل؛ لتكون وثيقة دولية تُلزم الدول بحماية حقوق الأطفال في الحياة، والتعليم، والرعاية، والحماية من العنف، والحق في التعبير والمشاركة؛ لكن هذا اليوم لا ينبغي أن يُختزل في شعارات أو احتفالات رمزية، بل هو نداءٌ عالمي لإحياء الضمير الإنساني، والتذكير بأن الطفولة ليست مرحلة عابرة، بل هي التربة التي تُزرع فيها القيم، وتُبنى فيها النفوس، وتُصاغ فيها ملامح المستقبل، وإذا كانت المواثيق الدولية قد وضعت إطارًا قانونيًّا لحماية الطفل، فإن الإسلام قد سبقها جميعًا، وأرسى حقوق الطفل في تشريعٍ ربانيٍّ متكامل، يبدأ من النية، ويثمر في التربية، ويزهر في الرحمة، ويثمر في بناء الإنسان.

حقوق الطفل في الإسلام تبدأ قبل أن يُولد

في ديننا الحنيف يوجهنا الحبيب المصطفي -صلى الله عليه آله وسلم- بأنه لا تبدأ حقوق الطفل بعد ولادته، بل تبدأ من اختيار الزوجة الصالحة؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- قال: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا؛ فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» [متفق عليه]، فالأم هي المدرسة الأولى.

ومن أرقى صور الرحمة التي شرعها الإسلام للطفل، تلك التي تبدأ قبل أن يُخلق حين يُعلِّمنا النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أن من حقه علينا أن نبدأه بدعاء طاهر عند الجماع، فيقول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِىَ أَهْلَهُ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِى ذَلِكَ لَمْ يَضُرُّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا» [رواه البخاري]، فهذا الدعاء ليس مجرد لفظ، بل هو استفتاح لحياة نقية، تُصان من وساوس الشر، وتُبارك من أول لحظة، ثم إذا خرج إلى الدنيا، كان له حق في التعليم والتأديب، فيُعلَّم على سبع، ويُؤدَّب على عشر، ويُفرَّق بينه وبين إخوته في المضاجع؛ فعنعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ«مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» [رواه أبو داوود، وأحمد، والدر قطني، والبيهقي] وأمر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لا قسوةً بل تهذيبًا، ولا إهمالًا بل تربية.

إن التربية لا تكون بالقسوة، بل بالحب والاحتواء كما كان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم - يفعل مع - سيدنا الحسن والحسين - رضي الله عنهما - فيُطيل السجود إذا ركب أحدهما على ظهره، ويقول -صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ» (رواه النسائي، وأحمد)، ومن الحقوق النفسية للطفل أن يُشعر بالأمان، ويُحترم رأيه، ويُحمى من العنف، ويُربَّى على الثقة بالنفس، لا على الخوف والذل، وقد أثبتت الدراسات النفسية أن الطفل الذي يُربَّى في بيئة آمنة، مليئة بالحب والاحترام، يكون أكثر قدرة على التعلم، والإبداع، والتواصل، فعلينا أن نأخذ بهذه القاعدة الذهبية في المصاحبة: "لاعب ابنك سبعًا، وأدِّبه سبعًا، وصاحبه سبعًا"، مما يُبرز أهمية المصاحبة في بناء الشخصية.

وحين يبلغ مرحلة المراهقة، لا يُقصى ولا يُزجر، بل يُصاحب ويُحتوى، ويُفتح له باب الحوار، ويُربَّى على الرجولة والكرامة، لا على التسلط أو التهميش، إنها مراحل متكاملة، تُرسم بخيوط الرحمة، وتُغزل بخيوط الحكمة، وتُثمر إنسانًا سويًّا، نافعًا لنفسه وأهله وأمته، فيا أيها المربِّي، ويا أيتها الأم، لا تستهينوا بهذه الحقوق، فإنها مفاتيح السعادة في الدنيا، ومنازل القرب في الآخرة.

دعوة للتجديد والالتزام بحقوق الطفل في ضوء الوحي

إن اليوم العالمي لحقوق الطفل يجب أن يكون مناسبة لتجديد العهد مع الله، بأن نُعطي الأطفال حقوقهم كاملة، لا أن نكتفي بالشعارات، يجب أن نُحيي ضمير الأمة تجاه أطفالها، وأن نُربِّي أبناءنا على الإيمان، والكرامة، والعلم، والرحمة، كما ربَّى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم - سيدنا الحسن والحسين - رضي الله عنهما - وكما يُعلِّمنا ديننا الحنيف، فحقوق الطفل في الإسلام ليست مِنَّةً، بل هي واجبٌ شرعي، وإنساني، وأخلاقي، فلنُحيِ هذا اليوم بصدق بالنية، ومعاني الرحمة، وصدق التربية، ولنُنشئ جيلًا يُضيء العالم بقيمه، ويُعيد للإنسانية وجهها المشرق، ولنتذكَّر دائمًا قول الله تعالى: {وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا} [الإسراء: ٢٤]، فكما نرجو الرحمة من الله، فلنكن رحماء بمن هم أمانة في أعناقنا

رسالة إلى كل أب وأم

يا من أكرمكم الله بالأبوة والأمومة، اعلموا أن أطفالكم ليسوا مجرد امتداد لأجسادكم، بل هم أمانة في أعناقكم، وكتاب مفتوح تكتبون فيه كل يوم سطرًا من سطور المستقبل، إن الطفل لا يطلب منكم مالًا ولا جاهًا، بل يطلب قلبًا يحتويه، وعقلًا يرشده، ويدًا تمسك به في طريق الحياة.

لا تجعلوا مشاغل الدنيا تُنسيكم أن أعظم استثمار هو في تربية أبنائكم، وأن أعظم بناء هو بناء الإنسان، فكل لحظة تقضونها معهم، وكل كلمة طيبة تُقال لهم، وكل دعاء يُرفع لأجلهم، هو لبنة في صرحٍ عظيم يُشيد في الدنيا، ويُثمر في الآخرة.

تذكّروا أن الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وآله وسلم - قبَّل - سيدنا الحسن والحسين - رضي الله عنهما - واحتضنهم، وأطال السجود خوفًا من أن يقعوا من على ظهره الشريف؛ فعن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ» (متفق عليه)، فكونوا رحماء، وكونوا قدوة، وكونوا عونًا لهم على فهم الحياة، لا عبئًا يُثقل أرواحهم.

وإن قصَّرتم يومًا فاستدركوا، وإن غفلتم فانتبهوا، فالأطفال لا ينتظرون، والطفولة لا تُعاد، والفرص لا تتكرر، فامنحوا أبناءكم حقوقهم كاملة: في الحب، في التعليم، في المصاحبة، في الدعاء، في الحماية، وفي بناء الشخصية.

فأنتم الراعي، وهم الرعية، وأنتم الجذر، وهم الثمرة، وأنتم النور، وهم الطريق، فكونوا كما أراد الله لكم، وكونوا كما بيَّن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم - لأمته، وكونوا كما يرشدنا ديننا السَّمْح أن نكون رحماء، مربِّين، بناة أجيال.

نسأل الله أن يرزقكم الحكمة في التربية، والرحمة في المعاملة، والبركة في الذرية، وأن يجعل أبناءكم قُرَّة عَين لكم في الدنيا، وذخرًا لكم في الآخرة.

الخلاصة

حقوق الطفل ليست رفاهية، بل هي واجب شرعي، وأمانة ثقيلة في أعناقنا، منذ لحظة النية وحتى مرحلة المصاحبة، يُرشدنا الإسلام إلى تربية متكاملة تُثمر إنسانًا سويًّا، فلنُربِّي أبناءنا على الرحمة، والكرامة، والإيمان، كما ربَّى سيدنا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم سيدنا الحسن والحسين - رضي الله عنهما - فهم غرس اليوم، وثمرة الغد، وميراث الأمة الذي لا يُشترى ولا يُعوَّض.

موضوعات مختارة