Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

اليوم العالمي للحرية

الكاتب

هيئة التحرير

اليوم العالمي للحرية

يحتفل العالم في التاسع من نوفمبر باليوم العالمي للحرية؛ ليطرح علينا سؤالًا جوهريًا يتجاوز المعاني القانونية؛ إنه عن (ماهية الحرية) كـ (مسؤولية وأهلية) تبدأ بتحرير الوعي الفردي، وتمتد كمسارٍ متكامل لصناعة العمران الحضاري الرشيد في مواجهة تحديات التطرف اللاديني والديني.

التطرف الديني، وخطر مصادرة حرية المتدين البسيط

إن التطرف باسم الدين هو الوجه الآخر لعملة التطرف اللاديني في مصادرة الحرية، فإذا كانت العدمية تصادر حرية الإنسان بتجريده من المرجعية، فإن التطرف الديني يصادرها بـإكراهه على فكرة واحدة، ويحوِّله إلى تابعٍ، مسلوب الإرادة.

يبرز الخطر هنا في استهداف (المتدين البسيط) الذي يبتغي القرب من الله؛ ليتم تحويله من مُكلَّف حر ومسؤول إلى أسير لـ (سلطان الفكرة) المغلقة، وتتجلى مصادرة الحرية في ممارسة الجماعات المتطرفة لـ:

  • فرض الرأي بالتخويف: إجبار الأفراد على تبني تفسيرات معيَّنة للنص، ومحاصرة إرادتهم الحرة في الاختيار والاجتهاد.
  • عقيدة التكفير الهدَّامة: وهذه هي الذروة، فإذا لم يخضع المتدين البسيط لفكر هذه الجماعة، يتم تكفيره أو اتهامه بالابتداع، مما يهدد وجوده الاجتماعي والديني، ويجعل حريته في العقيدة والعبادة محاصرة.

إن هذا السلوك يصادم مقصد الشريعة الأسمى، وهو (حرية الوجدان)، وكرامة الإنسان.

الشواهد الدينية على رفض مصادرة الحرية بالتكفير أو الإكراه:

  • رفض الإكراه في الدين: جاء القرآن الكريم صريح في أن الإيمان اختيار حر لا يقبل الإجبار حتى في أقدس القضايا قال تعالى: {لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ} [البقرة: ٢٥٦]، هذه الآية الكريمة هي الضمانة الكبرى لعدم مصادرة حرية (المتدين) في ممارسة قناعاته دون ضغط، وهي المبدأ الذي ترفض به الشريعة كل صور القهر الفكري.
  • التحذير النبوي الشديد من التكفير: نهى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عن الاستخفاف بـ (قنطرة الحرية) وهي التكفير؛ لأنه اعتداء على الحكم الإلهي، وانتزاع لأهلية الفرد: فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» [رواه البخاري رقم (٦١٠٤)، ومسلم رقم (٦٠)]، وهذا الحديث يضع حاجزًا أخلاقيًا وشرعيًا أمام سلاح التكفير الذي تستخدمه الجماعات؛ لمصادرة حرية المتدين، وإجباره على التبعية الفكرية والعقدية.

إن الإرهاب والتطرف هو التعبير الأعنف عن (مصادرة الحرية)، فمتى جُرِّد الإنسان من حريته، تحول إلى أداة يمكن استخدامها للهدم، وهذا ما يتنافى مع رسالة الإسلام التي جاءت لتحرير الإنسانية.

التطرف اللاديني، وأزمة (الحرية العدمية)

حين نتحدث عن التطرف، فإن الوعي المنصف يدرك أنه لا يقتصر على لون واحد، فكما أن هناك تطرفًا يختطف النص الديني، ويحوله إلى أداة هدم، هناك أيضًا (تطرف مضاد) يتمثل في اللادينية المتطرفة أو العدمية (Nihilism).

هذا التيار ليس مجرد موقف فكري هادئ، بل هو في كثير من صوره (غلو) في رفض كل ما هو قيمي أو أخلاقي أو غيبي، إنه يقدم الحرية في صورتها المطلقة، أي (التحرر من كل شيء)؛ التحرر من المرجعية، والتحرر من المسؤولية الأخلاقية، وصولًا إلى التحرر من معنى الوجود ذاته.

وهنا يكمن الخطر، هذه (الحرية العدمية) تفرغ الإنسان من داخله، إنها تفكك (منظومة القيم) التي تمثل البوصلة الداخلية للفرد، وحين يغيب المعنى، وتغيب البوصلة، يتحول الإنسان من (كائن مكرَّم) إلى مجرد كائن بيولوجي، تحركه الغرائز، وردود الأفعال، وهذا ما حذَّر منه القرآن الكريم: فقال تعالى: {أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ فَمَن يَهۡدِيهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: ٢٣]، فالهوى هو قيدٌ داخليٌ أشدّ من أي قيد خارجي، والتحرر الحقيقي هو تحرير النفس من سيطرة الأهواء.

ففكرة (الحرية العدمية) مرتبطة برفض اليوم الآخر، والحساب، مما يزيل المسؤولية الأخلاقية عن الأفعال، وهو ما صوَّره القرآن فيمن ينكرون الغاية قال سبحانه: {وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا يُهۡلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهۡرُۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ} [الجاثية: ٢٤]، هذا التجريد للوجود من الغاية هو أصل الفوضى، والتطرف المضاد.

إن التطرف اللاديني في جوهره هو رد فعل متشنج على التطرف الديني، وكلاهما يقتات على الآخر، وكلاهما يهدم (الإنسان)؛ الأول باسم (الحق الإلهي) المغتصب، والثاني باسم (الحق الإنساني) المطلق، وكلاهما في الحقيقة تطرف ضد (العقل)، وضد (العمران)، وضد حرية الإنسان.

بناء الإنسان كشرط للحرية الحقيقية

إن المدخل الصحيح لفهم الحرية هو (بناء الإنسان)، هذا هو المشروع المركزي للحضارات الحقيقية، والرسالات السماوية، الحرية لا تُوهب لمن لم يُبنَ بعد.

(بناء الإنسان) يعني في منظورنا عملية (تزكية) و(تربية) و(تعليم) متكاملة.

فتحرير العقل بالعلم، والتحذير من التبعية الجاهلة: الإنسان لا يكون حرًا وهو أسير الجهل أو الخرافة أو المعلومة المغلوطة، البناء المعرفي الرصين هو أول درجات الحرية، إنه يعلم الإنسان كيف يفكر، لا ماذا يفكر.

فالحرية تبدأ من العقل المفكِّر الذي لا يتبع الظن أو التقليد الأعمى {وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا} [الإسراء: ٣٦]، فالآية تؤسس لمبدأ (المسؤولية المعرفية)، فالفرد مسؤول أمام الله عن تحريه للعلم الصحيح قبل اتخاذ أي موقف.

تزكية النفس كأصل الفلاح، والحرية الباطنية: الحرية الحقيقية هي التحرر من (العبودية الداخلية)؛ التحرر من عبودية الهوى، والشهوة، والغضب، والأنانية، الإنسان الذي لا يملك زمام نفسه ليس حرًا، بل هو مستعبَد لأهوائه، هنا يأتي دور (منظومة القيم والأخلاق) التي تصقل الروح، وتهذب السلوك، وفي هذا يقول الله -عز وجل: {قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا} [الشمس: ٩-١٠]، الفلاح مرتبط بـتزكية النفس، أي تطهيرها وتنميتها، وهي العملية التي تمنح الإنسان التحكم في ذاته بدلًا من أن تتحكم به غرائزه.

تنمية الوعي بالغاية: الإنسان الحر هو الذي يدرك غايته من الوجود، هذا الوعي بالغاية (الاستخلاف، عمارة الأرض، تحقيق الخير) قال تعالى: {وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [الأعراف: ٥٦]، وقال أيضاً: {وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} [الحج: ٧٧] هو ما يمنح حريته (اتجاهًا) و(معنى).

الحرية هي إدراك المسؤولية الفردية: الحرية قرينة بالمسؤولية الكاملة عن الأفعال؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ...» [رواه البخاري رقم (٢٤٠٩)، ومسلم رقم (١٨٢٩)]، وهذا يشمل رعاية الإنسان لذاته ولأفعاله، فالحرية لا تعني الانفلات، بل تعني الإقرار بالمسؤولية عن كل قرار واختيار.

إن الإنسان الذي تم (بناؤه) على أسس من العلم الرصين، والقيم الراسخة، والوعي بالغاية، هو وحده المؤهل؛ لممارسة الحرية بحيث لا تتحول إلى فوضى، بل إلى (إبداع) و(إنتاج) و(رحمة).

صناعة الحضارة كثمرة للحرية المسؤولة

إن الإنسان الحر، المبني بالعلم والقيم لا يعيش منعزلًا، بل يشكل مع غيره (العمران الحضاري)، والحضارة هي النتاج الجماعي للحرية المسؤولة، القائمة على العدل والتعاون.

الحضارة هي النتاج الجماعي للأفراد الأحرار والمسؤولين: عندما يجتمع أفراد تم تحرير عقولهم بالعلم، وتزكية نفوسهم بالقيم، فإن حريتهم المشتركة لا تنتج صراعًا (كما تفترض بعض الفلسفات المادية)، بل تنتج (تكاملًا) و(تعاونًا) لصناعة الجمال والنفع العام، قال تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٞ} [هود: ٦١]، فقوله: {وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا} هو أساس مشروع الحضارة، والتعمير الذي هو غاية وجود الإنسان الحر على الأرض.

الحرية الفوضوية (العدمية): تؤدي إلى (صراع غابي)، وتفكك اجتماعي، وهدم للعمران قال تعالى: {وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ} [الأنفال: ٤٦].

الحرية المسؤولة (المبنية): تؤدي إلى (شهود حضاري) قائم على العلم الرصين، والفن المبدع ، والرحمة الشاملة ولا يمكن أن تقوم حضارة مستدامة إلا بتحقيق تلك الأركان وهنا ربط واضح بين الأمر الإلهي بالتعمير، وبين نتيجته التي يجب أن تقوم بين الناس للوصول إلى صناعة حضارية دائمة.

إن الحضارة التي نبتغيها هي تلك التي توازن بين (الحق) و(الواجب)، بين (حرية الفرد) و(مصلحة المجموع)، هي حضارة تتيح مساحة للاختلاف الفكري، والإبداع العلمي، لكنها تحمي (الإنسان) في كرامته، و(المجتمع) في تماسكه.

الخلاصة

في اليوم العالمي للحرية، نحن مدعوون لتجديد الوعي بأن الحرية ليست شعارًا يُرفع، بل هي (مشروع بناء) يبدأ بتحرير الإنسان من الجهل والهوى. إنها عملية بناء لقيم وأخلاق تحفظ كرامة الإنسان، وتنتهي بصناعة حضارة مسؤولة لا تهدم، بل تملأ الوجود بالغاية، والنفع العام، حفظ الله مصر وأهلها، ووهبنا جميعًا الوعي الرشيد، والفهم السديد.

موضوعات مختارة