إن المدخل الصحيح لفهم الحرية هو (بناء الإنسان)، هذا هو المشروع المركزي للحضارات الحقيقية، والرسالات السماوية، الحرية لا تُوهب لمن لم يُبنَ بعد.
(بناء الإنسان) يعني في منظورنا عملية (تزكية) و(تربية) و(تعليم) متكاملة.
فتحرير العقل بالعلم، والتحذير من التبعية الجاهلة: الإنسان لا يكون حرًا وهو أسير الجهل أو الخرافة أو المعلومة المغلوطة، البناء المعرفي الرصين هو أول درجات الحرية، إنه يعلم الإنسان كيف يفكر، لا ماذا يفكر.
فالحرية تبدأ من العقل المفكِّر الذي لا يتبع الظن أو التقليد الأعمى {وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا} [الإسراء: ٣٦]، فالآية تؤسس لمبدأ (المسؤولية المعرفية)، فالفرد مسؤول أمام الله عن تحريه للعلم الصحيح قبل اتخاذ أي موقف.
تزكية النفس كأصل الفلاح، والحرية الباطنية: الحرية الحقيقية هي التحرر من (العبودية الداخلية)؛ التحرر من عبودية الهوى، والشهوة، والغضب، والأنانية، الإنسان الذي لا يملك زمام نفسه ليس حرًا، بل هو مستعبَد لأهوائه، هنا يأتي دور (منظومة القيم والأخلاق) التي تصقل الروح، وتهذب السلوك، وفي هذا يقول الله -عز وجل: {قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا} [الشمس: ٩-١٠]، الفلاح مرتبط بـتزكية النفس، أي تطهيرها وتنميتها، وهي العملية التي تمنح الإنسان التحكم في ذاته بدلًا من أن تتحكم به غرائزه.
تنمية الوعي بالغاية: الإنسان الحر هو الذي يدرك غايته من الوجود، هذا الوعي بالغاية (الاستخلاف، عمارة الأرض، تحقيق الخير) قال تعالى: {وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [الأعراف: ٥٦]، وقال أيضاً: {وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} [الحج: ٧٧] هو ما يمنح حريته (اتجاهًا) و(معنى).
الحرية هي إدراك المسؤولية الفردية: الحرية قرينة بالمسؤولية الكاملة عن الأفعال؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ...» [رواه البخاري رقم (٢٤٠٩)، ومسلم رقم (١٨٢٩)]، وهذا يشمل رعاية الإنسان لذاته ولأفعاله، فالحرية لا تعني الانفلات، بل تعني الإقرار بالمسؤولية عن كل قرار واختيار.
إن الإنسان الذي تم (بناؤه) على أسس من العلم الرصين، والقيم الراسخة، والوعي بالغاية، هو وحده المؤهل؛ لممارسة الحرية بحيث لا تتحول إلى فوضى، بل إلى (إبداع) و(إنتاج) و(رحمة).