Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

صاحب الحنجرة الذهبية الشيخ/ عبد الباسط عبد الصمد

الكاتب

هيئة التحرير

صاحب الحنجرة الذهبية الشيخ/ عبد الباسط عبد الصمد

حين يذكر المسلمون جمال التلاوة، ورهافة الأداء، وصفاء الروح وهي ترفرف مع آيات القرآن؛ فإن أول ما يخطر في البال ذلك الصوت الذي صاغ وجدان الأمة، وارتفعت به مصر؛ لتكون (دولة التلاوة) في العالم الإسلامي، إنه صوت الشيخ/ عبد الباسط عبد الصمد، الرجل الذي لم يكن مجرد قارئ، بل مدرسة متفرِّدة، ومقامًا فذَّا جُمعت له موهبةُ الأداء، وجودةُ الحفظ، ونقاءُ الروح حتى صار  بحقٍّ  (صاحب الحنجرة الذهبية).

ميلادٌ في أرض الصعيد، وميراث من المحراب

وُلِد الشيخ عبد الباسط في يناير ١٩٢٧م بقرية المراعزة بمدينة أرمنت بمحافظة قنا، تلك البيئة الزراعية الطاهرة التي كانت ولا تزال تصنع القُرّاء، وتغرس في وجدان أبنائها تعظيم القرآن الكريم، وتوقيره، نشأ في بيتٍ عامرٍ بالقرآن الكريم، فوالده الشيخ محمد عبد الصمد كان واحدًا من أهل العلم والقراءة في الصعيد، فتشرّبت أوتارُ الطفل الصغير نغماتِ القرآن الكريم قبل أن يتقن الكلام.

لم يكن حفظه للقرآن الكريم مجرد مهمة، بل كان فتحًا مبكرًا؛ إذ ختم القرآن الكريم صغيرًا، وأتقن أحكام التلاوة، ثم أقبل على قراءات الإمام حفص عن عاصم قبل أن يتوسع في القراءات الأخرى، فصار من المتفردين فيها أداءً وإتقانًا.

الإذاعة المصرية منبرٌ صنع الأسطورة

في عام ١٩٥١م التحق الشيخ بالإذاعة المصرية، واعتمد قارئًا رسميًا، كان ظهوره لحظة فارقة؛ إذ سمع الناس صوتًا يحمل نقاء السماء، وقدرةً بيانيةً تُحرِّك القلب قبل الأذن، لم يكن أداءه مجرد تلاوة، بل كان - كما وصفه كبار الموسيقيين- (هندسةً صوتيةً) تتنقل بين المقامات، وتخاطب الأرواح، وتُجسِّد المعاني القرآنية كما لا يفعل إلا القليل.

ثم جاء عام ١٩٨٤م لحظةً أخرى في تاريخ دولة التلاوة حين أصبح الشيخ عبد الباسط أول نقيب لقراء مصر، فجمع مكانة العلم إلى مكانة الأداء، وصار مرجعًا للقراء، وحصنًا للتقليد الأصيل، وصوتًا للدولة في حفظ هوية التلاوة المصرية.

سفيرُ القرآن الكريم صوتٌ عبر القارات

لم يكن الشيخ مقصورًا على محراب مصر، بل جاب العالم شرقًا وغربًا من آسيا إلى إفريقيا، ومن أوروبا إلى الأمريكتين حتى صار (سفير القرآن)، وكان حضوره في أي بلد حدثًا ينتظره الناس، يملؤون المساجد والساحات قبل وصوله بساعات، يسمعون تلاوةً لا تشبِه إلا نفسها، تحمل نورًا من مصر إلى العالم.

وقد شهد الملوك والرؤساء والعلماء في مشارق الأرض ومغاربها أن صوت الشيخ عبد الباسط كان يفتح القلوب قبل الآذان، ويرفع شأن القرآن الكريم في نفوس الناس، ويجعل اللغة العربية عروسًا تتجلى في أبهى ثوبها.

وفاته يومٌ مشهود

في ٣٠ نوفمبر ١٩٨٨م طوى الله صفحة رجل من أعظم قراء الأمة، فكان يوم وفاته يومًا مشهودًا، بكته مصر، وبكته الأمة الإسلامية، وبكته المحاريب والمساجد التي عرفت صوته، وعرف أهلها معنى الخشوع حين يرتَّل القرآن الكريم.

لماذا ظلَّ الشيخ عبد الباسط مختلفًا؟

لأن أثره تجاوز حدود الأداء الصوتي إلى بناء وجدان الأمة، فقد قدَّم نموذجًا للمقرئ الذي يجمع بين:

الصدق الروحي: فالآية القرآنية عنده حياةٌ تُتلى، لا حروفٌ تنطق.

عمق المعنى: صوته يترجم المعاني لا المقامات فقط.

نقاء الأداء: لم يدخله تكلفٌ ولا تصنُّع.

الالتزام بالأصيل: حافظ على الهوية المصرية للقراءة، وطوَّرها دون أن يخرق أصولها.

وهذا هو سر العبقرية التي يصفها معالي الأستاذ الدكتور/ أسامة السيد الأزهري: "أن يجتمع الصوت إلى الفهم، والتلاوة إلى الرسالة، والوحي إلى الروح".

الخلاصة

لم يكن الشيخ عبد الباسط عبد الصمد قارئًا فحسب، بل كان صوت أمةٍ، وذاكرةَ جيلٍ، ورمزًا لجمال التلاوة المصرية التي حملت القرآن الكريم إلى العالم، ذلك الصوت الذي لا يزال - حتى اليوم - يوقظ الخشوع في القلوب، ويذكِّر الأمة بأن جمال القرآن الكريم لا ينتهي، وأن مصر ستبقى - بفضل الله - منارةَ حُسن التلاوة، وكِنانة المواهب، ومنجم الحناجر الذهبية.

موضوعات مختارة