يقدم الإسلام نموذجًا عمليًّا للعدالة لا يتوقف عند الشعارات، بل يتجلى في أحكام تشريعية دقيقة تشمل كافة جوانب الحياة ومن ذلك:
١. المنظومة المالية والتكافلية:
أ. منظومة الزكاة: هي الركن المالي الأول لتحقيق التوازن، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَاۤءِ وَٱلۡمَسَٰكِینِ وَٱلۡعَٰمِلِینَ عَلَیۡهَا....﴾ [التوبة: ٦٠]، وهي أداة مهمة لتحقيق التكافل المجتمعي، وقد أكد النبي ﷺ على دور الدولة في تحصيل هذا الحق لضمان العدالة بقوله ﷺ لمعاذ بن جبل: «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ» [متفق عليه].
ب. كفارات الذنوب: جعل الإسلام من الأخطاء التعبدية موردًا لإطعام الجائعين، ففي كفارة اليمين قال تعالى: ﴿فَكَفَّٰرَتُهُۥۤ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِینَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِیكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ...﴾ [المائدة: ٨٩]، وفي كفارة الظهار: ﴿فَمَن لَّمۡ یَسۡتَطِعۡ فَإِطۡعَامُ سِتِّینَ مِسۡكِینࣰاۚ﴾ [المجادلة: ٤]، وهذا الربط بين التوبة وإطعام الفقير يجعل العدالة الاجتماعية جزءًا من العبادة..
٢. رعاية الفئات الأولى بالدعم: ويكون من خلال الحث المؤكد على رعاية الأرملة وكفالة اليتيم مع الوعد بالثواب العظيم على ذلك.
أ. رعاية الأرملة واليتيم: وذلك لضمان دمج هذه الفئات وحمايتها من العوز، قال ﷺ: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ كَالَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ» [متفق عليه]، وقال في كفالة اليتيم: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَقَالَ (أي: أشار) بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى» [أخرجه البخاري في صحيحه برقم ٦٠٠٥].
ب. البر والرعاية الأسرية: فحفظ الأسرة هو أساس استقرار المجتمع، قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِیَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَیۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وبرهما خاصة عند الكبر يمنع تهميش كبار السن ويحفظ لهم كرامتهم.
ج. صلة الأرحام: هي شبكة أمان ممتدة، قال ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» [متفق عليه]، والوعيد للقاطع في قوله تعالى: ﴿فَهَلۡ عَسَیۡتُمۡ إِن تَوَلَّیۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوۤا۟ أَرۡحَامَكُمۡ﴾ [محمد: ٢٢].
٣. الحقوق المجتمعية والآداب العامة:
أ. حقوق الجوار والضيافة: العدالة تبدأ من المحيط القريب، قال ﷺ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» [متفق عليه]، وقوله: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ» [أخرجه البخاري في الأدب المفرد برقم ١١٢]، وهو نص صريح في المسئولية الاجتماعية للجار تجاه جاره.
ب. الآداب المعززة للألفة: ويظهر في إفشاء السلام لزرع الطمأنينة؛ قال ﷺ: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» [أخرجه مسلم في صحيحه برقم ٥٤]، وتوقير الكبير؛ قال ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا» [أخرجه الترمذي في سننه برقم ١٩٢٠]، وهذه الآداب تجعل المجتمع بناءً متماسكًا لا يقبل التشرذم.