إن الزواج في الإسلام هو "الميثاق الغليظ" الذي يحفظ توازن الأرض، ويُعد الصداق أحد أركانه الجوهرية، التي تضمن حق المرأة وإعزازها، ومع تفاقم الأزمات الاقتصادية، صار لزامًا علينا تفكيك ظاهرة الغلاء من منظور شرعي، واحتسابي دقيق.
إن الزواج في الإسلام هو "الميثاق الغليظ" الذي يحفظ توازن الأرض، ويُعد الصداق أحد أركانه الجوهرية، التي تضمن حق المرأة وإعزازها، ومع تفاقم الأزمات الاقتصادية، صار لزامًا علينا تفكيك ظاهرة الغلاء من منظور شرعي، واحتسابي دقيق.
إن تخصيص الرجل بالمهر في التشريع الإسلامي دون المرأة لم يكن أبدًا تمييزًا ضد الرجل، بل هو تجسيد لعدالة الشريعة، ومراعاة لطبيعة تكوين الأسرة، من خلال عدة وجوه:
١- القوامة والمسؤولية المالية المتصلة: فقد أوجب الله المهر على الزوج؛ لأنه هو رئيس الأسرة، والمسؤول عن نفقتها. فالزواج في الإسلام يضع أعباء الإعاشة، والسكنى، والنفقة على كاهل الرجل شرعًا، فكان المهر هو العنوان، وبداية هذه المسؤولية المالية المتواصلة، قال تعالى: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَاۤءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲ وَبِمَاۤ أَنفَقُوا۟ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ﴾ [النساء: ٣٤]، فالمهر هو أول مظهر من مظاهر هذه القوامة، التي تعني الرعاية والإنفاق.
٢- القدرة الغالبة على الكسب: لقد راعت الشريعة الواقع الفطري والاجتماعي؛ حيث إن الرجل أقدر على الكسب في الغالب، وأكثر تفرغًا له، بينما تضطلع المرأة بمهمة بناء الأسرة، وتربية الأجيال، فكان من العدل ألا تُكلف المرأة بالمال، وهي التي تقدم جهدها النفسي والبدني في رعاية البيت والنسل.
٣- تعويض المرأة وإعزازها: فالمهر هو نِحلةٌ وعطاء، يهدف إلى تطييب خاطر المرأة عند انتقالها من بيت أهلها- الذي نشأت فيه- إلى حياة جديدة، فهو تعويض تكريمي، واعتراف بقيمتها، وإثبات بأنها مطلوبة لا طالبة، ومكرمة لا وسيلة، قال تعالى: ﴿وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَاۤءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةࣰ﴾ [النساء: ٤].
٤- الحماية من الاستخفاف بعقد الزواج: لو كان الزواج بلا كلفة مالية على الرجل، لربما استخف البعض بقدسية هذا الرباط، وعمدوا إلى سرعة إنهاء العلاقة (الطلاق) عند أدنى خلاف، فالمهر يجعل الرجل يتروى، ويدرك عظم الميثاق الذي دخل فيه؛ مما يسهم في استقرار الأسرة.
لقد خرج المهر في واقعنا المعاصر عن معناه التكريمي ؛ ليصبح عائقًا تعجيزيًّا، يحول بين الشباب والعفاف، وهذا تحليل لأهم جذور هذه المشكلة، وآثارها:
الخروج عن المقصد الشرعي: لقد شرع الله المهر؛ ليكون "نِحلة" (أي عطية طيبة)، كما قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، لكن غلاء المهور حوّل الزواج إلى "تجارة" ومزايدة، حيث يُقاس قدر الفتاة بالمبلغ المدفوع، وهذا إهانة لكرامتها الإنسانية؛ فالمرأة أغلى من أن تُقوّم بالدرهم والدينار.
المباهاة والسمعة: صارت المهور وتوابعها مدعاة للتفاخر والرياء؛ حيث إن الإصرار على الحفلات الباذخة، والمهور الخيالية هو مجاراة لعادات ذمها الإسلام، ويؤكد الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب (شيخ الأزهر) أن المهر ليس أكثر من رمز؛ للتعبير عن الرغبة القلبية في الارتباط بالزوجة، وليس مظهرًا للسفه.
تراكم الديون والشقاء الأسري: عندما يبدأ الزوج حياته بجبال من الديون؛ لتسديد المهر، وتجهيزات البيت المبالغ فيها، فإنه يدخل في نفق الهم، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسرة، وقد يورث البغضاء في قلب الزوج تجاه زوجته، كلما تذكر ثمنها الباهظ، الذي أثقل كاهله.
الفتنة في الأرض والفساد العريض: إن بعض الأولياء يماطلون الأكفاء، ويعتذرون بأعذار واهية، ويغفلون عن تحذير النبي ﷺ ، عندما قال: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» [الترمذي (١١٢٤)]، فمنع الأكفاء يتسبب في نشر الفتن والفساد.
مخاطر العنوسة: أصبح الكثير من الفتيات حبيسات المنازل، وأصبحت معدلات العنوسة مخيفة جدًّا، وكل ذلك بسبب المغالاة في المهور، وحب المباهاة، ومجاراة لعادات عقيمة.
لقد وضع الإسلام قاعدة ذهبية: "كلما قلَّت المؤنة، عظمت البركة"، وهذا المنهج هو الذي سار عليه النبي ﷺ وأصحابه:
المنهج النبوي: فقد جاء في حديث السيدة عائشة، رضي الله عنها، أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مُؤُونَةً» [أحمد في مسنده (٢٥١٦٧)]، وعن سيدنا عقبة بن عامر، رضي الله عنه، قال ﷺ: «خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ» [الحاكم في مستدركه (٢٧٥٨)].
وفي كراهة إكثار المهر بالنسبة لحال الزوج، عندما جاء رجل إلى رسول الله ﷺ يستعينه على دفع المهر، فعن سيدنا أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار، فقال له النبي ﷺ: «هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا فَإِنَّ فِي عُيُونِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا؟ قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا، قَالَ: «عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟» قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ؟ كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ! مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ» قَالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي عَبْسٍ بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ. [مسلم (١٤٢٤)].
من مواقف الصحابة في التحذير من المغالاة في المهور: فقد وقف سيدنا عمر، رضي الله عنه، خطيبًا ليضع حدًّا للمغالاة، فقال كلمته الشهيرة: "أَلَا لَا تُغَالُوا بِصُدُقِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا، أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللهِ، كَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ، مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أُصْدِقَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً" [أبو داود (٢١٠٦)].
في ظل الارتفاع الجنوني لأسعار الذهب، قدمت دار الإفتاء المصرية (الفتوى ٧٤٦٦) مخرجًا عمليًّا ؛ لحماية الشباب من العنوسة والانحراف، فقد أكدت الفتوى أنه "إذا تم التراضي على كون الشبكة من المصوغات الفضية، بدلًا من الذهبية، فلا مانع شرعًا"، فالهدف من الشبكة هو "الألفة وجبر الخاطر"، وليس الاستثمار المالي.
التيسير مقصد شرعي: استند الفقهاء إلى قوله ﷺ لرجل لم يجد مالًا: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» [البخاري(٥٠٢٩) ومسلم (١٤٢٥)]، فإذا كان خاتم الحديد يكفي، فالفضة من باب أولى.
الحث على القناعة: المال عَرَض زائل، وعارية مستردة، والبقاء للدين، فقد قال الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنكِحُوا۟ ٱلۡأَیَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِینَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَاۤئِكُمۡۚ إِن یَكُونُوا۟ فُقَرَاۤءَ یُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِیمࣱ﴾ [النور: ٣٢].
التحذير من خداع المظاهر: ليعلم الجميع أن المال عَرَض زائل، وعارية مستردة، والبقاء للدين والأصل.
مسؤولية الأولياء (الرجال): إن القوامة للرجل، وعليه ألا يترك قرار الزواج للمباهاة، والمظاهر الزائفة، فقد قال الله تعالى: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَاۤءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲ وَبِمَاۤ أَنفَقُوا۟ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ﴾ [النساء: ٣٤]، فلا ينبغي ترك قرار الزواج للمباهاة النسائية، التي قد تُفسد الزيجات؛ بحجة "ابنتنا ليست أقل من بنت فلان"، فالولي الصالح هو من يبحث لابنته عن "رجل" يحميها، لا عن "خزنة" تشتريها.
سبيل المعونة والمدد من الله: كلنا نحتاج في كل لحظة لمعونة الله عز وجل، وما أحوج الشاب الساعي للزواج لمدد الله وتوفيقه، وهذا الطريق دلنا عليه سيد العابدين، صلوات الله وسلامه عليه، فعن سيدنا أبي هريرة، رضي الله عنه، أن سيدنا رسول الله ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللهِ عَوْنُهُمُ... وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ» [الترمذي (١٦٥٥)].
صرخة المصلحين: علينا التوعية المجتمعية، والعودة للمهر الميسر، وإحياء سنة التيسير؛ كما فعل سيدنا شعيب عليه السلام حين عرض ابنته على سيدنا موسى عليه السلام.
يسّروا أمر الزواج بالتمسك بالدين والخلق؛ لا بالمظاهر الخادعة، فالمهر وجب للتكريم لا للتعجيز، والمغالاة فيه جناية على استقرار المجتمع وعفاف الشباب، فالبركة تكمن في اتباع الهدي النبوي وتيسير التكاليف، فهي سبيل بناء أسرة مطمئنة، تنال توفيق الله ومدده.
الزواج من السنن الشرعية التي أقرها الله تعالى لتقويم النفوس وتنظيم العلاقات بين الرجل والمرأة
تأهيل المقبلين على الزواج هو عملية تعليمية وتوعوية تهدف إلى تزويد الشريكين بالمعلومات والمهارات اللازمة لفهم طبيعة الزواج، والتعامل مع التحديات المحتملة، وبناء علاقة صحية ومستقرة
الزواج مرحلة مهمة في حياة الإنسان، يضع الإسلام لها قواعد واضحة لضمان اختيار الزوجين المناسبين