ودور علماء الأزهر حاليًّا هو مَدُّ
جسورُ الثقة والتوقير والاحترام مع كل فئات المجتمع، ونشر العلوم والمفاهيم،
والانخراط في أخوة وصداقة عميقة مع كل أجهزة المجتمع ومؤسساته، مما يتيح لهم
الاطلاع على المشكلات الجزئية العميقة التفصيلية في المجالات المختلفة، وتبادل
الرؤى ووجهات النظر فيها، مما يسهم في تقريب المضمون النظري والعلمي والمعرفي
والأخلاقي والقيمي لهذا الدين إلى كافة المهن والحرف والوظائف، من باب حسن التعهد
والإفادة، وتبقى المحاسبة بيد الأجهزة المعنية، دون أن يفتئت عليها أحد.
وتبقى قيمة المعلومات عظيمة جدًّا،
وغياب المعلومات يؤدي إلى العجز عن التصرف، مع التأكيد على كيفية قراءة التاريخ
بعد الدراسة والدراية العميقة بالوقائع، حتى لا نقوم بتنزيل وقائع التاريخ على
واقع متغير مختلف فنظلم الماضين أو المعاصرين، ونثق في أنه لا يخلو جيل من القيام
بواجب زمنه قدر طاقته وقدر ظروف زمنه.
ومطالبة المعاصر بما كان يقوم به
القدماء، مع عدم مراعاة التراكمات والتغيرات التي تحدث على مدى القرون، يشبه
مطالبة الإنسان المعاصر بأن يتحمل المشي والسير لمئات الكيلومترات يوميا، وبذل
المجهود البدني الشاق، مع التغافل عن التراكمات الحاصلة على مدى عقود، والتي ظهر
فيها القطار، والطائرة، والسيارة، فأدت إلى تراجع كبير في المقدرة البدنية، لكنها
في المقابل منحت الإنسان بدائل أخرى وفوائد، والحاصل أن دراية الواقع، والإلمام
العميق به، ومعرفة التغيرات وأثرها، وحسن توصيف التاريخ بالعبارات التي يفهمها المعاصرون
أمر مهم جدا، وبدونه يحدث اللبس والخلط والضباب.
وعليه فإني أحذر من القراءة المتعجلة
للتاريخ، والتنزيل المشوَّشٍ لوقائع التاريخ على واقعنا المعاصر، والخطأ في توصيف
أحداث التاريخ، ويرجع سبب الخطأ في ذلك كله إلى: افتقاد المنهج المنضبط في جمع
المادة العلمية من مظانها التاريخية الموثقة، ثم في عدم الصبر والدأب والتأمل
الطويل في كيفية ترتيب تلك المادة التاريخية، وتركيبها، والتفطن إلى الفجوات
الحاصلة فيها، والتوصل إلى تصور كلي واضح لأحداث التاريخ ودوافعها وبواعثها
وتعليلها، ثم في افتقاد تلك القراءة إلى التنزيل السديد لوقائع التاريخ على واقعنا
هذا، ثم في عدم توصيف الواقع توصيفًا دقيقًا يمكن معه تنزيل كل شيء على ما يناسبه.
وانتزاع واقعة من التراث والتاريخ،
والتسرع في تنزيلها على الواقع المعاصر، ثم التسرع في سحب أحكام ذلك الحدث
التاريخي على الواقع: خطأ فادح، يفضي إلى عقلية تائهة مضطربة مشتتة ما بين عدم فهم
الواقع على وجهه، وعدم فهم التاريخ على وجهه، ويكفيك في هذا المعنى الدقيق قول
الإمام الجليل بدر الدين الزركشي في (البحر المحيط): (ثم وراء ذلك غائلة هائلة،
وهي أنه يمكن أن الواقعة التي وقعت له هي الواقعة التي أفتى فيها الصحابي، ويكون
-قلت: أي على رغم ذلك- غلطًا، لأن تنزيل الوقائع على الوقائع من أدق وجوه الفقه،
وأكثرها للغلط)[ البحر المحيط في أصول الفقه؛٨ /٣٣٩ ،
ط٣: دار الكتبي، القاهرة، سنة ١٤٢٤هـ-٢٠٠٥م]
قلت: يريد أن الانطلاق إلى ما هو مدون في
الكتب، والمسارعة إلى تنزيله على الواقع خطأ شديد، لوجود فوارق دقيقة، تحتاج إلى
نظر علمي سديد، قادر على معرفة الفوارق أو الجوامع بين الحدث التاريخي وبين
الواقعة المعاصرة.
ولا يعني هذا إهدار الحوادث التاريخية
وإغلاق باب الاستفادة من التاريخ بالمرة، لكن المقصود أن تخريج الوقائع
المعاصرة على حوادث مشابهة في التاريخ، إنما هو برزخ دقيق يفصل بين خطأين: الأول:
إهدار التاريخ بالمرة، والكف عنه بالكلية، وهذا يعزل المعاصر عن ثروة التاريخ
وتجاربه، والثاني هو الدخول إليه من غير أي ضابط ولا منهج، وهذا يجعل المعاصر في
غاية من الاضطراب والضياع بين تاريخ لم يتقنه، وواقع لم يتقن تلخيصه وتكييفه
وتوصيفه.
والإلحاق بين المسكوت عنه والمنصوص
عليه، فيما يعرف بالقياس، والإلحاق بين حدث معاصر مسكوت عنه، وبين حدث تاريخي فيه
تصرف لواحد من الأئمة، كلاهما أمر يحتاج إلى ضوابط باب القياس من علم الأصول،
وكيفيات الإلحاق.
ولابد مع ذلك من دراسة تاريخية واسعة
ومتشعبة حول شخصية الدردير، ثم حول شخصية الشرقاوي، تستغرق منه زمنًا طويلًا،
وفكًرا أصيلًا، وصبًرا على استخراج سمات شخصياتهم من كتبهم ومؤلفاتهم، فضلًا عن
كتب التاريخ المعتادة، حتى يخرج لنا بتحليل نفسي واجتماعي وعلمي دقيق لتصرفات
الشرقاوي، ومدى مطابقتها أو عدم مطابقاتها لموازين الحكمة، ومقاييس الشرع، وأنا
أجزم بأن هذا لم يحدث.
والهدف منه هو الغوص على عقلية كل
واحد من هؤلاء الأئمة، حتى كأنك عشت معهم، ويمكنك أن تتصور أسباب تصرفاتهم، وهذا
هو النقد الذي وجهه العلامة محمود شاكر لسلسلة (ضحى الإسلام) لأحمد أمين، وكلامه
في كتاب: (جمهرة مقالات العلامة محمود شاكر)، وهو مطبوع مشهور [جمهرة
مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر:٢/ ٦٢٤ ، ط: مكتبة الخانجي، مصر، سنة ٢٠٠٣م].
وليس هذا دعوة إلى تقديس الثورة
الفرنسية ومنتجاتها، ونظريات فلاسفتها، بل تحت يدي بحوث وكتابات نقدية كبيرة
ومتشعبة لتلك الأطروحات كلها، إنما أقول: إلى أن ننقدها، ونخرج طرحًا بديلًا عنها،
ونبدي الرأي فيها، فلابد من مراعاة أنها هي الأطروحات التي يتم من خلالها ومن خلال
تطبيقاتها وتطويراتها تشغيل نظم الإدارة في العالم، فاستدعاء حدث عند الإمام
الدردير، كان فيه النظام الإداري قائما على أسس وأصول وتطبيقات معينة، وتنزيلها
على واقعنا هذا، الذي يتم تشغيله وفق آليات ونظريات مختلفة، يؤدي إلى خطأ والتباس،
فغاية ما أدعو إليه هو مجرد الانتباه إلى تلك الفوارق، التي تعيق الإلحاق التاريخي
السديد.
ولا يعني هذا أيضًا تقديس مواقف
العلماء، ولا يعني عدم وجود من تستخفه الدنيا منهم، أو تميل به الأهواء والأغراض،
بل هذا واقع فيهم لا محالة، لكني أتحدث عن كبارهم وأعيانهم، الذين يشهد الواقع
والمجتمع والتاريخ أنهم تركوا من بعدهم الأثر الحميد، والذكر الحسن، وشواهد الصدق
الدالة على تحريهم لرضوان باريهم، فعن هؤلاء أتحدث.