Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

بين الضيافة الأصيلة والجشع الزائف (رؤية دينية لحكم استغلال السائح)

الكاتب

هيئة التحرير

بين الضيافة الأصيلة والجشع الزائف (رؤية دينية لحكم استغلال السائح)

السياحة في جوهرها نافذة على ثقافات الشعوب وحضارات الأمم، وملتقى للإنسانية على اختلافها، فهي فرصة للتعارف والتآلف، ولتبادل الخبرات والمعارف، وقد أولى الإسلام هذا الجانب اهتمامًا بالغًا، فحث على حسن الضيافة، وإكرام الغريب، ومعاملة الناس بالحسنى، مهما اختلفت أصولهم أو دياناتهم.

مفهوم السياحة

إن السياحة في جوهرها نافذة على ثقافات الشعوب وحضارات الأمم، وملتقى للإنسانية على اختلافها، فهي فرصة للتعارف والتآلف، ولتبادل الخبرات والمعارف، وقد أولى الإسلام هذا الجانب اهتمامًا بالغًا، فحث على حسن الضيافة، وإكرام الغريب، ومعاملة الناس بالحسنى، مهما اختلفت أصولهم أو دياناتهم، ولكن ومع ازدهار حركة السياحة برزت ظاهرة سلبية تتنافى تمامًا مع قيمنا الإسلامية الأصيلة، ألا وهي ظاهرة استغلال السائح.

ظاهرة استغلال السائح وتحذير الشريعة من الغش

فتلك الظاهرة ليست مجرد ممارسة تجارية غير أخلاقية، بل هو تعدٍ صارخ على مبادئ العدل والإنصاف التي أرساها ديننا الحنيف، فهي غش في المعاملة، وتلبيس للحق بالباطل، وابتزاز للمال بغير وجه حق، والسائح بطبعه قادم من بلاد غريبة، وقد يكون جاهلًا بالأسعار المحلية أو طبيعة السوق، مما يجعله فريسة سهلة لذوي النفوس الضعيفة الذين يرون فيه مجرد مصدرلتحصيل الأموال لا أكثر.

لذلك جاءت آيات القرآن الكريم لتضع أسسًا راسخة للتعاملات المالية والتجارية، داعية إلى الصدق والأمانة، محذرة من الغش والخداع، يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الكيل وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [هود: ٨٥]، فهذه الآية الكريمة تأمر بالعدل في الكيل والميزان، وتنبه إلى حرمة بخس الناس حقوقهم، وهو ما ينطبق تمامًا على استغلال السائح وبيعه بأسعار مضاعفة، أو تقديم خدمات رديئة مقابل مبالغ باهظة، كما يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: ٢٩]، فاستغلال السائح هو أكل لأموال الناس بالباطل، فهو ليس عن تراضٍ حقيقي، بل هو استغلال لجهله أو حاجته أو عدم درايته، ويأمرنا تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف: ٥٦]، فاستغلال السائح هو إفساد لسمعة البلد، وتشويه لصورة أهله، مما ينفر الزوار ويبعدهم، ويؤثر سلبًا على اقتصاد الوطن ومكانته.

ولم يقتصر التحذير من الغش على القرآن الكريم فحسب، بل جاءت الأحاديث النبوية لتؤكد على حرمة هذه الممارسات، وتشدد على وجوب الأمانة والصدق في كل المعاملات، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من غشنا فليس منا» [رواه مسلم]، فهذا الحديث الشريف قاعدة ذهبية في المعاملات، فإذا كان الغش في أي بيع وشراء منهيًا عنه، فكيف إذا كان الغش في حق ضيف أو غريب يبحث عن الراحة والاطمئنان؟، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا اقتضى» [رواه البخاري]، فالسماحة هي جوهر التعاملات الحسنة، وهي نقيض الاستغلال والطمع، فالمسلم الحق سمح في بيعه وشرائه، لا يغالي في السعر ولا يضيق على المشتري، وقد جاء في الحديث الشريف: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه» [رواه البخاري ومسلم]، والسائح وإن لم يكن مسلمًا، فهو إنسان ينبغي معاملته بالعدل والإنصاف، وعدم ظلمه أو استغلاله.

الآثار السيئة لاستغلال السائح

إن استغلال السائح لا يضر بالسائح نفسه فحسب، بل يمتد ضرره ليشمل تشويه صورة الوطن، فالسائح الذي يتعرض للاستغلال سيحمل انطباعًا سلبيًا عن البلد وأهله، وسينقل هذه الصورة السيئة إلى بلده، مما يؤثر على سمعة الوطن ككل، كما يؤدي إلى الإضرار بالاقتصاد الوطني، فانخفاض أعداد السياح بسبب الممارسات السيئة يؤدي إلى خسائر اقتصادية فادحة، وارتفاع في معدلات البطالة، وتراجع في الدخل القومي، كذلك يؤدي إلى زعزعة الثقة، فيفقد السائح الثقة في التعامل مع الناس، مما يجعله حذرًا ومتوجسًا، وينغص عليه متعة السفر واكتشاف الأماكن، وينتج عنه انتشار الجشع والطمع، فيصبح الاستغلال ظاهرة منتشرة، تتسرب إلى نفوس ضعاف النفوس، وتتحول إلى ثقافة سائدة، مما يقضي على قيم الأمانة والصدق.

واجبات الفرد في المجتمعات السياحية

إن من الواجب الديني والأخلاقي على كل فرد في المجتمعات السياحية أن يتحلى بالأمانة والصدق في التعامل مع السائح، فيجب أن يكون السائح ضيفًا مكرمًا، يُعامَل بالعدل والإنصاف، وتُقدم له الخدمات بأسعار معقولة ومنطقية، فحسن الضيافة وإكرام الضيف هو من شيم العرب والمسلمين على مر العصور، وهو ما ينبغي أن نتمسك به ونظهره للعالم أجمع، فالسياحة يمكن أن تكون جسرًا للتواصل الحضاري، ورافدًا للتعاون الاقتصادي، إذا ما بنيت على أسس من العدل والاحترام المتبادل، فلتكن بلادنا منارة للضيافة الأصيلة، بعيدة عن كل صور الاستغلال والجشع، تطبيقًا لتعاليم ديننا الحنيف الذي يدعو إلى كل خير وفضيلة.

الخلاصة

السياحة فرصة للتعارف الإنساني والتبادل الحضاري، وقد دعا الإسلام إلى حسن معاملة الزائرين وإكرامهم، إلا أن استغلال السائح بالغلاء والغش يُعد مخالفة صريحة للقيم الدينية، ويُفسد سمعة البلاد ويضر باقتصادها، فالغش والابتزاز لا يسيئان للسائح فحسب، بل يشوهان صورة الوطن، ويهددان منظومة القيم والأخلاق في المجتمع.

موضوعات مختارة