موقف الإسلام من التطرف واضح وثابت: رفضٌ مطلقٌ لكل أشكال الغلو الفكري أو السلوكي أو العنيف، وتمسكٌ بمنهج الوسطية الذي بُعث به سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين.
موقف الإسلام من التطرف واضح وثابت: رفضٌ مطلقٌ لكل أشكال الغلو الفكري أو السلوكي أو العنيف، وتمسكٌ بمنهج الوسطية الذي بُعث به سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين.
التطرف آفة فكرية وسلوكية، تهدد أمن المجتمعات واستقرارها، وتسيء إلى الأديان والمعتقدات حين تُنسب إليها زورًا وبهتانًا، وقد عانى الإسلام عبر تاريخه – ولا يزال – من جماعات متطرفة ادعت انتسابها إليه، بينما هي تنقض أصوله ومقاصده، متجاوزة حدوده في الفهم والتطبيق، وفي هذا المقال نستعرض الموقف الحقيقي للإسلام من التطرف، من خلال القرآن والسنة، وسلوك النبي صلى الله عليه وسلم، ومواقف العلماء الراسخين، موضحين الفرق بين الالتزام الديني المشروع والتشدد المذموم.
التعريف الشرعي للتطرف: التطرف هو الغلو والتجاوز في العقيدة أو السلوك أو الأحكام الشرعية، بما يخالف الاعتدال الذي أمر الله به قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: ١٤٣] وهذه الآية أصلٌ في رفض الغلو والانحراف عن جادة التوازن.
وقال النبي ﷺ: "إياكم والغُلُوَّ في الدينِ ، فإِنَّما هلَكَ مَنْ كانَ قبلَكُم بالغُلُوِّ في الدينِ" (رواه النسائي).
جاء سيدنا النبي محمد ﷺ بدين يرفع الإنسان، ويزكيه، ويوازن بين الروح والجسد، بين الدنيا والآخرة، بين الحقوق والواجبات.
مواقفه صلى الله عليه وسلم ضد الغلو:
- حين سمع مَن يعتزل النساء أو يصوم الدهر أو يقوم الليل بلا نوم، قال: «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، وَلَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». (رواه البخاري).
- نهى عن التشدد في العبادة؛ لما يؤدي إليه من تنفير الناس أو تضييع الحقوق.
- كان يرفض التكفير والاتهام بالباطل: قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرَ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا». (رواه مسلم).
- قال تعالى: {لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [النساء: ١٧١] أي لا تتجاوزوا حدود الشريعة في الفهم أو التطبيق.
- وقال أيضاً: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: ١٥٣]، يحذر الله في الآية من طرق الانحراف سواء بالتسيب أو التشدد.
- في السيرة: تعامل النبي ﷺ بحزم مع أول فرقة متطرفة: الخوارج، الذين خرجوا عليه رغم عبادتهم الشديدة، فوصفهم بقوله صلى الله عليه وسلم: «قَوْمًا يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ». (رواه البخاري).
علماء الأمة الراسخون وقفوا دائمًا ضد الغلو والتكفير والعنف باسم الدين؛ وأجمع الفقهاء على أن الدماء والأموال معصومة، ولا يجوز الاعتداء عليها إلا بحدود صارمة مقررة قضائيًا.
- الإسلام يضع ضوابط صارمة للتكفير، ولا يُعطى لأي فرد حق الحكم على الناس أو إخراجهم من الإسلام.
- النبي ﷺ قال: "مَن قَتَلَ مُعاهَدًا لَمْ يَرِحْ رائِحَةَ الجَنَّةِ، " (رواه البخاري).
- قتل النفس المعصومة جريمة كبرى، قال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: ٩٣].
- الجهاد في الإسلام له ضوابط شرعية وأخلاقية:
- لا يُشرع إلا لدفع العدوان أو نصرة المظلوم.
- يُمنع فيه قتل النساء والأطفال والشيوخ.
- يجب أن يكون تحت راية دولة، لا تنظيمات.
أما الجماعات المتطرفة فقد حرّفت مفهوم الجهاد إلى إرهاب وتفجير، وقتل الأبرياء، وهذا أبعد ما يكون عن الإسلام.
- الإسلام وسط بين الغلو والتسيب، بين التشدد والانحلال، بين الإكراه والحرية، بين الروح والمادة.
- هذه الوسطية هي التي حمت الإسلام من أن يتحول إلى أداة قمع أو هيمنة كما فعلت بعض الحركات المتطرفة باسمه.
التطرف آفة مدمرة تسيء للإسلام وتعارض أصوله السمحة.، فالدين الحنيف يدعو للوسطية والاعتدال، ويرفض الغلو والتكفير والعنف، القرآن والسنة وسيرة النبي ﷺ ومواقف العلماء الراسخين جميعها تؤكد أن الإسلام دين سلام ورحمة، وأن الجهاد عبادة بضوابط، لا أداة للفوضى.