حب الوطن انفعال بشري سخيف، لابد من مقاومته والبراءة منه، مثل ميل الإنسان للمعاصي.
التعليق:
هذا فهم سقيم، وخلط غريب بين المشاعر الخبيثة الآثمة، التي أمرنا الله تعالى أن نتنزه ونتسامى عليها، وبين المشاعر النبيلة، والدوافع الفطرية الراسخة، التي اكتفى الله تعالى بها، واعتمد الشرع على شدة ثباتها في النفس الإنسانية، وأنه بسبب استقرارها وثباتها في النفس فإن الشرع لا يحتاج إلى تقنين تشريع لها؛ لأن دوافع الطباع تكفي لتوجيه الإنسان فيها إلى المسار الصحيح، ومن هذه الدوافع النبيلة الانتماء والوفاء للوطن.
وهذا المعنى قد أشار إليه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي صاحب إحياء علوم الدين، حيث قال في كتاب: (الوسيط) في فقه السادة الشافعية: (ولكن في بواعث الطباع مندوحة عن الإيجاب؛ لأن قوام الدنيا بهذه الأسباب، وقوام الدين موقوف على قوام أمر الدنيا ونظامها لا محالة) [الوسيط في المذهب٧/٧].
فهذا هو العقل المنير، الذي استنار بنور الشرع، وفهم عن الله مراده، واهتدى إلى أن الشرع يكتفي في عدد من المسائل بثبات دوافع الطباع، فلا يأتي فيها الشرع بتشريع أو أمر معين، مطمئنًا إلى أن الطبع السليم كفيل بتوجيه الإنسان.
ومن هذه الأمور التي ينتجها الطبع السليم حب الوطن والانتماء إليه والوفاء له، وقد روى الدينوري في كتاب: (المجالسة) من طريق الأصمعي قال: سمعت أعرابيًا يقول: (إذا أردت أن تعرف الرجل فانظر كيف تحننه إلى أوطانه) [ المجالسة وجواهر العلم١/٦٠].
ومن العجيب أن سيد قطب يُقر بهذا الشعور الفطري النبيل، فيقول: (إن هاجس الأسى لمفارقة الوطن هو الهاجس الأول الذي يتحرك في النفس التي تدعى للهجرة. ومن هنا يمس قلوبهم بهاتين اللمستين: بالنداء الحبيب القريب: {يَا عِبادِيَ}، وبالسعة في الأرض: {إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ}) [ في ظلال القرآن٥/٢٧٤٩].
وينقل عن أحد العلماء قوله: (والنحلة تجد خليتها مهما طمست الريح، في هبوبها على الأعشاب والأشجار، كل دليل يرى، وحاسة العودة إلى الوطن هذه هي ضعيفة في الإنسان، ولكنه يكمل عتاده القليل منها بأدوات الملاحة، ونحن في حاجة إلى هذه الغريزة، وعقولنا تسد هذه الحاجة) [ في ظلال القرآن/٦ /٣٨٨٤].
ويقول عن سيدنا موسى عليه السلام: (لماذا عاد -وقد خرج من مصر طريدًا- قتل قبطيًّا فيها حين رآه يقتتل مع إسرائيلي، وغادر مصر هاربًا وبنو إسرائيل فيها يسامون العذاب ألوانًا؟ حيث وجد الأمن والطمأنينة في مدين إلى جوار شعيب صهره الذي آواه وزوجه إحدى ابنتيه؟
إنها جاذبية الوطن والأهل تتخذها القدرة ستارًا لما تهيئه لموسى من أدوار.. وهكذا نحن في هذه الحياة نتحرك. تحركنا أشواق وهواتف، ومطامح ومطامع، وآلام وآمال.. وإن هي إلا الأسباب الظاهرة للغاية المضمرة، والستار الذي تراه العيون لليد التي لا تراها الأنظار ولا تدركها الأبصار، يد المدبر المهيمن العزيز القهار) [ في ظلال القرآن/٤ /٢٣٣٠ ].
ويقول أيضًا: (والهجرة في سبيل الله تجرد من كل ما تهفو له النفس، ومن كل ما تعتز به وتحرص عليه: الأهل والديار والوطن والذكريات، والمال وسائر أعراض الحياة) [ في ظلال القرآن/٤ /٢٤٣٨ ].
ويقول أيضًا: (فربه يذكره هنا بنعمته عليه، إذ هداه إلى الاستغفار فشرح صدره بهذا ونجاه من الغم. ولم يتركه مع هذا بلا ابتلاء ليربيه ويعده لما أراد، فامتحنه بالخوف والهرب من القصاص، وامتحنه بالغربة ومفارقة الأهل والوطن وامتحنه بالخدمة ورعي الغنم، وهو الذي تربى في قصر أعظم ملوك الأرض، وأكثرهم ترفًا ومتاعًا وزينة) [في ظلال القرآن/٤ /٢٣٣٥].
ويقول أيضًا: (ترى أي خاطر راود موسى، فعاد به إلى مصر، بعد انقضاء الأجل، وقد خرج منها خائفًا يترقب؟ وأنساه الخطر الذي ينتظره بها، وقد قتل فيها نفسًا؟ وهناك فرعون الذي كان يتآمر مع الملأ من قومه ليقتلوه؟
إنها اليد التي تنقل خطاه كلها، لعلها قادته هذه المرة بالميل الفطري إلى الأهل والعشيرة، وإلى الوطن والبيئة، وأنسته الخطر الذي خرج هاربًا منه وحيدًا طريدًا؛ ليؤدي المهمة التي خلق لها ورعي منذ اللحظة الأولى) [في ظلال القرآن/٥ /٢٦٩١ ].