Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

قضية التمكين كمفهوم قرآني - ذو القرنين نموذجًا -

قضية التمكين كمفهوم قرآني - ذوالقرنين نموذجًا

ذو القرنين شخصية قرآنية مميزة، منحه الله أسباب القوة والتمكين، فوظف العلم والهندسة والمعرفة في رحلاته شرقًا وغربًا، وبنى سدًا عظيمًا يحول دون فساد يأجوج ومأجوج، معتمدًا على التخطيط الدقيق وتوظيف الموارد والخبرات، ما جعله نموذجًا خالدًا للإدارة الممزوجة بالقوة.

تحليل نموذجي للتمكين فى القرآن الكريم

إذا تركنا التنظير الذي أخرجته هذه التيارات، ورجعنا إلى معين القرآن، وجمعنا كل كلمة فيه مشتقة من أصل هذه المادة، كالـ (تمكين)، أو (مكن)، أو (نمكن)، أو (مكنا)، مما ورد في القرآن بلفظه، أو ما ورد فيه مما يفيد هذا المعنى بأي لفظ أو تعبير قرآني آخر، وجمعنا ذلك كله معًا في صعيد واحد، ولو أننا ضممنا إلى ذلك أعلى نموذجين وصفهما الله تعالى بالتمكين، وهما نموذج سيدنا يوسف، ونموذج ذي القرنين، لوجدنا أننا نسبح في أنوار وآفاق رحيبة، من نظرية قرآنية، تختلف تمام الاختلاف عما يُنَظّر له هؤلاء.

والتمكين كما يطرحه هؤلاء فكرة في غاية اللبس، طرحتها التيارات الإسلامية على نحو يغير نظرة الإنسان تمامًا إلى دين الله، ومقاصده العليا الرفيعة، وما تثمره في البشرية من قيم وعمران وهداية ورحمة.

وعندما نتفقد معناها أو التعبير عنها أو مفهومها في كتابات الأئمة الكبار فإننا لا نجد لها أثرًا، حتى إن أشد المعاصرين من الإخوان المسلمين تحمسًا ولهجًا بها، وهو الدكتور على محمد الصلابي وقد قدم أطروحة جامعية في السودان عن فقه التمكين في القرآن الكريم، فإنه يقول في أولها: "وعلى حد اطلاعي المحدود على هذا الفقه، تعتبر أبحاثه جديدة، حيث بدأت الكتابة فيه والإشارة إلى أهميته مؤخرًا"، إلى أن قال: "وقد رأيت أن مادة فقه التمكين من أهم الأبحاث والأطروحات التي يجب أن يهتم بها الباحثون" [فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم أنواعه، شروطه، أسبابه، مراحله وأهدافه، ص٦، ط: مؤسسة اقرأ، القاهرة، سنة ٢٠١٤م].

وسبب ذلك هو عمق فهم الأقدمين لمفهوم التمكين كما يطرحه القرآن، وأنه نتيجة وأثر لمجموع أوامر القرآن بالإيمان، والأخلاق، والهداية، والجد، والعمل، والعمران، والحضارة، والبحث العلمي المنتج لمنظومة العلوم الإنسانية على قاعدة الوحي وأساسه، فإذا انطلق المسلمون في تلك المقدمات وأقاموا تلك المبادئ، أوجد الله تعالى لهم بين العالم صيتًا حسنًا، وسمعة عالية، بحيث يشيع لهم في العالمين أفضل الذكر، ويعرف العالم عنهم الحضارة والعمران، وتأصيل دوائر العلوم في مختلف المجالات، فتطلب الحضارات ما عندهم من أسرار العلم والمعرفة، ويرحلون إلى ديارهم للتعلم، ويرون منهم أحسن الأخلاق وأزكاها، فتكون الأمة دالة على الله تعالى بمسلكها وتطبيقاتها، قبل الدلالة إليه بالعلم والنقاش والمناظرة، فهذا الأثر الذي يشيع في الأمم، من استحكام قواعد الحضارة ودوائر العلوم عندهم، هو الذي يسميه الله تعالى تمكينًا، فلم يكن المسلمون مشغولين بتحقيق قضية التمكين عبر تاريخهم؛ لأنها نتيجة وليست إجراء ولا مقدمة.

لأجل هذا عبر الله تعالى بوصف التمكين في حق عدد من الأمم التي أهلكها الله بذنوبها، لأن التمكين في حقهم هو إحكام القبضة على علوم الحضارة، فشاع لهم بين الأمم صيت بما يحسنونه، رغم أنهم منطلقون من أساس غير إيماني، إلا أن التمكين قد يكون لحضارة مؤمنة فيتحول التمكين إلى أساس للتعريف بمحاسن هذا الدين، أو أن يوجد في يد حضارة لا تنطلق من أساس الإيمان، فتتحول مناهج البحث العلمي عندها إلى منهجيات تُنَحّي وتستبعد قضية الألوهية من منظومة الفكر، وهذا هو الواقع عبر تاريخ البشرية، من التدافع المعرفي الفكري بين من ينظر لفكرة الإيمان ومن يتجافى عنها.

التمكين بوصفه منحة ربانيّة مشروطة بالأسباب - ذو القرنين نموذجًا

هناك نموذج للتمكين، وهو نموذج ذي القرنين، الذي وصفه الله تعالى بالتمكين عدة مرات، قال سبحانه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ} [سورة الكهف: ٨٣ – ٨٤]، فما هو أساس ذلك التمكين؟ قال سبحانه: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} [سورة الكهف: ٨٤]، فهو لم يطلب التملك؛ بل آتاه الله من كل شيء سببًا، أي: هيأ له الأسباب والمصادر والمقومات والموارد، حتى صارت له رحلة لمطلع الشمس، إلى أقصى ما يمكن أن تصل له الجيوش والعتاد باتجاه المشرق، والرحلة معناها خبراء بالبحار، ورجال وجنود، ومؤن وخرائط، وخطوط تموين وتزود، وقوة إدارة على مواجهة البحار، تجعل البحارة يمتثلون، ورحلة إلى المغرب، ورحلة إلى مكان سماه الله بين السدين، وقد وقف فيه المفسرون يبحثون عن معناه، وعن مكانه الآن في العالم.

والقرآن يكلمنا عن تصرف بشري وقع في فترة تاريخية، وهو بلا شك موجود على بقعة معينة من الكرة الأرضية الآن، فأين مكانه؟ فبدأ هارون الرشيد يمول رحلات لخبير اسمه سلام الترجمان، ليذهب إلى بعض الأصقاع في أقصى شمال الكرة الأرضية للتنقيب عن بقايا السد الذي بناه ذو القرنين.

هذا العلم الذي هو التفتيش عن مكان أشار إليه القرآن الكريم أو غيره من النصوص المقدسة بدأ يعنى به الأوربيون للتفتيش عن الآثار المكانية الموجودة في الكتاب المقدس، فبدأ يظهر علم اسمه الأركيولوجي، أو علم حفريات الكتاب المقدس، ومعناه أن التوراة ذكرت مكانًا معينًا، أو أثرًا معينًا، فيتم تمويل حملات تنقيب تذهب لذلك المكان، وتحاول أن تنقب عن الأثر المذكور هنا، أو تجد أي شاهد من حفريات يدل عليه، والقرآن يشير لهذا، فيقول مثلا عن سفينة نوح: {وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ[سورة القمر: ١٥] أي: سأبقيها آية حتى تأتي الأجيال وتحفر وتنقب وتجدها، وقال سبحانه: {وَإِنَّكُمۡ لَتَمُرُّونَ عَلَيۡهِم مُّصۡبِحِينَ *وَبِٱلَّيۡلِۚ} [سورة الصافات: ١٣٧ - ١٣٨]، يصف الله قرى قوم لوط وأنكم تمرون على بقاياهم وآثارهم ذهابًا وإيابًا، صباحًا ومساءً، فانتبهوا.

فبدأ علماء الإسلام يسألون: أين ذو القرنين حتى نرى مبلغ التمكين الذي كان فيه؟

وهناك رحلة تاريخية مشهورة، مولها الخليفة الواثق بالله، وكلف سلام الترجمان أن يذهب إلى بقاع القوقاز، والأصقاع الباردة في أقصى الشمال الأسيوي ناحية سيبريا، ليرى المشاهدات الجغرافية التي ينبغي أن يسجلها حول سد ذي القرنين، فرحل إلى هناك، وقد سجل في هذا رحلة أوردها الشريف الإدريسي في (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) [نزهة المشتاق، في اختراق الآفاق، ٢/٩٣٤، ط: عالم الكتب، بيروت، سنة ١٤٠٩ - ١٩٨٩م]، وقبله ابن فضل الله العمري في كتاب (المسالك والممالك) وهي موثقة في كتب التاريخ، وعدد من المستشرقين لما درسوا هذا النص التاريخي وتأملوا البقاع والأماكن التي وصفها، وهم خبراء في الجغرافيا، قالوا: هذه الرحلة بمعايير البحث العلمي صادقة ، والمستشرق الروسي كراتشكوفسكي له فيها بحث، والمقصود أنها حظيت باهتمام، وكان من المعاصرين العلامة الكبير أبو الكلام آزاد، وزير الثقافة الهندي الأسبق، وكان معنيا بما أسميناه حفريات القرآن الكريم، بالتوازي مع حفريات الكتاب المقدس التي تمت في نهر الأردن وفي البحر الميت وفي بقاع من فلسطين.

فكان العلامة أبو الكلام من أكثر العلماء المعنيين بهذا الجانب، وأجرى بحوثًا حول مكان سد ذي القرنين، وأورد هذا البحوث مع عدد من مقالات: الدكتور عبد المنعم النمر، وزير الأوقاف المصري السابق في السبعينات، حيث له كتاب كامل عن أبي الكلام آزاد، أورد فيه بحوثه عن ذي القرنين وسده.

وخرج من الباحثين باحث، وهو عضو في مجلس الشورى السعودي، اسمه حمدي حمزة أبوزيد، فأخرج كتابا اسمه: (فك أسرار ذي القرنين ويأجوج ومأجوج)، له فيه بحث ورحلة وتمحيص ونزول إلى الوثائق الصينية، وله قناعة معينة قد تكون محل نظر، وهي أن ذا القرنين المذكور هو أخناتون الملك الفرعوني الموحد، وعلى هذا الكتاب مؤاخذات جمة، وبعض المتخصصين في الفرعونيات يقولون هذا كلام غير دقيق، فلم يذكر في التاريخ والبرديات رحلات لأخناتون بهذه الصورة إلى المشرق والمغرب، لكن الكتاب خطوة على الطريق على كل حال.

والذي يعنيني في القضية: ما مفهوم التمكين الذي وصف الله به هذا السيد الجليل؟، يقول الله تعالى: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَبٗا} [سورة الكهف: ٨٤]، فجعل الله التمكين وصفا نهائيًا لمجموع أنشطة ذي القرنين، وليس من أنشطته نشاط محدد اسمه التمكين، بل إن الرجل بذل نشاطًا تاريخيًا وإداريًا، ومجموع هذه الأنشطة يسمى التمكين، فيقول الله تعالى: {فَأَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا} [ سورة الكهف: ٨٥ - ٨٦]، فهذا مبحث متعلق بأهل المغرب.

ثم قال تعالى: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} [سورة الكهف: ٩٢ - ٩٣]، ثم تجوز الله وأجمل في أخبار رحلته إلى أقصى ما يمكن الوصول له من الأرض المعمورة تجاه الشرق، ثم وصف الله تعالى شيئًا أطال فيه، فقال: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} [سورة الكهف: ٩٤ - ٩٥]، أي: أن الخبرات العلمية والمعرفية عندهم منعدمة {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} [سورة الكهف: ٩٢ - ٩٣]، أي: أن الإمكانات التي تحت يدي من المعرفة وأصول الصنعة أفضل وأمكن، وغاية المطلوب هو: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} [سورة الكهف: ٩٥ - ٩٦].

فمن أين نأتي بقطع الحديد الكبيرة الضخمة، عند قوم لا يكادون يفقهون قولًا، فكان لابد من صنعة التعدين، واستخراج المعادن من المناجم، ومد طرق إنتاج من المناجم إلى أماكن التصنيع، فهذه خبرة معرفية علمهم إياها مع قواده في صنعة التعدين، {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} [سورة الكهف: ٩٦]، فهذه خبرة معمارية، حيث توضع لبنات البناء بطريقة معينة، حتى تملأ فراغًا معينًا بين هضبتين، إنها خبرة هندسية متراكمة.

ثم إنه: {قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [سورة الكهف: ٩٦]، فهذه المناهج المعرفية التي لخص القول فيها بقوله: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} [سورة الكهف: ٩٥]، أي: قوة عاملة للتنفيذ، مع همة منكم في اكتساب هذه الخبرات.

ولعل هذه هي الحكمة في خواتيم سورة الكهف، وبعدها بصفحة قال في أوائل سورة مريم: {يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ} [سورة مريم: ١٢]، فهذا نمط آخر من القوة، ليلفت نظرنا إلى تلخيص قوة المعرفة والابتكار، مع قوة الإتقان في التنفيذ، ونتيجة هذه العلوم والمعارف هي التمكين.

الخلاصة

التمكين يكون باتخاذ الأسباب فمن النماذج القرآنية ذو القرنين حيث كان قائدًا جمع بين المعرفة والقوة فحقق التمكين، واستخدم موارده لبناء السد العظيم ضد يأجوج ومأجوج، فهو نموذج للتخطيط والإدارة الناجحة.

تمهيد

يُقدّم القرآن الكريم نموذجًا فريدًا للتمكين الإلهي من خلال سيرة ذي القرنين الذي ذكره الله تعالى في سورة الكهف بوصفٍ بالغ الدقة: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ} [الكهف ٨٤]، ويكشف هذا النموذج عن أن التمكين ليس غاية سياسية ولا مشروعًا سلطويًا، بل هو ثمرة لتسخير الأسباب، وتفعيل المعارف، وبناء الحضارة، وفي مقابل هذا المفهوم القرآني العميق، طرحت بعض التيارات المتطرفة رؤى مغلوطة تختزل التمكين في السيطرة والقوة، متجاهلة البُعد الأخلاقي والمعرفي الذي أسسه القرآن، ويستعرض هذا المقال أبعاد هذا النموذج الرباني، ومدى ارتباطه بالعلم والعمران، بعيدًا عن الخطاب الحركي المؤدلج.