هناك نموذج للتمكين، وهو نموذج ذي القرنين، الذي وصفه الله تعالى بالتمكين عدة مرات، قال سبحانه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ} [سورة الكهف: ٨٣ – ٨٤]، فما هو أساس ذلك التمكين؟ قال سبحانه: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} [سورة الكهف: ٨٤]، فهو لم يطلب التملك؛ بل آتاه الله من كل شيء سببًا، أي: هيأ له الأسباب والمصادر والمقومات والموارد، حتى صارت له رحلة لمطلع الشمس، إلى أقصى ما يمكن أن تصل له الجيوش والعتاد باتجاه المشرق، والرحلة معناها خبراء بالبحار، ورجال وجنود، ومؤن وخرائط، وخطوط تموين وتزود، وقوة إدارة على مواجهة البحار، تجعل البحارة يمتثلون، ورحلة إلى المغرب، ورحلة إلى مكان سماه الله بين السدين، وقد وقف فيه المفسرون يبحثون عن معناه، وعن مكانه الآن في العالم.
والقرآن يكلمنا عن تصرف بشري وقع في فترة تاريخية، وهو بلا شك موجود على بقعة معينة من الكرة الأرضية الآن، فأين مكانه؟ فبدأ هارون الرشيد يمول رحلات لخبير اسمه سلام الترجمان، ليذهب إلى بعض الأصقاع في أقصى شمال الكرة الأرضية للتنقيب عن بقايا السد الذي بناه ذو القرنين.
هذا العلم الذي هو التفتيش عن مكان أشار إليه القرآن الكريم أو غيره من النصوص المقدسة بدأ يعنى به الأوربيون للتفتيش عن الآثار المكانية الموجودة في الكتاب المقدس، فبدأ يظهر علم اسمه الأركيولوجي، أو علم حفريات الكتاب المقدس، ومعناه أن التوراة ذكرت مكانًا معينًا، أو أثرًا معينًا، فيتم تمويل حملات تنقيب تذهب لذلك المكان، وتحاول أن تنقب عن الأثر المذكور هنا، أو تجد أي شاهد من حفريات يدل عليه، والقرآن يشير لهذا، فيقول مثلا عن سفينة نوح: {وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [سورة القمر: ١٥] أي: سأبقيها آية حتى تأتي الأجيال وتحفر وتنقب وتجدها، وقال سبحانه: {وَإِنَّكُمۡ لَتَمُرُّونَ عَلَيۡهِم مُّصۡبِحِينَ *وَبِٱلَّيۡلِۚ} [سورة الصافات: ١٣٧ - ١٣٨]، يصف الله قرى قوم لوط وأنكم تمرون على بقاياهم وآثارهم ذهابًا وإيابًا، صباحًا ومساءً، فانتبهوا.
فبدأ علماء الإسلام يسألون: أين ذو القرنين حتى نرى مبلغ التمكين الذي كان فيه؟
وهناك رحلة تاريخية مشهورة، مولها الخليفة الواثق بالله، وكلف سلام الترجمان أن يذهب إلى بقاع القوقاز، والأصقاع الباردة في أقصى الشمال الأسيوي ناحية سيبريا، ليرى المشاهدات الجغرافية التي ينبغي أن يسجلها حول سد ذي القرنين، فرحل إلى هناك، وقد سجل في هذا رحلة أوردها الشريف الإدريسي في (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) [نزهة المشتاق، في اختراق الآفاق، ٢/٩٣٤، ط: عالم الكتب، بيروت، سنة ١٤٠٩ - ١٩٨٩م]، وقبله ابن فضل الله العمري في كتاب (المسالك والممالك) وهي موثقة في كتب التاريخ، وعدد من المستشرقين لما درسوا هذا النص التاريخي وتأملوا البقاع والأماكن التي وصفها، وهم خبراء في الجغرافيا، قالوا: هذه الرحلة بمعايير البحث العلمي صادقة ، والمستشرق الروسي كراتشكوفسكي له فيها بحث، والمقصود أنها حظيت باهتمام، وكان من المعاصرين العلامة الكبير أبو الكلام آزاد، وزير الثقافة الهندي الأسبق، وكان معنيا بما أسميناه حفريات القرآن الكريم، بالتوازي مع حفريات الكتاب المقدس التي تمت في نهر الأردن وفي البحر الميت وفي بقاع من فلسطين.
فكان العلامة أبو الكلام من أكثر العلماء المعنيين بهذا الجانب، وأجرى بحوثًا حول مكان سد ذي القرنين، وأورد هذا البحوث مع عدد من مقالات: الدكتور عبد المنعم النمر، وزير الأوقاف المصري السابق في السبعينات، حيث له كتاب كامل عن أبي الكلام آزاد، أورد فيه بحوثه عن ذي القرنين وسده.
وخرج من الباحثين باحث، وهو عضو في مجلس الشورى السعودي، اسمه حمدي حمزة أبوزيد، فأخرج كتابا اسمه: (فك أسرار ذي القرنين ويأجوج ومأجوج)، له فيه بحث ورحلة وتمحيص ونزول إلى الوثائق الصينية، وله قناعة معينة قد تكون محل نظر، وهي أن ذا القرنين المذكور هو أخناتون الملك الفرعوني الموحد، وعلى هذا الكتاب مؤاخذات جمة، وبعض المتخصصين في الفرعونيات يقولون هذا كلام غير دقيق، فلم يذكر في التاريخ والبرديات رحلات لأخناتون بهذه الصورة إلى المشرق والمغرب، لكن الكتاب خطوة على الطريق على كل حال.
والذي يعنيني في القضية: ما مفهوم التمكين الذي وصف الله به هذا السيد الجليل؟، يقول الله تعالى: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَبٗا} [سورة الكهف: ٨٤]، فجعل الله التمكين وصفا نهائيًا لمجموع أنشطة ذي القرنين، وليس من أنشطته نشاط محدد اسمه التمكين، بل إن الرجل بذل نشاطًا تاريخيًا وإداريًا، ومجموع هذه الأنشطة يسمى التمكين، فيقول الله تعالى: {فَأَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا} [ سورة الكهف: ٨٥ - ٨٦]، فهذا مبحث متعلق بأهل المغرب.
ثم قال تعالى: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} [سورة الكهف: ٩٢ - ٩٣]، ثم تجوز الله وأجمل في أخبار رحلته إلى أقصى ما يمكن الوصول له من الأرض المعمورة تجاه الشرق، ثم وصف الله تعالى شيئًا أطال فيه، فقال: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} [سورة الكهف: ٩٤ - ٩٥]، أي: أن الخبرات العلمية والمعرفية عندهم منعدمة {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} [سورة الكهف: ٩٢ - ٩٣]، أي: أن الإمكانات التي تحت يدي من المعرفة وأصول الصنعة أفضل وأمكن، وغاية المطلوب هو: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} [سورة الكهف: ٩٥ - ٩٦].
فمن أين نأتي بقطع الحديد الكبيرة الضخمة، عند قوم لا يكادون يفقهون قولًا، فكان لابد من صنعة التعدين، واستخراج المعادن من المناجم، ومد طرق إنتاج من المناجم إلى أماكن التصنيع، فهذه خبرة معرفية علمهم إياها مع قواده في صنعة التعدين، {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} [سورة الكهف: ٩٦]، فهذه خبرة معمارية، حيث توضع لبنات البناء بطريقة معينة، حتى تملأ فراغًا معينًا بين هضبتين، إنها خبرة هندسية متراكمة.
ثم إنه: {قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [سورة الكهف: ٩٦]، فهذه المناهج المعرفية التي لخص القول فيها بقوله: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} [سورة الكهف: ٩٥]، أي: قوة عاملة للتنفيذ، مع همة منكم في اكتساب هذه الخبرات.
ولعل هذه هي الحكمة في خواتيم سورة الكهف، وبعدها بصفحة قال في أوائل سورة مريم: {يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ} [سورة مريم: ١٢]، فهذا نمط آخر من القوة، ليلفت نظرنا إلى تلخيص قوة المعرفة والابتكار، مع قوة الإتقان في التنفيذ، ونتيجة هذه العلوم والمعارف هي التمكين.