Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

قضية التمكين كمفهوم قرآني - نبي الله يوسف عليه السلام نموذجًا -

قضية التمكين كمفهوم قرآني - نبي الله يوسف عليه السلام نموذجًا

كان  نبي الله يوسف عليه السلام نموذجًا هاما للتمكين بينه القرآن الكريم حيث لم يسعَ لطلب الحكم، بل جاء ترشيحه لإدارة خزائن مصر بناءً على معرفتهم بخبرته ووحي الله الذي ألهمه، فقبل المهمة بعد إلحاح الملك، وكان هدفه خدمة الناس، لا السعي للسلطة، مما يرد على من يفسر الآية مبررًا التحايل للوصول إلى الحكم.

التمكين لنبي الله يوسف عليه السلام

لقد قال الله تعالى فى حق سيدنا يوسف عليه السلام: {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة يوسف: ٢١].

فأين التمكين، وقد اشتروه ليكون عبدًا؟ إنه تصرف إلهي، حيث جعل الله إلقاءه في الجب، الذي أفضى به إلى الرق، حتى يُحمَلَ إلى مصر، ليحتك معرفيًا بالناس الذين سيتحدثون مع الملك، فيشيع له صيت رفيع بالعلم والمعرفة، مما يجعل رجال الإدارة يسعون سعيًا إلى استقطاب خبرته، والانتفاع بمعرفته، فجعل الله هذا المسار الذي يوصل صيته إلى الملك، وما تمتع به يوسف من خبرات معرفية جعلت الملك يلجأ إليه هو التمكين.

فالتمكين ثروة معرفية تُجبر الآخرين على احترام خبرتك والاستعانة بما عندك من خبرة، وانظر إلى هذا السياق: {قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ} [سورة يوسف: ٤٤ - ٤٧].

أي: أفتنا أيها الخبير العالمي في إدارة شئون الممالك والدول، كيف نفسر هذه القضية: {سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} [سورة يوسف: ٤٦]، ففسرها يوسف وحولها إلى خطط عمل، فكان التمكين في حقه ثروة معرفية، مكنته من بعد النظر، والتوقع المستقبلي للأزمات، وسبل حلولها والتعامل معها، وعندما أدلى يوسف عليه السلام بهذه الخبرة، {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} [سورة يوسف: ٥٤]، فأوقع الله له القبول، فطلبه الملك بوصفه خبرة معرفية نادرة، فلما كلمه فوجئ بعقلية اقتصادية من الطراز الأول، فقال له: {إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ} [سورة يوسف: ٥٤] فترتب على ذلك: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [سورة يوسف: ٥٥]، فانظر كيف كان التمكين؟

ثم تأتي التيارات المتطرفة لتقتطع عبارة: {اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ} [سورة يوسف: ٥٥]، وحدها، معزولة عن كل هذا السياق السابق، ثم يقولوا: إن هذه الآية تفيد مشروعية السعي إلى السلطة.

والخلاصة هنا: أن يثبت الإنسان ذاته معرفيًا وأن يُرِي الوطن منه خبرات تجعل الكل يقول له: أنت حَلَّالُ العُقَدِ، وتفضّل بتسيير الأمور أيًا كان توجهك، وذلك فقط لكونك خبيرًا وعالمًا ومتمكنًا من معارفك.

فالتمكين تصرف إلهي محض، يصنعه الله تعالى، ويوجده، ونحن مكلفون ببرامج عمل، منها عمارة الأرض، وبذل الجهد، وتنمية الخبرات العلمية، وبناء البلاد والأوطان، وعبادة الله وتزكية النفس، فإن نجحنا في كل هذه المقدمات والبرامج العملية، ألقى الله تعالى لنا سمعة عالمية تشيع في العالم من حولنا، ويمكن أن تسمى حين إذن بالتمكين، وهذا التمكين في حق الأمم والشعوب مثل المودة والمحبة في حق الأفراد، يوجدها الله في القلوب، ونحن فقط نسعى في أسبابها ومقدماتها.

مفاتيح التمكين عند يوسف عليه السلام

أولًا: مفتاح العلم:

وأول مفتاح من مفاتيح مفهوم التمكين في حق سيدنا يوسف هو مفتاح العلم، حتى تكرر هذا المفتاح مرات كثيرات، فاسمع قول سيدنا يعقوب: {وَكَذَٰلِكَ يَجۡتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِ} [سورة يوسف: ٦]، فتعليم الأحاديث مفتاح معرفي مهم.

ثم جاء قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِۦٓ أَكۡرِمِي مَثۡوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗاۚ} [سورة يوسف: ٢١]، حتى قال: {وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ} [سورة يوسف: ٢١]، فجاء مفتاح العلم مرة ثانية.

ثم قال سبحانه بعدها: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ} [سورة يوسف: ٢٢]، فتكرر هذا المفتاح العلمي في حقه مرة أخرى.

ثم قال: {لَا يَأۡتِيكُمَا طَعَامٞ تُرۡزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأۡتُكُمَا بِتَأۡوِيلِهِۦ قَبۡلَ أَن يَأۡتِيَكُمَاۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيٓۚ} [سورة يوسف: ٣٧]، فتكرر هذا المدخل والمفتاح العلمي للمرة الرابعة.

ولعل هذا هو السبب في تقديم العلم على الحكمة في سورة يوسف، في قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ } [ سورة يوسف: ٦]، وفي آيتين أخريين من السورة، لأن تمكين يوسف عليه السلام نابع من مقتضيات العلم الإلهي الذي أفاضه الله عليه، بخلاف قوله تعالى في حق إبراهيم عليه السلام: {وبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ * فَأَقۡبَلَتِ ٱمۡرَأَتُهُۥ فِي صَرَّةٖ فَصَكَّتۡ وَجۡهَهَا وَقَالَتۡ عَجُوزٌ عَقِيمٞ * قَالُواْ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ} [سورة الذاريات: ٢٨ - ٣٠]، حيث قدم الحكمة هنا على العلم؛ لأن إكرامه بالولد مع كبر السن من مقتضيات الحكمة الإلهية.

ثانيا: خبرات ومواهب يوسف عليه السلام:

ثم وقعت الواقعة الجليلة التي أبرزت ما عند يوسف عليه السلام من خبرات ومواهب وملكات وثروة علمية ومعرفية، جعلت الشعب المصري بأكمله في ذلك الحين، والإدارة القائمة في البلاد هي التي تقول له: أدركنا بأبعادك المعرفية، وأخرج لنا من مناجم المعرفة والعلم الموجود عندك بعض الإجراءات والخطط التي تنقذ البلد من خطر اقتصادي داهم.

 وقد رأى الملك سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، ثم قال: {يأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ أَفۡتُونِي فِي رُءۡيَٰيَ} [سورة يوسف: ٤٣]، فنحن في حاجة إلى خبرة معرفية تشرح لنا رموز هذا الحدث المستقبلي المقبل: {إِن كُنتُمۡ لِلرُّءۡيَا تَعۡبُرُونَ} [ سورة يوسف: ٤٣]، فما كان عندهم بُعْد معرفي يسعفهم: {قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمٖۖ وَمَا نَحۡنُ بِتَأۡوِيلِ ٱلۡأَحۡلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ} [سورة يوسف: ٤٤] ، فنفوا العلم، مما يؤكد النظرية القرآنية في التمكين وأن مفتاحها في حق سيدنا يوسف قائم على أساس العلم الذي تمتع به، ووهبة الله له.

ثم ظهر افتقاد هذا الأساس عند المجتمع في ذلك الحين، في قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنۡهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعۡدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِيلِهِۦ فَأَرۡسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفۡتِنَا فِي سَبۡعِ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖ لَّعَلِّيٓ أَرۡجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَعۡلَمُونَ} [سورة يوسف: ٤٥ - ٤٦].

حيث نص الرجل المرسل إلى يوسف هنا على أن وجه احتياجهم إلى يوسف هو افتقادهم للسر العلمي المعرفي الذي سبق لهم عند احتكاكهم به أن رأوه فيه على نحو مبهر.

فانظر كم تكررت كلمة العلم في هذا السياق؟

فبدأ يوسف عليه السلام يظهر العلم المبهر، والحلول الفائقة للأزمة الاقتصادية: {قَالَ تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبٗا} [سورة يوسف: ٤٧] خطة سبعية: {فَمَا حَصَدتُّمۡ فَذَرُوهُ فِي سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تَأۡكُلُونَ} [سورة يوسف: ٤٧]، فظهرت الحاجة إلى خطة زراعية واسعة، وخطط في التخزين، ومقادير محددة في الإنفاق والترشيد: {ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ سَبۡعٞ شِدَادٞ يَأۡكُلۡنَ مَا قَدَّمۡتُمۡ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تُحۡصِنُونَ} [سورة يوسف: ٤٨]، فدلهم على خطة تؤمن لهم غطاء من القمح، بحيث بقيت بقية مما يحصنون بعد مرور الأزمة وانتهائها، فالغطاء الذي وفره لهم تجاوز بهم الأزمة: { ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعۡصِرُونَ} [سورة يوسف: ٤٩].

ولا شك في أن نصيحته لهم بالزراعة قد كانت ملفًا عمليًا، خضع للنقاش، وجرت فيه تفاصيل، لم يذكرها القرآن على عادته القويمة في الاكتفاء بالنتائج والمسائل الكلية، وتلخيص المقدمات، وطي المسالك التفصيلية، من الكلام عما جرى بينهم وبين يوسف عن طريقة الزراعة، ونوعية المزروعات والمحاصيل الحيوية التي لابد منها لاجتياز الأزمة، وما الذي يتم تأخير زراعته إلى حين اجتياز الأزمة، وما هي الساحات والمساحات التي لا بد من العمل على تشغيلها، والأيدي العاملة، ومتطلبات الزراعة من ري وفلاحة، وهذه خبرة يوسفية عميقة، في صميم خبرة الشعب المصري العريق، الخبير بالزراعة، والذى يعيش سبعة آلاف سنة على ضفاف النيل، فلما استمع المصريون إلى هذا السيد المؤيد، وما أشار به من خبرات وتوجيهات في النواحي الزراعية لاشك أن هذا أصابهم بدهشة بالغة، حيث تحداهم وأتى لهم في صميم خبراتهم بتوجيهات تفصيلية عجيبة، بنور الوحي والنبوة.
ثم قوله: {تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبٗا}، أي: باستنفار وتشمير وتعبئة، حتى تكون كل المواسم المتعاقبة يتراكم فيها القمح.

ثم قوله: {فَمَا حَصَدتُّمْ} فهذا إجراء آخر، وهو ملف عمل يقوم على خبرات الحصاد: {فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ} فهذه خبرات أخرى في التخزين: {إلا قليلًا مما تأكلون} [سورة يوسف: ٤٧]، {ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ سَبۡعٞ شِدَادٞ يَأۡكُلۡنَ مَا قَدَّمۡتُمۡ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تُحۡصِنُونَ} [سورة يوسف: ٤٨] فشرح لهم طريقة معينة للتخزين تجعله مدخرًا سبع سنين، مع كيفيات في الإنفاق وصرف المقادير المحددة التي تجعلنا نجتاز السنوات السبع، ونوفر به لأهل الشام والأقطار المجاورة، ويتبقى من بعد ذلك أيضًا رصيد زائد.

فهذه خبرة في مجالات وبرامج عمل شديدة الغرابة لا يعهد مثلها في شعب عريق في هذا الفن، خبرة اقتصادية بوضع الخطط، وخبرة بفنون الحياة، وخبرة في التخزين والزراعة والحصاد، وفنيات دقيقة عند شعب خبير بالمسألة.

فلما ظهر هذا البُعد المعرفي، ووصل إلى مراكز صنع القرار، بدأوا هم يسعون إليه، وسبقه صيته العلمي، الذي تمس حاجة البلاد إليه، وليس عندهم خبير يقوم به، {وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِ} فرفض، {قَالَ ٱرۡجِعۡ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسۡـَٔلۡهُ مَا بَالُ ٱلنِّسۡوَةِ} [سورة يوسف: ٥٠]. فألح الملك في طلبه، وأرسل إليه مرة ثانية: {وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦٓ أَسۡتَخۡلِصۡهُ لِنَفۡسِيۖ} [سورة يوسف: ٥٤].

فيوسف عليه السلام لم يطلب الإمارة ولم يسع إليها، وإنما جاء تمكينه اعترافًا بخبرته العلمية النادرة التي أقر بها أهل الخبرة وصانعو القرار في زمنه. فالملك لما سمع منه أدرك عمق علمه ورؤيته الاستراتيجية فقال له: {إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ} [يوسف: ٥٤]، وكان ذلك بعد أن رفض لقاءه مرات، مما يدل على أنه لم يسع إلى الحكم، بل مُكِّن لعلمه وخبرته.

ولم يكن عليه السلام يتنبأ، بل امتلك فقهًا توقعيًا مبنيًّا على بصيرة وخبرة مكتسبة، وهو نبي تربى في بيت النبوة، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، الذين تراكمت فيهم أنوار النبوة وعلومها.

وقد نشأ في بيت زعامة وقيادة، فكان بطبيعته مؤهلًا للحكم والعلم، وجمع بين النبوة والخبرة، فصار نموذجًا يُحتذى.

كما تمكين يوسف عليه السلام كان قائمًا على قاعدة أصولية وهي أن الأصل في أفعال الأنبياء العموم إلا ما دل الدليل على تخصيصه، فتصرفاته في الإدارة والتخطيط والزراعة والقضاء هي نماذج عملية قابلة للتطبيق البشري بالتعلم والخبرة.

فيوسف عليه السلام جمع بين النبوة والعلم والخبرة، وأظهر مهارة زراعية واقتصادية وتشريعية فذة، استطاع بها أن يُخرج مصر من أزمة اقتصادية كبرى، وأن يُحدث تعديلًا قانونيًا جديدًا في نظامها القضائي كما في قوله تعالى: {مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ } [يوسف: ٧٦]، فابتكر نظامًا قضائيًا جديدًا مستمدًّا من شرع آبائه، جمع بين الحكمة والعدل والمصلحة.

فهذا النموذج اليوسفي المعرفي الممتلئ بالخبرة والعلم والدراية والفهم، بحيث لجأ إليه كل أرباب الإدارة في الدولة المصرية، يذكرنا بالقاعدة الأصولية المشهورة: (الأصل في أفعال الأنبياء العموم إلا أن يقوم دليل على التخصيص)، فهناك أمور وشئون نبوية قام الدليل على اختصاصهم بها، وبقية الأفعال النبوية في المناسك والإدارة والمهن ومكاتبة الملوك والرسائل، فإن الأصل فيها أنها صدرت عنهم لتكون منهجًا وتعليمًا، لكن نحن نصنعها بالخبرة والتعلم والمران والتدريب، وهم يصنعونها بتعليم إلهي.

وأصل التمكين في قصة يوسف عليه السلام هو العلم؛ إذ قال تعالى: {نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ} [يوسف: ٧٦]، فالعلم كان مفتاح مكانته وتمكينه في الأرض، وبالعلم والإخلاص والعمل تحققت رسالته في الإصلاح والإعمار.

الخلاصة

يتبيّن من قوله تعالى: ﴿ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِ [يوسف: ٥٥]، أن يوسف عليه السلام لم يطلب الإمارة طلبَ جاهٍ أو سلطان، بل جاء قبوله بعد إلحاح الملك، وثقة القوم بعلمه وخبرته في تدبير شؤون الدولة؛ فاختياره لتصريف الخزائن كان لتحقيق مصلحة الأمة، لا تحقيق رغبة شخصية. ومن الخطأ البالغ جعل هذه الآية ذريعة لتبرير التحايل للوصول إلى الحكم، لأن الأنبياء لا يسعون للسلطة لذاتها، بل يحملونها تكليفًا ومسؤولية.