Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

منْ الضوابطِ المانعةِ للتّكفير: لا يُكفر ناطقُ الشهادتين

الكاتب

هيئة التحرير

منْ الضوابطِ المانعةِ للتّكفير: لا يُكفر ناطقُ الشهادتين

كلّ منْ نطقَ بالشهادتين يُعامل كمسلمٍ، ولا يُخرج منَ الملةِ إلا بإنكارِ ما هو معلومٌ منَ الدينِ بالضرورة، مع مراعاةِ القصدِ والوضوحِ، ولا يتصدرُ للحكمِ في ذلك أيُّ أحدٍ منَ النّاس.

الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة

يخطئُ كثيرٌ من الناس في فَهم حقيقة الأسبابِ التي تُخرجُ صاحبَها عن دائرةِ الإسلام، وتوجبُ عليه الحكم بالكفر، فيسارعون إلى الحكمِ على المسلمِ بالكفر لمجرّد المخالفة، ولعل نيتَهم في ذلك الأمرُ بالمعروف، أو النهيُ عنِ المنكر، ولكن فاتهم أنّ واجبَ الأمر بالمعروف والنهي عنِ المنكر لا بُدّ من أدائه بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، كما قال الله تعالى: {ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ} [النحل: ١٢٥]، وذلكَ المنهجُ الربانيُّ أدعى إلى القبول، وأقربُ للحصول على المأمول، ومخالفتُهُ خطأٌ وحماقةٌ.

ظاهرة التكفير قديمًا وحديثًا

والتكفيرُ مشكلةٌ قديمةٌ بدأت شرارتُها في أواخر خلافةِ عثمانَ بن عفان رضي الله عنه، واشتعلتْ وبلغتْ ذروتُها في عهد الإمامِ على بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه، ثمّ عادت تلك الظاهرةُ في بداية القرن العشرين الميلاديّ، مرتبطة بمواقفَ سياسيةٍ لجماعات ترفعُ شعارَ الإسلام.

وقد ازدادَ الأمرُ سوءًا في العصور المتأخرة، بظهورِ خارطةٍ جديدةٍ للاتجاهات الإسلامية، متمثلةً بالمذاهبِ القديمةِ المتجددة بأثوابها ومظاهرها وأسمائها الحديثة التي دخل معظمُها معتركَ السياسة مع أو ضدّ الحكومات، واستخدامها العنف خدمة للسياسة وبغطاء ديني، وكان منْ أبرزِها : (جماعة المسلمين)، والتي تعرفُ بـ (جماعة التكفير والهجرة)، والتي تعتَبِرُ نفسَها الفئةَ المسلمةَ، ومن هو خارج عنها غير منتسب إليها كافر، ورجعتْ إلى التاريخ الإسلامي لتطلقَ الكفر على عصورِهِ منذُ القرنِ الرابعِ الهجريّ، وقد كفّرت منِ ارتكبَ المعاصي، وعلى من لم يحكمْ بالكفر على من يرونه كافرًا. [ظاهرة التكفير في الأدبيات الفقهية، بقلم / عبد الرحمن حللي بتصرف يسير]

وللتكفيرِ منَ الناحيةِ الدينيّة أحكامٌ وقواعد ينبني عليها، فهناك تكفيرُ الأعمال، وتكفيرُ الذوات، وقد يكون الحكمُ بالكفر أصليًّا، وقد يكون لاحقًا، وهناك المطلقُ منه والمقيدُ، وكلُّ هذه مصطلحاتٌ فقهية تناولها الباحثون قديمًا وحديثًا.

موقف العلماء من التكفير

ومنَ المعلومِ: أنّ التكفيرَ فتنةٌ وأمرٌ خطيرٌ، يهدّد وحدةَ الأمّة، مما دعا الفقهاءَ والعلماءَ إلى التحذير منَ التساهلِ في إطلاقه، ووضعوا ضوابطَ للحدّ منه، وذلك من خلال وضعِ قواعدَ وضوابطَ بها يدخلُ الإنسانُ في الإسلام، ويكون بها مسلمًا، وضوابطَ أخرى بها يخرج منَ الملة، وهذه هي بعضُ الضوابطِ التي اصطلحَ عليها العلماءُ والفقهاءُ ومنها:

من ضوابط عدم التكفير: (عدم تكفير أحد من أهل القبلة ممن نطق بالشهادتين)

لما كان التكفيرُ منتشرًا أشدّ الانتشار بينَ الفرقِ الإسلامية التي كانَ الخلافُ بينها مبنيًا على مسائلَ اجتهاديةٍ تتعلقُ بالعقائدِ، وضعَ المتكلمون ضابطًا للفرق الإسلاميةِ التي كان خلافُها مما يحتملُ الاختلافُ فيه، لئلا يقعوا في تكفيرهم، وسموهم: (أهل القبلة)، أخذًا من قوله صلى الله عليه وسلم: «مَن صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الذي له ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ فلا تُخْفِرُوا اللَّهَ في ذِمَّتِهِ». [أخرجه البخاري في (صحيحه) (١/١٥٣) حديث (٣٨٤) ]

لكن هذا الضابط قد قُيّد بقيودٍ معينةٍ عندَ الفقهاء والعلماء لا بُدّ أن تتوافرَ في أهل القبلة، وها هي جملة من آرائهم:

رأى الإمام الغزالي رحمه الله:

قال: "فاقنعِ الآن بوصية وقانون، أما الوصيةُ: فأنْ تكفّ لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك ما داموا قائلينَ: (لا إله إلا اللهُ محمدٌ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم). 

وأما القانونُ: فهو أن تعلمَ أنّ النظريات قسمان: قسم يتعلق بأصولِ القواعدِ، وقسم يتعلّق بالفروع، وأصول الإسلامِ ثلاثةٌ: الإيمانُ بالله، وبرسوله، وباليوم الآخر، وما عداه فروعٌ، واعلمْ أنهُ لا تكفيرَ فى الفروع أصلًا". [اللمع في تجلية البدع، ص٩٥].

قول العلّامة الحدّاد رحمَهُ الله:

قال: "وقدِ انعقد الإجماعُ على منع تكفيرِ أحد من أهلِ القبلةِ، إلا بما فيه نفي الصانع القادر جلّ وعلَا، أو شرك جليّ لا يحتمل التأويل، أو إنكار النبوة، أو إنكار ما عُلِمَ منَ الدينِ بالضرورة، أو إنكار متواتر أو مجمَع عليه ضرورة منَ الدين.

والمعلومُ منَ الدينِ ضرورة: كالتوحيد، والنبوات، وختم الرسالة بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، والبعث في اليوم الآخر، والحساب، والجزاء، والجنة، والنار، يُكفر جاحدُهُ، ولا يعذر أحد منَ المسلمينَ بالجهلِ به، إلّا من كان حديثَ عهدٍ بالإسلام، فإنّهُ يعذر إلى أن يتعلمَه ثمّ يعذر بعده، والمتواتر منَ الخبر الذى يرويه جمع يُؤمن تواطؤهم على الكذبِ". [التحذير من المجازفة بالتكفير، ص(٣٢)].

شواهد هذا الضابط من السنة النبوية المشرفة

 ونذكرُ هنا بعضًا منَ الأحاديث النبوية التي تبينُ حقيقةَ الإسلام، والمسلم، والميزان الحقّ الذي يوزنُ به، ويعتبر معصومًا دمه، وماله، وعرضه، ومحفوظًا له حقوقُ المسلمين؛ ومنَ المعلومِ أنّ هذه الموازين إنما تؤخذُ منَ الكتاب والسنة، ذلك الميزان الذى بَيَّن الحق والباطل.  

والميزانُ الأولُ الذي يوزنُ به المسلم، هو كلمةُ التوحيد التي تعصمُ دمَهُ ومالَهُ وعرضَهُ، وأنّ المسلمَ يدخلُ الإسلامَ بالشهادتين: شهادة: (ألّا إلهَ إلا اللهُ، وأنّ محمدًا رسول الله). 

فمن أقرّ بهما بلسانِهِ فقد دخلَ في الإسلامِ، وأجريت عليه أحكامُ المسلمين، وإن كان كافرًا بقلبه؛ لأنّنا أُمرنَا أن نحكمَ بالظاهر، وأن نكلَ إلى الله السرائرَ، والدليلُ على ذلك: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقبلُ الإسلامَ ممن أقرّ بالشهادتين بمجردِ قولِها، ولا ينتظرُ حتّى يؤدي الصلاةَ، أو الزكاةَ، أو يصوم شهرَ رمضان ... مثلا.

عن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ الناس حتى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إلا الله، فَمَنْ قال: لَا إِلَهَ إلا الله، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ إلا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ على اللَّهِ». [متفق عليه]

والشاهد هنا: أنهم إذا قالوا: "لا إله إلا الله" دخلوا بها في الإسلام بدليلِ عصمة دمائهم وأموالهم، لأنّ العصمةَ إما بالإسلام، أو بالعهد، أو بالذمة.

بل كان يقبلُ الإسلامَ على شرط، على ألا يخالف هذا الشرط التوحيد وأصوله، ثم يحكم له بالإسلام، ودليل ذلك: ما روي عن  وهبُ بنُ مُنبِّهٍ قال: "سألتُ جابرًا عن شأنِ ثَقيفَ إذ بايعتْ"، أي: عما أَحدثَتْه في بَيعتِها لرسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم واشتراطِهم عليه، فقال جابرُ بنُ عبدِ اللهِ رضِيَ اللهُ عنهما: "اشترطَتْ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ لا صَدقةَ عليها ولا جهادَ، وأنَّه سَمِع النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعدَ ذلك يقول:  «سيتصدَّقونَ ويُجاهِدونَ إذا أَسْلَموا»" [أخرجه أبو داود في سننه حديث (٣٠٢٥)]، فالنَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَمنَعْهم أنْ يَدخُلوا في الإسلامِ بهذه الطَّريقةِ، لأن الزَّكاةِ لا تَجِبُ عليهم إلَّا بعدَ مُرورِ سَنةٍ، والجهادُ لا يَكونُ إلَّا عندَ الحاجةِ إليه، فهُناك مِن الوقتِ ما يوجِبُ فيه قَبول ما رفَضوه عندَ بيعتِهم، وقد كان ما أخبر به صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم.

وعنِ المقداد بن عمرو الكندي رضي الله عنه، أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَرَأَيْتَ إن لَقِيتُ رَجُلًا من الْكُفَّارِ فَاقْتَتَلْنَا، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فقال: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ، أأقتله يا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟"، فقال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَقْتُلْهُ»، فقال: "يا رَسُولَ اللَّهِ إنه قَطَعَ إِحْدَى يَدَيَّ ثُمَّ قال ذلك بَعْدَ ما قَطَعَهَا؟"، فقال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فإنه بِمَنْزِلَتِكَ قبل أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قبل أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ التي قال». [متفق عليه]

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة من أَصْلِ الْإِيمَانِ: الْكَفُّ عَمَّنْ قال لَا إِلَهَ إلا الله، ولا تكفره بِذَنْبٍ، ولا تخرجه من الْإِسْلَامِ بِعَمَلٍ، وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي الله إلى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ، لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ، ولا عَدْلُ عَادِلٍ، وَالْإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ». [أخرجه أبو داود في (سننه) (٣/١٨) حديث (٢٥٣٢)].

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كُفُّوا عن أَهْلِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ لا تُكَفِّرُوهُمْ بِذَنْبٍ فَمَنْ أَكْفَرَ أَهْلَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فَهُوَ إلى الْكُفْرِ أَقْرَبُ». [أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير) (١٢/٢٧٢) حديث (١٣٠٨٩)].  

وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه، يقول: "بَعَثَنَا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ِإلى الْحُرَقَةِ فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أنا وَرَجُلٌ من الْأَنْصَارِ رَجُلًا منهم، فلما غَشِينَاهُ قال: "لَا إِلَهَ إلا الله"، فَكَفَّ الْأَنْصَارِيُّ عنه، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حتى قَتَلْتُهُ، فلما قَدِمْنَا بَلَغَ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ ما قال: لَا إِلَهَ إلا الله؟!»، قلت: كان مُتَعَوِّذًا، فما زَالَ يُكَرِّرُهَا حتى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لم أَكُنْ أَسْلَمْتُ قبل ذلك الْيَوْمِ". [متفق عليه]

وفي رواية بزيادة: "فَقُلتُ إِنِّي أُعْطِي اللهَ عَهْدًا أَلَّا أَقْتُلَ رَجُلًا يَقُولُ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" أَبَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «بَعْدِي يَا أُسَامَة»، قُلْتُ: بَعْدَكَ". [التاريخ لابن عساكر (١/١٦٥)].

الخلاصة

منْ نطقَ بالشهادتين يُعامل كمسلمٍ، ولا يُخرج منَ الملةِ إلا بإنكارِ ما هو معلومٌ منَ الدينِ بالضرورة، مع مراعاةِ القصدِ والوضوحِ، ولا يحكمُ في ذلك أيُّ أحدٍ، ومنْ ضوابطِ منعِ التكفيرِ للمسلمِ نطقه الشهادتين باللسان، وإن لم يصاحبْهُ العملَ، فهو بذلك معصومُ الدم والعرض والمال.