ونذكرُ هنا بعضًا منَ الأحاديث النبوية التي
تبينُ حقيقةَ الإسلام، والمسلم، والميزان الحقّ الذي يوزنُ به، ويعتبر معصومًا دمه،
وماله، وعرضه، ومحفوظًا له حقوقُ المسلمين؛ ومنَ المعلومِ أنّ هذه الموازين إنما تؤخذُ منَ الكتاب والسنة، ذلك الميزان الذى بَيَّن الحق والباطل.
والميزانُ الأولُ الذي يوزنُ به المسلم، هو كلمةُ التوحيد التي تعصمُ دمَهُ ومالَهُ وعرضَهُ، وأنّ المسلمَ يدخلُ الإسلامَ بالشهادتين: شهادة:
(ألّا إلهَ إلا اللهُ، وأنّ محمدًا رسول الله).
فمن أقرّ بهما بلسانِهِ فقد دخلَ في الإسلامِ،
وأجريت عليه أحكامُ المسلمين، وإن كان كافرًا بقلبه؛ لأنّنا أُمرنَا أن نحكمَ بالظاهر،
وأن نكلَ إلى الله السرائرَ، والدليلُ على ذلك: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقبلُ الإسلامَ ممن أقرّ بالشهادتين بمجردِ قولِها، ولا ينتظرُ حتّى يؤدي الصلاةَ، أو الزكاةَ،
أو يصوم شهرَ رمضان ... مثلا.
عن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النبي صلى
الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ الناس حتى
يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إلا الله، فَمَنْ قال: لَا إِلَهَ إلا الله، فَقَدْ عَصَمَ
مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ إلا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ على اللَّهِ».
[متفق عليه]
والشاهد هنا: أنهم إذا قالوا: "لا إله إلا الله"
دخلوا بها في الإسلام بدليلِ عصمة دمائهم وأموالهم، لأنّ العصمةَ إما بالإسلام، أو
بالعهد، أو بالذمة.
بل كان يقبلُ الإسلامَ على شرط، على ألا يخالف هذا الشرط
التوحيد وأصوله، ثم يحكم له بالإسلام، ودليل ذلك: ما روي عن وهبُ بنُ مُنبِّهٍ قال: "سألتُ
جابرًا عن شأنِ ثَقيفَ إذ بايعتْ"، أي: عما أَحدثَتْه في بَيعتِها لرسولِ
اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم واشتراطِهم عليه، فقال جابرُ بنُ عبدِ اللهِ رضِيَ
اللهُ عنهما: "اشترطَتْ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ لا صَدقةَ
عليها ولا جهادَ، وأنَّه سَمِع النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعدَ ذلك يقول:
«سيتصدَّقونَ
ويُجاهِدونَ إذا أَسْلَموا»"
[أخرجه أبو داود في سننه حديث (٣٠٢٥)]، فالنَّبيَّ
صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَمنَعْهم أنْ يَدخُلوا في الإسلامِ بهذه الطَّريقةِ، لأن
الزَّكاةِ لا تَجِبُ عليهم إلَّا بعدَ مُرورِ سَنةٍ، والجهادُ لا يَكونُ إلَّا
عندَ الحاجةِ إليه، فهُناك مِن الوقتِ ما يوجِبُ فيه قَبول ما رفَضوه عندَ
بيعتِهم، وقد كان ما أخبر به صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم.
وعنِ المقداد بن عمرو الكندي رضي الله عنه، أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَرَأَيْتَ إن لَقِيتُ رَجُلًا من الْكُفَّارِ فَاقْتَتَلْنَا،
فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ،
فقال: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ، أأقتله يا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟"،
فقال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَقْتُلْهُ»، فقال: "يا رَسُولَ اللَّهِ إنه قَطَعَ إِحْدَى يَدَيَّ
ثُمَّ قال ذلك بَعْدَ ما قَطَعَهَا؟"، فقال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
«لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فإنه بِمَنْزِلَتِكَ قبل أَنْ تَقْتُلَهُ،
وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قبل أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ التي قال». [متفق عليه]
وعن
أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة من أَصْلِ الْإِيمَانِ: الْكَفُّ عَمَّنْ قال
لَا إِلَهَ إلا الله، ولا تكفره بِذَنْبٍ، ولا تخرجه من الْإِسْلَامِ بِعَمَلٍ،
وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي الله إلى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي
الدَّجَّالَ، لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ، ولا عَدْلُ عَادِلٍ، وَالْإِيمَانُ
بِالْأَقْدَارِ». [أخرجه
أبو داود في (سننه) (٣/١٨) حديث (٢٥٣٢)].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: «كُفُّوا
عن أَهْلِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ لا تُكَفِّرُوهُمْ بِذَنْبٍ
فَمَنْ أَكْفَرَ أَهْلَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فَهُوَ إلى الْكُفْرِ أَقْرَبُ». [أخرجه
الطبراني في (المعجم الكبير) (١٢/٢٧٢) حديث (١٣٠٨٩)].
وعن
أسامة بن زيد رضي الله عنه، يقول: "بَعَثَنَا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
ِإلى الْحُرَقَةِ فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ
فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أنا وَرَجُلٌ من الْأَنْصَارِ رَجُلًا منهم، فلما
غَشِينَاهُ قال: "لَا إِلَهَ إلا الله"، فَكَفَّ الْأَنْصَارِيُّ عنه،
فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حتى قَتَلْتُهُ، فلما قَدِمْنَا بَلَغَ النبي صلى الله عليه وسلم
فقال: «يا
أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ ما قال: لَا إِلَهَ إلا الله؟!»، قلت: كان
مُتَعَوِّذًا، فما زَالَ يُكَرِّرُهَا حتى
تَمَنَّيْتُ أَنِّي لم أَكُنْ
أَسْلَمْتُ قبل ذلك الْيَوْمِ". [متفق
عليه]
وفي رواية بزيادة: "فَقُلتُ
إِنِّي أُعْطِي اللهَ عَهْدًا أَلَّا أَقْتُلَ رَجُلًا يَقُولُ "لَا إِلَهَ
إِلَّا اللهُ" أَبَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله
عليه وسلم: «بَعْدِي يَا أُسَامَة»، قُلْتُ: بَعْدَكَ". [التاريخ لابن عساكر
(١/١٦٥)].