هناك أسباب علمية تتسبب في ظهور التكفير في مجتمعاتنا الإسلامية، وهي إما أسباب ترجع إلى المكفر نفسه، أو إلى دليله، فمن هذه الأسباب:
هناك أسباب علمية تتسبب في ظهور التكفير في مجتمعاتنا الإسلامية، وهي إما أسباب ترجع إلى المكفر نفسه، أو إلى دليله، فمن هذه الأسباب:
وذلك بتأويلهم الفتاوى والأدلة والنصوص بما يتفق مع أهوائهم، وقد تكون هذه الأدلة والنصوص والفتاوى واردة في حق غير المسلمين ومثال ذلك:
التفسير الحرفي والجامد لفتاوى تراثية صدرت ضد أعداء الأمة الإسلامية الغزاة لدار الإسلام، والمدمرين للحضارة الإسلامية مثل فتاوى ابن تيمية في التتار، ونقل هذه الفتاوى إلى واقعنا المعاصر مع تجريدها من سياقها التاريخي، وأسبابها الموضوعية، وملابساتها الفكرية والحضارية، وبذلك يتم نقل هذا السلاح من جبهة الصراع الديني والحضاري، إلى جبهة التدافع الداخلي، والتناقضات الثانوية غير العدائية حول الفروع، تلك التي قال عنها حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله: لا شيء فيها يستوجب التكفير.
كما أن نقل هذه الفتاوى مع إغفال ملابسات زمانها ومكانها وأسبابها: خلط بين الفتاوى , وهى رأي غير ملزم, وبين ثوابت الدين، والتي هي وضع إلهي ثابت عبر الزمان والمكان. [في فقه الحضارة الإسلامية، د. محمد عمارة. ص١٥٢, ١٥٣]
الفهم القاصر والمغلوط لبعض المرويات والمأثورات، وفي مقدمتها حديث الفرقة الناجية: عن أَنَسِ بن مَالِكٍ رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرَقَتْ على إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَإِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ على ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا في النَّارِ إلا وَاحِدَةً وهى الْجَمَاعَةُ». [أخرجه ابن ماجة في (سننه) (٢/١٣٢٢) حديث (٣٩٩٣)].
فكثير من الذين يشهرون سيف التكفير ضد خصومهم ينطلقون من اعتبار أنفسهم الفرقة الناجية، وأن من عداهم هم الفرقة الهالكة!. [في فقه الحضارة الإسلامية، ص١٥٣, ١٥٤].
لذا كان لزاما عليهم أن يتفهموا الفهم الصواب لهذا الحديث، وأيضا من الواجب على الأمة جميعها أن يتفهموه حتى لا يصير دليلا يتخذه كل صاحب هوى يطعن الآخر به، والحمد لله أن تكفل علماء الأمة وورثة الهدى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ببيان معناه وهذه بعض أقوالهم وآرائهم:
قال الإمام الشاطبي في (الاعتصام): الفرق المذكورة في الحديث هي المبتدعة في قواعد العقائد على الخصوص، كالجبرية، والمرجئة، والقدرية، والشيعة، وغيرها. [(الاعتصام) (٢/١٩٨)].
يقول الدكتور محمد عمارة: ولمواجهة هذا الفهم القاصر والمنحرف لهذا الحديث يجب التنبيه إلى عدد من الحقائق يغفل عنها أصحاب هذا الفهم القاصر والمنحرف وفي مقدمتها:
أ) أن هذا الحديث يتحدث عن الافتراق في صفوف الأمة، أي أن كل فرقاء هذا الافتراق هم في إطار أمة الإسلام أمة محمد r (أمتي)، فليس في هذه الفرق النيف والسبعين هالك، بمعنى الهلاك الذى يمثله الكفر والخروج من ملة الأمة الإسلامية.
ب) أن لهذا الحديث روايات أخرى منها رواية تقول: إن الهالكة من هذه الفرق النيف والسبعين واحدة والنجاة لكل الفرق الأخرى.
جـ) كما أن لكل من النجاة والهلاك تفسيرات أكثر قربا من المنطق المعقول، وذلك من مثل التفسير الذى أورده حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في كتابه: (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة)، والذى قال فيه: إن الفرقة الناجية هي التي ستدخل الجنة بغير حساب، بينما سائر الفرق الأخرى من الأمة الإسلامية ستدخل الجنة بعد أن تستوفي الحساب والجزاء.
أما الهلاك بمعنى التأبيد والخلود الأبدي في النار فلا يكون إلا للمكذبين بأصول الإيمان الخارجين عن إطار الأمة الإسلامية وإطار فرقها جميعا.
د) أن هذا الحديث تنبأ بافتراق الأمة إلى نيف وسبعين فرقة، وكما افترقت اليهود إلى نيف وسبعين فرقة، وكما افترقت النصارى إلى نيف وسبعين فرقة، وباستقراء الواقع التاريخي لفرق اليهودية والنصرانية والإسلام لا نجد لهذا العدد الذى ذكر في الحديث علاقة بالواقع الذى عليه الافتراق في أبناء هذه الديانات الثلاث. [تيارات الفكر الإسلامي، د/ محمد عمارة ص (٣٥١, ٣٥٥)]
هـ) وإذا كان هذا العدد هو منطق الدراية في التعامل مع هذا الحديث وأمثاله من المأثورات، فإن لمنطق الرواية مع هذا الحديث شأن يدعو الذين ينطلقون منه لاستخدام سلاح التكفير إلى مراجعة ما لديهم من تفسيرات خاطئة ومنحرفة في هذا المقام، خصوصا وأن هذا الحديث برواياته المختلفة، وأحيانا المخالفة مثل: «ستفترق أمتى إلى فرقتين» لم يرد في أي من: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، ولم تجر أي مروياته على شروط الصحة المعتبرة في الصحاح من كتب الحديث النبوي الشريف. [في فقه الحضارة الإسلامية، ص (١٥٤, ١٥٥)].
ومثل هذا الحديث الذي ساء فهمه عند هؤلاء: ما جاء مصرحا بلفظ الكفر وإطلاقه على بعض الأحوال، ومثال ذلك كثير في السنة.
فيجب على من يتصدى لإصدار أحكام التكفير للمخالف له في الرأي أو المذهب، أن يلزم نفسه بطلب العلم والفهم، لأنه كلما ازداد علما وفهما، ازداد إدراكا وسعة للآخر، وقبولا للمخالف، ورحمة لكل من حوله.
ولذلك قالوا: "التعلم قبل التكلم".
لظهور التكفير أسباب علمية أدت لانتشاره في المجتمعات الإسلامية، ومنها الخلل الذي يقع فيه المكفرون في فهم النصوص والأدلة الشرعية، ومن أبرز هذه الأسباب: التفسير الخاطئ للنصوص، وإسقاط فتاوى تاريخية على واقع مختلف دون فهم سياقاتها، والفهم القاصر لبعض الأحاديث كحديث: "الفرقة الناجية"، الذي استُعمل لتبرير تكفير المخالفين، وقد فسر العلماء هذا الحديث وأمثاله بطرق أكثر اتزانًا ورحمة، فلا بد من طلب العلم الصحيح، لأنه هو السبيل لضبط الفهم، وتجنب إطلاق أحكام التكفير بغير علم.