إن التوحيد شرفه عظيم عند الله تعالى، فمن أجله خلق الأكوان، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وهو سر الشرف في الدارين لعباد الله عز وجل، ومراد الله تعالى منهم، قال جل شأنه: {وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ} [الذاريات: ٥٦].
إن التوحيد شرفه عظيم عند الله تعالى، فمن أجله خلق الأكوان، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وهو سر الشرف في الدارين لعباد الله عز وجل، ومراد الله تعالى منهم، قال جل شأنه: {وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ} [الذاريات: ٥٦].
إن من مات على التوحيد أي على: "لا إله إلا الله"، استحق عند الله أمرين كما هو مقرر عند أهل السنة:
(الأول): النجاة من الخلود في النار، وإن دخلها لاقترافه شيئا من المعاصي، سواء منها ما يتعلق بحقوق الله تعالى كالزنا، وغيره، أو بحقوق العباد، وأنه سيخرج منها لا محالة، ما دام في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، أو حتى قال: "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، ولو بلسانه.
و(الثاني): دخول الجنة لا محالة، وإن تأخر دخوله، بسبب ذنوبه، فلم يدخلها مع السابقين
والدليل على هذا من القرآن الكريم قول الله تعالى: {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ كَانُواْ مُسۡلِمِينَ} [الحجر: ٢]
وروى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اجتمع أهلُ النارِ في النارِ ومعهم مَن شاء اللهُ من أهلِ القِبلةِ يقولُ الكفارُ: أَلَمْ تكونوا مسلمينَ ؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أَغْنَى عنكم إسلامُكم، و قد صِرْتُم معنا في النارِ ؟، قالوا: كانت لنا ذنوبٌ فأُخِذْنا بها، فيَسْمَعُ ما قالوا، فأَمَر بمَن كان من أهلِ القِبلةِ فأُخْرِجُوا، فلما رأى ذلك أهلُ النارِ قالوا: "يا لَيْتَنا كنا مسلمينَ فنخرجُ كما خَرَجُوا»، قال: و قرأ رسولُ اللهِ: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ * رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ}. [ذكره الطبري في (تفسيره) (١٤/٢)].
وروى حماد بن أبي سليمان قال: سألت إبراهيم النخعي عن هذه الآية؟ فقال: نزلت في الكفار يعيرون أهل التوحيد ويقولون: ما أغنى عنكم إيمانكم وأنتم معنا؟، فيغضب الله لهم، فيأمر الله النبيين والملائكة فيشفعون، فيخرج أهل التوحيد من النار، حتى إن إبليس يتطاول رجاء أن يخرج، ويتمنى الكافر أن لو كان مسلما في الدنيا، وقال مجاهد: إذا أخرج من النار من قال: "لا إله إلا الله"، فعند ذلك يقولون: "يا ليتنا كنا مسلمين". [(تفسير السمرقندي) (٢/٢٥١)].
فهذه بعض آراء المفسرين التي اعتمدت على مرويات السنة، تبين أن المسلم الموحد لن يخلد في النار، وإن دخلها.
وأما الأحاديث التي دلت على هذا المعنى دلالة عامة، فمنها أحاديث صحاح مشهورة في الصحيحين وغيرهما من دواوين السنة، منها:
١) عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عبد اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ منه، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ الله الْجَنَّةَ على ما كان من الْعَمَلِ». [متفق عليه].
٢) وعن أبى ذر رضي الله عنه، قال: أَتَيْتُ النبي صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ وهو نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وقد اسْتَيْقَظَ، فقال: «مَا مِنْ عَبْدٍ قال: "لَا إِلَهَ إلا الله" ثُمَّ مَاتَ على ذلك إلا دخل الْجَنَّةَ». قلت: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟!، قال: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ»، قلت: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟!، قال: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ»، قلت: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟!، قال: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ على رَغْمِ أَنْفِ أبي ذَرٍّ»، وكان أبو ذَرٍّ إذا حَدَّثَ بهذا قال: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أبي ذَرٍّ. [متفق عليه].
٣) وعن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يَخْرُجُ من النَّارِ من قال "لَا إِلَهَ إلا الله" وكان في قَلْبِهِ من الْخَيْرِ ما يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ من النَّارِ من قال "لَا إِلَهَ إلا الله" وكان في قَلْبِهِ من الْخَيْرِ ما يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يَخْرُجُ من النَّارِ من قال "لَا إِلَهَ إلا الله" وكان في قَلْبِهِ ما يَزِنُ من الْخَيْرِ ذَرَّةً». [متفق عليه].
٤) عن الصُّنَابِحِيِّ عن عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ رضي الله عنه، أَنَّهُ قال: دَخَلْتُ عليه وهو في الْمَوْتِ فَبَكَيْتُ فقال: مَهْلًا لِمَ تَبْكِي؟ فَوَ اللَّهِ لَئِنْ اسْتُشْهِدْتُ لَأَشْهَدَنَّ لك، وَلَئِنْ شُفِّعْتُ لَأَشْفَعَنَّ لك، وَلَئِنْ اسْتَطَعْتُ لَأَنْفَعَنَّكَ، ثُمَّ قال: والله ما من حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ من رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَكُمْ فيه خَيْرٌ إلا حَدَّثْتُكُمُوهُ إلا حَدِيثًا وَاحِدًا وَسَوْفَ أُحَدِّثُكُمُوهُ الْيَوْمَ وقد أُحِيطَ بِنَفْسِي، سمعت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «من شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إلا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رسول اللَّهِ حَرَّمَ الله عليه النَّارَ». [أخرجه مسلم في (صحيحه) (١/٥٧) حديث (٢٩)].
وغير هذا من الأحاديث الكثيرة، ودلالتها صريحة واضحة على أن كلمة الشهادة موجبة لدخول الجنة والنجاة من النار، والمراد بدخول الجنة: دخولها ولو في النهاية بعد استحقاق العذاب في النار زمنا ما.
إن عقيدة أهل السنة تقرر أن من مات على التوحيد، أي على شهادة: "لا إله إلا الله"، استحق الجنة، ولو ارتكب الكبائر، فإن دخل النار بسبب ذنوبه، فلن يخلد فيها، بل يُخرج منها برحمة الله وشفاعة الشافعين، وهذا أصل من أصول عقيدة أهل السنة، تدعمه نصوص القرآن وأحاديث كثيرة متواترة، وتبين أن النجاة مرتبطة بالإيمان، ولا يخلو العبد من المعصية، ولن يضيق عفو الله بعباده.