١- روي: أن حاطب
بن أبى بلتعة ارتكب خطيئة تشبه ما يسمى الآن: بــ(الخيانة العظمى)، حيث أراد نقل
أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم وتحركات جيشه إلى قريش قبيل فتح مكة، مع حرصه صلى
الله عليه وسلم على كتمان ذلك عنهم: عن عُبَيْدَ اللَّهِ بن أبي رَافِعٍ يقول:
سمعت عَلِيًّا رضي الله عنه يقول: بَعَثَنِي رسول اللَّهِ صلى
الله عليه وسلم أنا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ فقال:
«انْطَلِقُوا
حتى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فإن بها ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ فخذوه منها»، قال: فَانْطَلَقْنَا
تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حتى أَتَيْنَا الرَّوْضَةَ فإذا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ
قُلْنَا لها: أَخْرِجِي الْكِتَابَ، قالت: ما مَعِي كِتَابٌ، فَقُلْنَا:
لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أو لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، قال: فَأَخْرَجَتْهُ من
عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صلى
الله عليه وسلم فإذا فيه: من حَاطِبِ
بن أبي بَلْتَعَةَ إلى نَاسٍ بِمَكَّةَ من الْمُشْرِكِينَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ
أَمْرِ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقال رسول اللَّهِ صلى
الله عليه وسلم: «يا حَاطِبُ ما هذا؟»، قال: يا رَسُولَ
اللَّهِ لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ إني كنت امْرَأً مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ، ولم أَكُنْ
من أَنْفُسِهَا، وكان من مَعَكَ من الْمُهَاجِرِينَ من لهم قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ
أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذلك من النَّسَبِ
فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ قَرَابَتِي، ولم أَفْعَلْهُ
ارْتِدَادًا عن دِينِي ولا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فقال رسول
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَمَا إنه قد صَدَقَكُمْ»، فقال عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ
هذا الْمُنَافِقِ، فقال: «إنه قد شَهِدَ بَدْرًا، وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ
على من شَهِدَ بَدْرًا فقال: "اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ"»، فَأَنْزَلَ الله
السُّورَةَ: {يَٰٓأَيُّهَا
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ
إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ
يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ } الآية. [الممتحنة:١].
فخاطبه الله فيمن خاطب بعنوان الإيمان، في قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ}، وهو
خطاب يشملهم جمعيا وهو منهم، وجعل عدوه سبحانه وعدوهم واحدا مع قوله: {تُلۡقُونَ
إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ}.
٢- عن أبى هريرة رضي الله عنه، قال: أُتِى النبي صلى
الله عليه وسلم بِرَجُلٍ قد شَرِبَ، فقال: «اضْرِبُوهُ»، قال أبو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بيده، وَالضَّارِبُ
بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فلما انْصَرَفَ قال بَعْضُ الْقَوْمِ:
"أَخْزَاكَ الله"، قال «لَا تَقُولُوا هَكَذَا لَا تُعِينُوا عليه الشَّيْطَانَ». [أخرجه البخاري في (صحيحه) (٦/٢٤٨٨) حديث (٦٣٩٣)].
وفى:
(سنن أبى داود): «وَلَكِنْ
قُولُوا: اللهم اغْفِرْ له، اللهم ارْحَمْه». [أخرجه أبو داود في (سننه) (٤/١٦٣)
حديث (٤٤٧٨)].
وعن
عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا على عَهْدِ النبي صلى الله عليه وسلم كان اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ وكان
يُلَقَّبُ: حِمَارًا، وكان يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم،
وكان النبي قد جَلَدَهُ في الشَّرَابِ فأتى بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ،
فقال رَجُلٌ من الْقَوْمِ: "اللهم
الْعَنْهُ ما أَكْثَرَ ما يُؤْتَى
بِهِ"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَلْعَنُوهُ فَوَاللَّهِ ما عَلِمْتُ إلا أنه يُحِبُّ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ». [ أخرجه البخاري في (صحيحه) (٦/٢٤٨٩)
حديث (٦٣٩٨)]
فهذه هي النظرة المحمدية المتسامحة إلى شارب الخمر أم
الخبائث، فهو يأمر بضربه، ولكن لا يرضى بلعنه وطرده من رحمة الله، ولا إخراجه من
نطاق المؤمنين، بل يثبت الأخوة بينه وبينهم، وينهاهم أن يفتحوا ثغرة للشيطان إلى
قلبه إذا سبوه وأذلوه علانية، بل يأمرهم أن يدعوا له بالمغفرة والرحمة ويشعروه
بالأخوة والمحبة، والحرص على هدايته فعسى أن يرده ذلك عن غوايته، فما أحوجنا إلى
هذا المنهج النبوي الكريم؟!.
فهذا
مع إدمانه الشراب وإصراره عليه وإنكاره منه، حتى نقل ابن حجر في: (الفتح) عن ابن عبد البر:
أنه ضرب خمسين مرة، وينهى النبي صل الله عليه وسلم عن
لعنه ويقرر أنه يحب الله ورسوله.
يقول
الحافظ ابن حجر في بيان فوائد هذا الحديث في: (فتح الباري): وفيه: الرد على من زعم أن مرتكب الكبيرة كافر، لثبوت النهي عن
لعنه، والأمر بالدعاء له، وفيه: ألا تنافي بين ارتكاب النهي وثبوت محبة الله
ورسوله في قلب المرتكب، لأنه صلى
الله عليه وسلم أخبر بأن المذكور
يحب الله ورسوله مع وجود ما صدر منه، وأن من تكررت منه المعصية لا تنزع منه محبة الله
ورسوله، ويؤخذ منه تأكيد أن نفي الإيمان عن شارب الخمر لا يراد به زواله بالكلية
بل نفي كماله. ...إلخ [(فتح
الباري) (١٢/٧٨)].
٣- وقد جاء الحديث الصحيح، في أن ما عدا الشرك من
المعاصي موكل إلى المشيئة الإلهية، ففي حديث عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ
من أَصْحَابِهِ: «تَعَالَوْا بَايِعُونِي على أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ
شيئا ولا تَسْرِقُوا ولا تَزْنُوا ولا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ ولا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ
تَفْتَرُونَهُ بين أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ ولا تَعْصُونِي في مَعْرُوفٍ فَمَنْ
وفي مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ على اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ من ذلك شيئا فَعُوقِبَ بِهِ
في الدُّنْيَا فَهُوَ له كَفَّارَةٌ وَمَنْ أَصَابَ من ذلك شيئا فَسَتَرَهُ الله
فَأَمْرُهُ إلى اللَّهِ إن شَاءَ عَاقَبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عنه». قال: فَبَايَعْتُهُ
على ذلك. [أخرجه البخاري في (صحيحه)
(٣/١٤١٣) حديث ( ٣٦٧٩ )]
والحديث واضح الدلالة على أن ارتكاب
الموبقات التي اشتملت البيعة على اجتنابها لا يخرج صاحبها من الإسلام، ومن عوقب
عليها كانت العقوبة طهارة وكفارة له، وإلا فهو في المشيئة الإلهية، فإن عفا الله
عنه وغفر له فبكرمه، وإن عاقبه فبعدله.
قال المازني: فيه رد على الخوارج الذين
يكفرون بالذنوب، ورد على المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة،
لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه تحت المشيئة، ولم يقل : لابد أن يعذبه.
وقال
الطيبي: فيه الإشارة إلى الكف عن الشهادة بالنار على أحد، أو بالجنة لأحد، إلا من
ورد النص فيه بعينه. [(فتح الباري) (١/٦٨)].
٤- وكذلك من الشواهد قوله صلى الله عليه وسلم:
«إذا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا
فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ في النَّارِ». [متفق عليه من حديث الأحنف بن قيس].
وبهذا
الحديث استدل البخاري فيما استدل بأن المعاصي لا يكفر صاحبها، لأن الرسول صلى الله
عليه وسلم سماهما: "مسلمين"، مع ثبوت توعدهما بالنار.