Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

من ضوابط عدم تكفير للمسلم: لا يكفر المتأول للنصوص الشرعية بالقول أو الفعل

الكاتب

هيئة التحرير

من ضوابط عدم تكفير للمسلم: لا يكفر المتأول للنصوص الشرعية بالقول أو الفعل

هذا الضابط ذو صلة قوية بالضابط الأول، (عدم تكفير أحد من أهل القبلة ممن نطق بالشهادتين)، من حيث الهدف منه، إذ يمنع من تكفير من تبنى رأيا بناء على اجتهاد أو تأويل، وإن كان اجتهاده فاسدا.

أقوال العلماء في هذا الضابط

هو ضابط مختلف فيه، ويشرح القاضي عياض الموقف من هذا الضابط فيقول:

فهذا مما اختلف فيه السلف والخلف في تكفير قائله ومعتقده، وعلى اختلاف السلف اختلف الفقهاء والمتكلمون في ذلك، فمنهم من صوب التكفير الذي قال به السلف، ومنهم من أباه، ولم ير إخراجهم عن سواء المؤمنين، وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين. [(الشفا) للقاضي عياض (٢ / ٢٧٦)]  

والذي يجب الاحتراز عنه: التكفير لأهل التأويل، فإن استباحة دماء الموحدين خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر، أهون من سفك دم محجمة من مسلم واحد. [ذكره ابن حجر في (فتح الباري) (١٢/٣٠٠) وعزاه للغزالي في: (التفرقة بين الإيمان والزندقة)].

قال الإمام الغزالي رحمه الله: "ولا يلزم كفر المؤولين ما داموا يلازمون قانون التأويل، وكيف يلزم الكفر المؤولين وما من فريق من أهل الإسلام إلا وهو مضطر إليه، فأبعد الناس عن التأويل أحمد بن حنبل رحمه الله مضطر إليه وقائل به، فقد سمعت الثقات من أئمة الحنابلة ببغداد يقولون: إن أحمد بن حنبل صرح بتأويل ثلاثة أحاديث فقط:

(أحدها): قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَمِينُ اللهِ فِي الأَرْضِ». [أخبار مكة (١ / ٣٢٥)].

حيث قام البرهان عنده على استحالة ظاهره، فيقول: اليمين تقبل في العادة تقربا إلى صاحبها، والحجر الأسود يقبل أيضا تقربا إلى الله تعالى.

(الحديث الثاني): «قَلْبُ الْمُؤمِنِ بَينَ إِصْبَعَينِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ». [أخرجه بنحوه مسلم في (صحيحه) حديث (٢٦٥٤)] فاستحال عنده وجود الإصبعين لله تعالى حسا، فتأوله على روح الإصبعين، وهي الإصبع العقلية الروحانية بما به يتيسر تقليب الأشياء، وقلب الإنسان بين لمة الملك ولمة الشيطان، وبها يقلب الله تعالى القلوب، فكنى بالأصبعين عنها.

(الثالث): «إنِّي لَأَجِدُ رِيحَ نَفَسِ الرحمن من قِبَلِ الْيَمَنِ». [أخرجه الطبراني في: (مسند الشاميين) (٢/١٤٩) حديث (١٠٨٣) من حديث أبي هريرة].

قال الغزالي: كيفما كان لا ينبغي أن يكفر كل فريق خصمه، بأن يراه غالطا في البرهان، نعم يجوز أن يسميه: ضالا، أو مبتدعا. [(اللمع في تجلية البدع) (٩٤–٩٥)].  

وأكثر ما يظهر حاليا من اختلاف حول أنواع التأويل، هو ما تشنه بعض الفرق الذين يذهبون إلى تضليل أهل السنة من الأشاعرة والماتريدية، وذلك لتأويلهم بعض النصوص الواردة في بعض الصفات.

وإن من أكبر المصائب أن يتسلط الجهال على العلماء، يترصدون أقوالهم الاجتهادية ليكفروهم بها.

شواهد هذا الضابط من السنة

[١] ما ذكر من فعل أسامة بن زيد رضى الله عنهما، وقتله للرجل الذي قال: "لا إله إلا الله"، فقد كان متأولا، وقد أخطأ في تأويله، فلم يكفره رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك.

[٢] عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: "بعث النبي صلى الله عليه وسلم خَالِدَ بن الْوَلِيدِ رضي الله عنه إلى بَنِي جَذِيمَةَ فَدَعَاهُمْ إلى الْإِسْلَامِ فلم يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: "أَسْلَمْنَا"، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: "صَبَأْنَا، صَبَأْنَا"، فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ منهم وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إلى كل رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، حتى إذا كان يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، فقلت: والله لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي، ولا يَقْتُلُ رَجُلٌ من أَصْحَابِي أَسِيرَهُ، حتى قَدِمْنَا على النبي صلى الله عليه وسلم فَذَكَرْنَاهُ، فَرَفَعَ النبي صلى الله عليه وسلم يديه فقال: «اللهم إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ». مَرَّتَيْنِ". [أخرجه البخاري في (صحيحه) (٤ / ١٥٧٧) حديث (٤٠٨٤)].

فهذا صريح في أن خالد بن الوليد رضي الله عنه تأول فأخطأ، فلم يكفره رسول الله صلى الله عليه وسلم بفعلته هذه، مع أنها من أكبر الكبائر، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن قتل المسلمين.

وفيه: تأول ابن عمر رضى الله عنهما فأصاب فيه، فكف يده عن أسيره، وأمر غيره من أصحابه بذلك فلم يقتلوهم، وذلك صريح من ظاهر النص.

شواهد من أحوال السلف

١) حادثة خالد بن الوليد في عهد أبى بكر الصديق رضي الله عنه: عن أبى عوان وغيره، "أن خالد بن الوليد ادعى أن مالك بن نويرة ارتد بكلام بلغه عنه، فأنكر مالك ذلك وقال: أنا على الإسلام ما غيرت ولا بدلت، وشهد له أبو قتادة وعبد الله بن عمر رضى الله عنهم،  فقدمه خالد وأمر ضرار بن الأزور الأسدي فضرب عنقه، وقبض خالد امرأته أم متمم فتزوجها، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فقال لأبى بكر رضي الله عنه: إنه قد زنى فارجمه، فقال أبو بكر: ما كنت لأرجمه تأول فأخطأ، قال: فإنه قد قتل مسلما فاقتله، قال: ما كنت لأقتله تأول فأخطأ، قال: فاعزله، قال: ما كنت لأشيم [أغمد] سيفا سله الله عليهم أبدا". [ذكره الهندي في:(كنز العمال) (٥/٢٤٧) حديث (١٤٠٩١)، وعزاه لابن سعد، وينظر: (حياة الصحابة) (٢/٤١٣)].

والنص صريح لا يحتاج إلى أدنى تأويل، بما يثبت أنه لا يكفر المسلم بتأوله حتى وإن أخطأ فيه.

٢) عدم تكفير الصحابة ومن بعدهم للخوارج الذين هم أكثر من تأول النصوص واستحلوا المحرمات القطعية، وهو قتل المسلمين، وذلك بتأويل منهم، ومع ذلك لم يكفرهم المسلمون حتى إن عليا رضي الله عنه الذي قاتلهم لبغيهم لم يحكم عليهم بالكفر، ولهذا لم يعاملهم معاملة الكفار أو المرتدين المحاربين إنما دفع بغيهم.

٣) عدم تكفير مانعي الزكاة باعتبارهم من المتأولين في موقفهم، وإنما سموا مرتدين لغة وتغليبا للمرتدين حقيقة لاشتراكهم في بعض ما منعوه. [(ظاهرة التكفير في الأدبيات الفقهية) ص(٣,  ٤)].

من أقوال العلماء

يقول الإمام الشوكاني رحمه الله:

إن هذه النصوص والمواقف تؤكد الحرص على حماية المجتهد وحق المخالف، حتى ولو جنح في رأيه بعيدا ضمن ما أطلقوا عليه التأويل، لكنا لا نجد حدودا لهذا التأويل، فبينما يرى البعض أنه لا يجرى إلا على غير قطعي الدلالة نجد من الفرق الإسلامية من تأول النصوص القطعية الدلالة، والموقف من تكفيرها هو موضوع النصوص والمواقف التي سبق ذكرها، مما يدل على أن ظروف نشأة هذا الضابط تدل على أنه كان مساهمة في الحد من انتشار فتنة التكفير، وهو ذو أهمية كبيرة من حيث تعويله على المنهج في تبني الآراء، لا على الآراء نفسها، لذا فهو جدير بالاهتمام والبحث. [(السيل الجرار) للشوكاني (٤/٣٧٣)].

الخلاصة

إن ضابط: (عدم تكفير المتأول)، يعد ضابطًا مهمًا في مسألة التكفير، وهو عدم تكفير المسلم المتأوّل الذي اجتهد فأخطأ، ما دام تأويله له وجه معتبر، وهذا ما أقره كبار العلماء، كالغزالي والقاضي عياض، والشوكاني، الذين أكدوا أن الخطأ في التأويل لا يُعد كفرًا، ويؤيد ذلك مواقف النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في السيرة والتاريخ الإسلامي، مثل موقف النبي صلى الله عليه وسلم من خالد بن الوليد وأسامة بن زيد، وموقف الصحابة من الخوارج، وغير ذلك.