هو ضابط مختلف فيه، ويشرح القاضي عياض الموقف من
هذا الضابط فيقول:
فهذا مما اختلف فيه السلف والخلف في تكفير قائله ومعتقده،
وعلى اختلاف السلف اختلف الفقهاء والمتكلمون في ذلك، فمنهم من صوب التكفير الذي
قال به السلف، ومنهم من أباه، ولم ير إخراجهم عن سواء المؤمنين، وهو قول أكثر
الفقهاء والمتكلمين. [(الشفا) للقاضي عياض (٢ / ٢٧٦)]
والذي يجب الاحتراز عنه: التكفير لأهل التأويل،
فإن استباحة دماء الموحدين خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر، أهون من سفك دم محجمة من
مسلم واحد. [ذكره ابن حجر في (فتح
الباري) (١٢/٣٠٠) وعزاه للغزالي في: (التفرقة بين الإيمان والزندقة)].
قال الإمام الغزالي رحمه الله:
"ولا يلزم كفر المؤولين ما داموا يلازمون قانون التأويل، وكيف يلزم الكفر
المؤولين وما من فريق من أهل الإسلام إلا وهو مضطر إليه، فأبعد الناس عن التأويل
أحمد بن حنبل رحمه الله مضطر إليه وقائل به، فقد سمعت الثقات من أئمة الحنابلة
ببغداد يقولون: إن أحمد بن حنبل صرح بتأويل ثلاثة أحاديث فقط:
(أحدها):
قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْحَجَرُ
الْأَسْوَدُ يَمِينُ اللهِ فِي الأَرْضِ». [أخبار مكة (١ / ٣٢٥)].
حيث
قام البرهان عنده على استحالة ظاهره، فيقول: اليمين تقبل في العادة تقربا إلى
صاحبها، والحجر الأسود يقبل أيضا تقربا إلى الله تعالى.
(الحديث
الثاني): «قَلْبُ الْمُؤمِنِ بَينَ إِصْبَعَينِ
مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ». [أخرجه بنحوه مسلم في (صحيحه) حديث
(٢٦٥٤)] فاستحال عنده وجود الإصبعين لله تعالى حسا، فتأوله
على روح الإصبعين، وهي الإصبع العقلية الروحانية بما به يتيسر تقليب الأشياء، وقلب
الإنسان بين لمة الملك ولمة الشيطان، وبها يقلب الله تعالى القلوب، فكنى بالأصبعين
عنها.
(الثالث):
«إنِّي لَأَجِدُ
رِيحَ نَفَسِ الرحمن من قِبَلِ الْيَمَنِ». [أخرجه الطبراني في:
(مسند الشاميين) (٢/١٤٩) حديث (١٠٨٣) من حديث أبي هريرة].
قال
الغزالي: كيفما كان لا ينبغي أن يكفر كل فريق خصمه، بأن يراه غالطا في البرهان،
نعم يجوز أن يسميه: ضالا، أو مبتدعا. [(اللمع في تجلية البدع)
(٩٤–٩٥)].
وأكثر ما يظهر حاليا من اختلاف حول أنواع التأويل، هو ما
تشنه بعض الفرق الذين يذهبون إلى تضليل أهل السنة من الأشاعرة والماتريدية، وذلك
لتأويلهم بعض النصوص الواردة في بعض الصفات.
وإن من أكبر المصائب أن يتسلط الجهال على العلماء، يترصدون
أقوالهم الاجتهادية ليكفروهم بها.