قضية أطفال الشوارع ليست مجرد قضية اجتماعية عابرة، بل هي انتهاك صارخ لمبادئ وقيم ديننا الحنيف، فالإسلام دين الرحمة والعدل، أعطى عناية فائقة للأطفال، مما يوضح أن ظاهرة أطفال الشوارع تناقضًا صريحًا مع مقاصد الشريعة في حفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ المال، وحفظ العقل، وترشدنا الآيات والأحاديث على الواجبات الدينية والإنسانية نحو كل أبناء مجتمعاتنا، فهي إن لم تنص صراحة على أطفال الشوارع إلا أنها جاء فيه وصايا وأوامر بالإحسان إلى فئات مشابهه لها، ومنها على سيبيل المثال:
• الترغيب في رعاية اليتيم والمسكين: يشدد القرآن الكريم على رعاية اليتيم، ويوسع مفهومه ليشمل كل طفل محروم من الرعاية، فقد والديه أو فقد الحماية الأسرية:
o " {فَأَمَّا ٱلۡيَتِيمَ فَلَا تَقۡهَرۡ * وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنۡهَرۡ} [الضحى: ٩-١٠] ، فهذا التوجيه الرباني للجناب النبوي - صلى الله عليه وسلم - يرشدنا إلى تحريم قهر اليتيم وإذلال السائل، وهؤلاء الأطفال هم في قمة الحاجة لهذه المعاملة القرآنية.
o {وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا ٨ إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا } [الإنسان: ٨-٩] ، وتوضح الآية الكريمة فضل الإطعام والتكفل بمن فقد من يرعاه أو وقع ضحية ظروف خاصة جعلته بحاجة للمساعدة.
• التعاون على البر والتقوى: تدعونا الشريعة إلى التكافل الاجتماعي والتراحم:
o {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ} [المائدة: ٢] ، فلو عممنا الأمر الإلهي بالتعاون على الخير والبر والتقوى ، لوجدنا أن رعاية أطفال الشوارع هي من أعمال البر والتقوى.
من السنة النبوية الشريفة:
وكما جاءت الآيات الإلهية بأوامر ربانية، جاءت السنة النبوية بمثلها تأكيدًا لها وحثًا على العمل بها، ومنها أحاديث كثيرة تؤكد على الأجر العظيم لكافل اليتيم، وهذا المفهوم يشمل كل من يرعى طفلًا بلا مأوى:
o عَنْ سَهْلٍ -رضي الله عنه- قَالَ رَسُولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم - : «وَأَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» [صحيح البخاري (٥٣٠٤) - ط السلطانية ٧/٥٣] ،هذا الحديث يحفزنا على كفالة كل طفل محتاج.
o عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رضي الله عنه - ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ أَوْ يَتِيمَةٍ لَمْ يَمْسَحْهُ إِلَّا لِلَّهِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ مَرَّتْ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَاتٌ، وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَى يَتِيمَةٍ أَوْ يَتِيمٍ عِنْدَهُ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ وَقَرَنَ بَيْنَ إِصْبُعَيْهِ» [مسند أحمد (٢٢٢٨٤) - ط الرسالة ٣٦/٦١٤ ] ، فعموم توجيه الخطاب الصادر من الجناب النبوي - صلى الله عليه وآله وسلم – يشمل المجتمع بأكمله ووجوب العطف على هؤلاء الأطفال.
o عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ- صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ،...» [صحيح البخاري (٧١٣٨) - ط السلطانية ٩/٦٢]، هذا الحديث يؤكد على مسؤولية ولي الأمر عن الرعية، وهذه المسؤولية تشمل كل فرد من رعيته، وهؤلاء الأطفال هم جزء من هذه الرعية
الرؤية الفقهية لظاهرة أطفال الشوارع:
الباحث في الأحكام الفقهية يجد أنها أوجدت الحلول الشرعية للظاهرة من الناحيتين البشرية المتمثلة في فقد الراعي، والناحية المالية في الحاجة الى النفقة، وذلك على النحو التالي:
҉ وجوب النفقة والكفالة: أجمع الفقهاء على وجوب النفقة على المحتاجين، وهذا يشمل الأطفال الذين لا عائل لهم، إذا لم يوجد من ينفق عليهم من الأقارب، وتنتقل المسؤولية إلى بيت مال المسلمين (الدولة)، وإلى الأغنياء من المسلمين عمومًا.
҉ الولاية على الأطفال: أكد الفقهاء على ضرورة وجود ولي شرعي على الأطفال، وإذا فقد الطفل وليه، فإن الولاية تنتقل إلى القاضي، ثم مؤسسات إلى المجتمع.
҉ دور الوقف الإسلامي: لعبت الأوقاف الإسلامية دورًا تاريخيًا كبيرًا في رعاية الأيتام، وتوفير المأوى والطعام والتعليم لهم، وهي نموذج يحتذى به في معالجة هذه الظواهر.