ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد (١١٢٦-١١٩٨ م)، كان عالمًا موسوعيًّا وفيلسوفًا وفقيهًا لامعًا من قرطبة، عاش في أوج ازدهار الحضارة الأندلسية، وأسهم بشكل كبير في مجالات الطب والفلك والرياضيات والفلسفة.
ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد (١١٢٦-١١٩٨ م)، كان عالمًا موسوعيًّا وفيلسوفًا وفقيهًا لامعًا من قرطبة، عاش في أوج ازدهار الحضارة الأندلسية، وأسهم بشكل كبير في مجالات الطب والفلك والرياضيات والفلسفة.
ابن رشد (٥٢٠- ٥٩٥ هـ / ١١٢٦- ١١٩٨م)
محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد أبو الوليد بن رشد عالم موسوعي بالطب والفلك والرياضيات، وفيلسوف منطقي فقيه ولد بمدينة قرطبة وعاش وتعلم بها في عصر ازدهار حضاري، تألقت فيه العلوم والآداب بالأندلس منذ مطلع النصف الثاني للقرن الرابع الهجري العاشر الميلادي، ففي هذا القرن بدأت أوروبا تتجه إلى معرفة الحركة العلمية في العالم الإسلامي، وتطل عبرها على الحضارة اليونانية.
أخذ ابن رشد الطب على يد أبي جعفر بن هارون الترجالي، وارتبط بصداقة قوية مع معاصره الطبيب العالم عبد الملك بن مروان بن زهر، وقد نال ابن رشد مكانة مرموقة لدى الموحدين حكام مدينة إشبيلية الأندلسية، وقضى فترة من الزمن في بلاطاتهم، ثم سافر إلى مدينة مراكش، وصار طبيبًا خاصًّا لسلطان الموحدين، وصديقًا يترجم له ويشرح مؤلفات أرسطو، وأفلاطون، وقاضيًا للقضاة في الأندلس والمغرب الأقصى إلى أن توفي بمدينة مراكش، بعد حياة حافلة بالوجاهة العلمية، والإنتاج الفكري والعلمي، بلغ فيهما الذروة والشهرة في الأوساط العلمية الأوروبية الوليدة، وقد تعرض ابن رشد لمحنة قاسية في حياته، حين هاجمه فقهاء الأندلس قبيل معركة الزلاقة الشهيرة، بسبب أفكاره الفلسفية، واضطر السلطان، وكان له صديقًا ومتفهمًا لدوره العلمي إلى إبعاده مؤقتًا عن مدينة قرطبة، إلى أن انتهى من معركة الزلاقة، ثم دعاه إليه، واعتذر له، واسترضاه وصحبه معه إلى مدينة مراكش، فعاش بها بقية عمره.
وقد ترجمت معظم آثار ابن رشد وكتبه في الطب والفلسفة إلى اللغتين اللاتينية والعبرية، أكثر من خمسين مرة، وتكونت في أوروبا مدرسة فلسفية أطلق عليها: "الرشدية".
وحوكمت أفكار ابن رشد الفلسفية، بعد نحو من مائتي عام من رجال الكنيسة، وأعدم من علماء جامعة "بادوا" الإيطالية خمسة عشر عالمًا أبوا أن يعلنوا تخليهم عن أفكار ابن رشد، ولم يشغل العقل الأوروبي بأرسطو كما شغل بابن رشد، فكان تأثير ابن رشد أعظم في العقل الأوروبي من تأثير أرسطو، بل إن أثر أرسطو في العقل الأوروبي كان معظمه ناتجًا من شروح ابن رشد على كتب أرسطو.
ولابن رشد إنجازات وإبداعات علمية تتمثل في:
أنه من الأوائل- إن لم يكن الأول- الذين كتبوا عن كسوف الشمس، وشاهده الناس بعد رصده له.
وأنه عرف بالحساب الفلكي وقت عبور كوكب عطارد على قرص الشمس، وقد شوهدت بقعة سوداء على قرص الشمس في الوقت الذي حدده ابن رشد، وهي معرفة لا يقدر عليها أحد إلا إذا كان من كبار الفلكيين في العصر الحديث.
وقد قال ابن رشد في كتابه الطبي "الكليات" بالمناعة عندما ذكر أن الجدري لا يصيب الفرد أكثر من مرة واحدة؛ لأن من أصيب بالجدري يكتسب مناعة ضد الجدري من الإصابة الأولى.
وقد أبدع ابن رشد صورة للعين وفي وسطها الطبقة الجليدية، وصورة أخرى لها يظهر فيها العصب البصري الواصل إلى الدماغ.
كما أبدع ابن رشد صورًا للرئة، والصدر، والمثانة، والطحال، وكل هذه المقولات الطبية تعد علميًّا من أوائل ابن رشد العلمية.
وأدرك ابن رشد وظيفة الشبكية في العين، ودورها في عملية الإبصار.
وقد بحث ابن رشد في الحركة، وقال: إنها خالدة، وإن لكل حركة سببًا، وإنه لا زمن بلا حركة، وإننا لا يمكن أن نتصور أن للحركة بداية ونهاية.
ولقد اعتمد ابن رشد على العقل في توضيح أفكاره وآرائه، واتخذ المنهج العلمي هاديًا له في البحث العلمي، وفي بحوثه الماورائية، فالحقيقة لا تدرك إلا بالوسائل البشرية والوسائل الطبيعية، وكلما ابتعد الإنسان عن هذا الطريق، كانت النتيجة الحاصلة مثل ما يقع في الحياة البيولوجية، حينما يبتعد الإنسان عن القوانين الطبيعية، وقد فتح ابن رشد بذلك المجال أمام تطور العلم الحديث، وقد ألبس ابن رشد بهذا الطريق للمعرفة لباسًا جديدًا، وأضفى عليه صفات الكمال والاستقلال العقليين، ونهج التجربة والاختبار العلميين.
وله مؤلفات في الطب هي الكليات في الطب، وهو من أشهر مؤلفاته التي عرفت في الغرب باسمها العربي، ويتألف هذا الكتاب من كتب سبعة تبحث في علم التشريح الذي قال عنه في هذا الكتاب: "من اشتغل بعلم التشريح ازداد إيمانًا بالله"، وقد انتقد ابن رشد في كتابه كلام جالينوس عالم الطب اليوناني، وبخاصة ما قاله عن آلية التنفس، كما بحث في الصحة، ومنافع الأعضاء وأشكالها، وفي المرض وعلاماته، والأدوية والأغذية، وتناولت هذه الأبحاث سبل حفظ الصحة وشفاء الأمراض، وقد ألف ابن رشد هذا الكتاب ليكون كما قال كالمدخل لمن أحب أن يتقصى أجزاء هذه الصناعة، وكالتذكرة أيضًا لمن نظر في هذه الصناعة، وقد ترجم هذا الكتاب إلى اللغة اللاتينية سنة ١٢٥٥م في مدينة بادوا الإيطالية، وبعدها توالت ترجماته باللاتينية.
وله مراجعات ومباحث بين أبي بكر بن الطفيل وابن رشد في رسمه للدواء في كتابه الموسوم بالكليات".
وله: "في الطب أيضًا: "الأرجوزة، وقد نسج فيها على منوال أرجوزة ابن سينا في الطب.
وله: "شرح على أرجوزة ابن سينا في الطب، وقد وضع ابن رشد هذا الشرح تلبية لطلب أمير من أمراء الموحدين.
وله: "مقالة في حميات العفن، ومسألة وقعت في نوائب الحمى، ومقالة في الحميات، ومقالة فى الترياق، ومقالة في المزاج المعتدل، وقوانين الأدوية المسهلة، وكتاب في الحيوان. وله رسالة عن الاسطقسات"، أي العناصر. وله تلخيصات لكتب ورسائل ومقالات جالينوس، وله في الفلك مقالة في حركة الأفلاك"، وله في الفلسفة والدين كتب أخرى.
كان ابن رشد شخصية محورية في الفكر الإسلامي والأوروبي، حيث أثرت شروحاته لأعمال أرسطو بشكل عميق على العقل الأوروبي، ونالت أفكاره الفلسفية اهتمامًا كبيرًا أدى إلى نشأة "المدرسة الرشدية"، تميز بإنجازات علمية رائدة كأول من رصد كسوف الشمس وعبور عطارد فلكيًّا، وسبق عصره في فهم المناعة، ووظيفة الشبكية في العين، مؤكدًا على المنهج العقلي والتجريبي في البحث العلمي.