جامع زغلول الأثري برشيد
حين تلتقي روعة المعمار بملحمة النضال
في جنوب مدينة رشيد، حيث تتعانق الأمواج برائحة التاريخ، وتتناثر الحكايات بين أزقة المدينة العتيقة، يقف جامع زغلول الأثري شاهدًا على عبقرية البناء وقوة الإرادة. ليس جامع زغلول مجرد مكان للعبادة، بل هو وثيقة حجرية تحكي قصة شعب، ومتحف مفتوح يحفظ في جدرانه مشاهد من التاريخ السياسي والديني والمعماري لمصر عبر العصور.
تعود البدايات الأولى لبناء المسجد إلى عام ٩٩٥ هـ / ١٥٨٧م، حين أسس السيد نصر الدين زغلول الجزء الجنوبي منه في العصر المملوكي. ولكن حكاية الجامع تمتد لأبعد من ذلك، عبر ثلاث مراحل معمارية متعاقبة: أولها في العصر المملوكي المبكر (نحو ٧٧٥ هـ / ١٣٧٣م) على يد شخصية يُعتقد أنها فيروز الصلاحي، تلاها توسع مهم في عام ١٥٤٩م على يد علي زغلول، ثم المرحلة الأخيرة في القرن السابع عشر حين أضاف محيي الدين عبد القادر القسم الشرقي والمئذنة الشرقية.
ويمتد المسجد على مساحة تبلغ ٥٣٠٠ متر مربع تقريبًا، ليكون أكبر مسجد في رشيد. يتكون من ٢٤٤ عمودًا من الرخام والجرانيت، وهي دعامات ضخمة تشبه في ترتيبها وتصميمها جامع الأزهر الشريف، وتعلوها قباب صغيرة عثمانية الطراز، تتوزع بانسجام يُدخل المصلّي في خشوع مهيب.

أما محرابه الفريد ومنبره الخشبي المزخرف، إلى جانب أربع محاريب فرعية تمثل مراحل تاريخية مختلفة، فهي معالم تحوّل الصلاة داخله إلى رحلة عبر الزمن. وعلى جانبيه مئذنتان؛ إحداهما شرقية مكتملة، والأخرى غربية لم تكتمل بفعل قصف قوات حملة فريزر الإنجليزية سنة ١٨٠٧م، بعد أن انطلقت منها شرارة المقاومة بقيادة الشيخ حسن كريت، حيث صُدحت التكبيرات "الله أكبر" لتدوّي في أرجاء المدينة، وبدأ الهجوم الذي سطر ملحمة بطولية انتهت بهزيمة الإنجليز.
ورغم تعرّضه للإهمال لفترات، فقد بدأت عمليات الترميم الكبرى في ٢٠٠٥م، وتم الانتهاء من ترميم الجزء الغربي عام ٢٠١٧م، وافتُتح للمصلين خلال رمضان ٢٠١٨م، بينما يُستخدم الجزء الشرقي حاليًا جزئيًا ريثما تُستأنف أعمال الترميم.
جامع زغلول ليس فقط تحفة معمارية مملوكية عثمانية، بل هو رمز حيّ لمقاومة المحتل، ومنارة وطنية تُذكّر الأجيال ببطولات الأجداد. فلا تكتمل زيارتك لمدينة رشيد دون المرور بظلاله، والتأمل في تفاصيله.
فيا محب التاريخ والعبق الإسلامي، اقصد جامع زغلول، تجد في أركانه عبير الماضي، وفي أعمدته شموخ الوطن، وفي قبابه هدوء الإيمان؛ هناك حيث تُعانق المئذنة السماء، وتُروى ملحمة الشهداء، وتهفو الأرواح إلى الصفاء والنقاء. فلا تفوّت اللقاء، ففي رشيد... الجامع يدعوك بالدعاء!