وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
ينبغي أن نعلم أن زيارة القبور في العموم مستحبة كما ورد في السنة المطهرة، ونٓقل هذا كثير من العلماء، فقال ابن قدامة: ويستحب للرجال زيارة القبور؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ [الكافي: ١/٣٧٦].
وعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُرِيدُ قُبُورَ الشُّهَدَاءِ حَتَّى إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى حَرَّةِ وَاقِمٍ فَلَمَّا تَدَلَّيْنَا مِنْهَا فَإِذَا قُبُورٌ بِمَحْنِيَّةٍ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَقُبُورُ إِخْوَانِنَا هَذِهِ؟ قَالَ: «قُبُورُ أَصْحَابِنَا» فَلَمَّا جِئْنَا قُبُورَ الشُّهَدَاءِ قَالَ: «هَذِهِ قُبُورُ إِخْوَانِنَا» [أبو داود: ٢٠٤٣].
عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قَالَ: قٓالٓ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فَقَدْ أُذِنَ لِمُحَمَّدٍ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّهِ، فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ» [الترمذي: ١٠٥٤].
وقال الإمام المحدث الفقيه ابن الحاج العبدري الفاسي: "وَيَنْبَغِي لَهُ - أي لطالب العلم - أَنْ لَا يُخَلِّيَ نَفْسَهُ مِنْ زِيَارَةِ الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ؛ الَّذِينَ بِرُؤْيَتِهِم يُحْيِي اللهُ الْقُلُوبَ المَيِّتَةَ كَمَا يُحْيِي الْأَرْضَ بِوَابِلِ المَطَرِ، فَتَنْشَرِحُ بِهِمُ الصُّدُورُ الصُّلْبَةُ، وَتَهُونُ بِرُؤْيَتِهِمُ الْأُمُورُ الصَّعْبَةُ؛ إِذْ هُمْ وُقُوفٌ عَلَى بَابِ الْكَرِيمِ المَنَّانِ فَلَا يُرَدُّ قَاصِدُهُمْ، وَلَا يَخِيبُ مُجَالِسُهُمْ، وَلَا مَعَارِفُهُمْ، وَلَا مُحِبُّهُم؛ إِذْ هُمْ بَابُ اللهِ المَفْتُوحُ لِعِبَادِهِ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَتَتَعَيَّنُ المَبَادَرَةُ إِلَى رُؤْيَتِهِمْ، وَاغْتِنَامِ بَرَكَتِهِمْ؛ وَلَأَنه بِرُؤْيةِ بَعْضِ هَؤُلَاءِ يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْفَهْمِ، وَالْحِفْظِ، وَغَيْرِهِمَا مَا قَدْ يَعْجِزُ الْوَاصِفُ عَنْ وَصْفِهِ، وَلِأَجْلِ هَذَا المَعْنَى تَرَى كَثِيرًا مِمَّنْ اتَّصَفَ بِمَا ذُكِرَ لَهُ الْبَرَكَةُ الْعَظِيمَةُ فِي عِلْمِهِ، وَفِي حَالِهِ، فَلَا يُخَلِّي نَفْسَهُ مِنْ هَذَا الْخَيْرِ الْعَظِيمِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُحَافِظًا عَلَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ" [المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات، والتنبيه على بعض البدع والعوائد التي انتحلت وبيان شناعتها وقبحها: ٢/١٣٩].
وقال في موضع آخر: "وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ وَعُلِمَ مَا لِلَّهِ تَعَالَى بِهِمْ مِنْ الْاعْتِنَاءِ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ مَشْهُورٌ، وَمَا زَالَ النَّاسُ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَالْأَكَابِرِ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ مَشْرِقًا وَمَغْرِبًا يَتَبَرَّكُونَ بِزِيَارَةِ قُبُورِهِمْ وَيَجِدُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ حِسًّا وَمَعْنًى، وتَحَقَّقَ لِذَوِي الْبَصَائِرِ وَالْاعْتِبَارِ: أَنَّ زِيَارَةَ قُبُورِ الصَّالِحِينَ مَحْبُوبَةٌ؛ لِأَجْلِ التَّبَرُّكِ مَعَ الْاعْتِبَارِ، فَإِنَّ بَرَكَةَ الصَّالِحِينَ جَارِيَةٌ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ كَمَا كَانَتْ فِي حَيَاتِهِمْ، وَالدُّعَاءُ عِنْدَ قُبُورِ الصَّالِحِينَ وَالتَّشَفُّعُ بِهِمْ مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ" [المرجع السابق: ١/ ٢٥٥].
هذا ولزيارة قبور آل البيت والأولياء فضيلة عظيمة؛ فإن المتوفى يرد السلام على من يزوره ويسلم عليه، ورد السلام دعاء؛ فقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُرُّ عَلَى قَبْرِ أَخِيهِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا رَدَّ اللهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»، وفي رواية: «إِذَا مَرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرٍ يَعْرِفُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ وَعَرَفَهُ، وَإِذَا مَرَّ بِقَبْرٍ لَا يَعْرِفُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» [رواه ابن أبي الدنيا في "القبور"، والصابوني في "المائتين" والبيهقي في "شعب الإيمان"، وابن عبد البر في "الاستذكار" و"التمهيد"، والخطيب في "تاريخ بغداد"، وصححه ابن عبد البر وعبد الحق الإشبيلي في "أحكامه" والعراقي في "تخريج الإحياء"، والمناوي].
وقبور آل البيت والصالحين مواضع مباركة يُستَجاب عندها الدعاء؛ فإن قبور أهل الجنة روضات من رياض الجنة؛ إذ يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الْقَبْرُ إِمَّا رَوْضَةٌ مِن رِيَاضِ الْجنَّةِ، أَو حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النَّارِ» أخرجه الترمذي في "السنن" من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، والطبراني في "المعجم الأوسط" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وابن أبي الدنيا في "القبور" والبيهقي في "إثبات عذاب القبر" من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
وروى الحافظ أبو موسى المَدِيني عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه قال: "قبورُ العِبَادِ مِن أهل السُّنَّة روضةٌ مِن رياض الجنة". اهـ [اللطائف من علوم المعارف: ٣٠٦].
فقبور آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم تتنزل عليها البركة والصلاة من الله تعالى في كل آنٍ؛ فإنه لا يخلو زمان من عبدٍ يُصلي داعيًا في صلاته بحصول الصلاة والبركة على سيدنا محمد وآل سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما في الصلاة الإبراهيمية، وهذا يقتضي تجدد الصلوات والبركات والرحمات على أضرحتهم وقبورهم في كل لحظة وحين؛ فهم موضع نظر الله تعالى، ومَن نالهم بسوء أو أذًى فقد تعرض لحرب الله عز وجل، كما جاء في الحديث القدسي: «مَن عادى لي وَلِيًّا فقد آذَنتُهُ بالحَربِ» رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
قال الشوكاني في "فصل فِي أَمَاكِن الْإِجَابَة وَهِي الْمَوَاضِع المُبَارَكَة: (قوله: وهي المواضع المباركة) أقول: وجه ذلك أنه يكون في هذه المواضع المباركة مزيد اختصاص؛ فقد يكون ما لها من الشرف والبركة مقتضيًا لعود بركتها على الداعي فيها وفضل الله واسع وعطاؤه جمٌّ وقد تقدم حديث: «هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ»؛ فجعل جليس أولئك القوم مثلهم مع أنه ليس منهم وإنما عادت عليه بركتهم فصار كواحد منهم، فلا يبعد أن تكون المواضع المباركة هكذا فيصير الكائن فيها الداعي لربه عندها مشمولًا بالبركة التي جعلها الله فيها؛ فلا يشقى حينئذٍ بعدم قبول دعائه" [تحفة الذاكرين: ١/ ٧١-٧٢، ط - دار القلم]اهـ.
وكذلك كانت سيرة الصحابة الكرام رضي الله عنهم فقد أخرج الحاكم في "المستدرك" والبيهقي في "السنن الكبرى" و"دلائل النبوة": عن علي بن الحسين عن أبيه رضي الله عنهما: "أن فاطمة عليها السلام بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت تزور قبرَ عمِّها حمزة رضي الله عنه كلَّ جمعة؛ فتصلي وتبكي عنده" قال الحاكم في "المستدرك": [هذا الحديث رواته عن آخرهم ثقات، وقد استقصيتُ في الحث على زيارة القبور تحريًا للمشاركة في الترغيب، وليعلم الشحيح بذنبه أنها سنة مسنونة] اهـ وقال في موضع آخر من "المستدرك": [هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه] اهـ.
وروى عبد الرزاق في "المصنف"، والبيهقي في "السنن الكبرى": أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ ثُمَّ أَتَى الْقَبْرَ فَقَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَتَاهْ".
وعلى ذلك جرى علماء الأمة وفقهاؤها ومحدِّثُوها سلفًا وخلفًا: قال الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (٧/ ٣٨٨، ط. دائرة المعارف النظامية): [قال الحاكم في "تاريخ نيسابور": سمعت أبا بكر محمد بن المؤمل يقول: خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة مع جماعة من مشايخنا، وهم إذ ذاك متوافرون إلى زيارة قبر علي بن موسى الرضا بطوس، قال: فرأيت من تعظيمه، يعني ابن خزيمة، لتلك البقعة وتواضعه لها وتضرعه عندها ما تحيرنا] اهـ.
وروى الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (١/ ٤٤٥، ط. دار الغرب الإسلامي): [عن إبراهيم الحربي أحد أئمة الحديث أنه قال: قبر معروف -يعني الكرخي- الترياق المجرب. وروى أيضًا عن المحاملي أحد أئمة الحديث أنه قال: أعرف قبر معروف الكرخي منذ سبعين سنة ما قصده مهموم إلا فرج الله همه] اهـ.
وقال ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٤٥٧، ط. دائرة المعارف العثمانية) في ترجمة علي بن موسى الرضا: [وقبره بسَنَاباذ خارج النوقان مشهور يزار بجنب قبر الرشيد قد زرته مرارًا كثيرة، وما حلت بي شدة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر علي بن موسى الرضا صلوات الله على جده وعليه ودعوت الله إزالتها عني إلا استجيب لي وزالت عني تلك الشدة، وهذا شيء جربته مرارًا فوجدته كذلك] اهـ.
وفي كتاب "الحكايات المنثورة" للحافظ الضياء المقدسي الحنبلي بخطه وهو مخطوط محفوظ بالمكتبة الظاهرية تحت رقم (٩٨ مجاميع): أنه سمع الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي يقول: [إنه خرج في عضده شيء يشبه الدُّمَّل، فأعيته مداواتُه، ثم مسح به قبر أحمد بن حنبل فبرئ ولم يعد إليه] اهـ.
قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٩/ ٣٤٣-٣٤٤، ط. مؤسسة الرسالة): [وعن إبراهيم الحربي قال: قبر معروف الترياق المجرب، يريد إجابة دعاء المضطر عنده؛ لأن البقاع المباركة يستجاب عندها الدعاء] اهـ.
وقال نور الدين ملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (١/ ١٩، ط. دار الفكر) ما نصه: [قال شيخ مشايخنا علامة العلماء المتبحرين شمس الدين بن الجزري في مقدمة شرحه "للمصابيح": إني زرت قبره بنيسابور (يعني الإمام مسلم بن الحجاج القشيري) وقرأت بعض "صحيحه" على سبيل التيمن والتبرك عند قبره، ورأيت آثار البركة ورجاء الإجابة في تربته] اهـ.
ولمفتي الديار المصرية الأسبق خاتمة المحققين الشيخ العلامة محمد بخيت المُطِيعي كلام متين في تقرير أثر زيارة الصالحين وآل البيت؛ حيث يقول في رسالته "تطهير الفؤاد عن دنس الاعتقاد" (ص: ١٣-١٥) المطبوع بمقدمة "شفاء السقام" للإمام التقي السبكي: [قال المناوي في شرح عينية ابن سينا في النفس: قال الناظم في كتاب "زيارة القبور": تعلق النفس بالبدن عظيم جدًّا؛ حتى إنها بعد المفارقة تشتاق وتلتفت إلى الأجزاء البدنية المدفونة؛ فإذا زار إنسان قبر آخر وتغاضى عن العلائق الجسمانية والعلائق الطبيعية توجهت نفسه إلى العالم العقلي فتواجه نفسه نفس الميت ويحصل منهما المقابلة كما في المرآتين، فيرتسم فيها صورة عقلية بطريق الانعكاس، ويحصل لها بذلك كمال] اهـ.
وقد ذكر الإمام الغزالي نحو ذلك مع زيادة بسط وتحقيق، فقال: [المقصود من زيارة الأنبياء والأولياء والأئمة: الاستمداد من سؤال المغفرة وقضاء الحوائج من أرواحهم، والعبارة عن هذا الإمداد الشفاعة، وهذا يحصل من جهتين: الاستمداد من هذا الجانب، والإمداد من ذلك الجانب.
ولزيارة المشاهد أثر عظيم في هذين الركنين: أما الاستمداد: فبانصراف همة صاحب الحاجة عن أموره العادية باستيلاء ذكر المزور على الخاطر، حتى تصير كلية همته مستغرقة في ذلك، ويقبل بكليته على ذكره وخطوره بباله، وهذه الحالة سبب منبه لروح ذلك الشفيع أو المزور؛ حتى تمد روح المزور الطيبة ذلك الزائر بما يستمد منها، ومن أقبل بكليته وهمته على إنسان في دار الدنيا فإن ذلك الإنسان يحس بإقبال ذلك المقبل عليه؛ لخبره بذلك، فمن لم يكن في هذا العالم فهو أولى بالتنبه، وهو مهيأ لذلك التنبه؛ فإن اطلاع مَن هو خارج عن أحوال العالم على بعض أحوال العالم ممكن؛ كما يطلع من هو في المنام على أحوال من هو في الآخرة: أهو مُثاب أم مُعاقَب؟ فإن النوم صنو الموت وأخوه؛ فبسبب الموت صرنا مستعدين لمعرفة أحوال لم نكن مستعدين في حال اليقظة لها، فكذا من وصل إلى دار الآخرة ومات موتًا حقيقيًّا كان بالاطلاع على أحوال هذا العالم أولى وأحرى، فأما كلية أحوال هذا العالم في جميع الأوقات فلم تكن مندرجة في سلك معرفتهم، كما لم تكن أحوال الماضين حاضرة في معرفتنا في منامنا عند الرؤيا] اهـ.
ولإيجاد المعارف معينات ومخصصات؛ منها: همة صاحب الحاجة وهي استيلاء ذكر صاحب تلك الروح العزيزة على صاحب الحاجة، وكما تؤثر مشاهدة صورة الحي في خطور ذكره وحضور نفسه بالبال فكذا تؤثر مُشاهدة ذلك الميت ومشاهدة تربته التي هي حجاب قالبه؛ فإن أثر ذلك الميت في النفس عند غيبة قالبه ومشهده ليس كأثره في حال حضوره ومشاهدة قالبه ومشهده.
ومن ظن أنه قادر على أن يحضر في نفسه ذلك الميت عند غيبة مشهده كما يحضره عند مشاهدة مشهده فذلك ظن خطأ؛ فإن للمشاهدة أثرًا بيّنًا ليس للغيبة مثله، ومن استعان في الغيبة بذلك الميت لم تكن هذه الاستعانة أيضًا جزافًا ولا تخلو من أثر ما؛ كما قال المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا» رواه مسلم، وقال: «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» "سنن الدارقطني".
فالتقرب بقالبه الذي هو أخص الخواص به وسيلة تامة متقاضية للشفاعة، والتقرب بولده الذي هو بضعة منه ولو بعد توالد وتناسل، والتقرب بمشهده ومسجده وبلدته وعصاه وسوطه ونعله وعضادته (أي: التزامِ عِضَادتي بابه الشريف والاستناد إليهما أو تقبيلهما تعظيمًا ومحبةً)، والتقرب بعادته وسيرته وبما له مناسبة إليه يوجب التقرب إليه ومقتضٍ لشفاعته؛ فإنه لا فرق عند الأنبياء والأولياء في كونهم في دار الدنيا وكونهم في دار الآخرة إلا في طريق المعرفة؛ فإن آلة المعرفة في دار الدنيا: الحواسُّ الظاهرة، وفي العقبى: آلة بها يعرف الغيب؛ إما في صورة مثال، وإما على سبيل التصريح. وأما الأحوال الأخرى في التقرب والقرب والشفاعة فلا تتغير.
والركن الأعظم في هذا الباب: الإمداد والاهتمام من جهة المُمِدِّ وإن لم يشعر صاحب الوسيلة بهذا المدد؛ فإنه لو وضع شعر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو سوطه أو عضادته على قبر عاصٍ أو مذنب لنجا ذلك المذنب ببركات تلك الذخيرة من العذاب، وإن كان في دار إنسان أو بلد لا يصيب سكانها بلاء وإن لم يشعر بها صاحب الدار أو ساكن البلد؛ فإن اهتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في العقبى مصروف إلى ما هو له منسوب، ودفع المكاره والأمراض والعقوبات مفوَّض من الله تعالى إلى الملائكة، وكل ملك حريص على إسعاف ما حرص النبي صلوات الله وسلامه عليه بهمته إليه عن غيره، كما كان في حال حياته؛ فإن تقرب الملائكة بروحه بعد موته أزيد من تقربهم بها في حال حياته.
وكان علماء المسلمين وعوامُّهم عبر العصور يزورون قبور الأنبياء والصالحين وآل البيت المكرمين ويتبركون بها من غير نكير: قال الإمام بدر الدين الزركشي الشافعي - فيما نقله العلامة السمهودي في "وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى" (١/ ١٥٥، ط - دار الفرقان)-: [ينبغي أن يُستَثْنَى مِن مَنعِ نقل تراب الحرم: تربةُ حمزة رضي الله عنه؛ لإطباق السلف والخلف على نقلها للتداوي مِن الصداع] اهـ.
وقال العلامة السمهودي في موضع آخر من "وفاء الوفا" [١/ ٢٣٣]: [وحكى البرهان بن فرحون عن الإمام العالم أبي محمد عبد السلام بن إبراهيم بن وَمْصَال الحاحاني قال: نقلتُ من كتاب الشيخ العالم أبي محمد صالح الهزميري قال: قال صالح بن عبد الحليم: سمعت أبا محمد عبد السلام بن يزيد الصنهاجي يقول: سألت أحمد بن يكوت عن تراب المقابر الذي كان الناس يحملونه للتبرك، هل يجوز أو يُمنَع؟ فقال: هو جائز، وما زال الناسُ يتبركون بقبور العلماء والشهداء والصالحين، وكان الناس يحملون تراب قبر سيدنا حمزة بن عبد المطلب في القديم من الزمان، قال ابن فرحون عَقِبَه: والناس اليوم يأخذون من تربة قريبة من مشهد سيدنا حمزة، ويعملون منها خرزًا يشبه السُّبَح، واستدل ابن فرحون بذلك على جواز نقل تراب المدينة] اهـ [من موقع دار الإفتاء المصرية - حكم زيارة أضرحة آل البيت ومقامات الصالحين - تاريخ الفتوى: ١٣ ديسمبر ٢٠١٥ - من فتاوى: الأستاذ الدكتور/ شوقي إبراهيم علام].
قبور أولياء الله الصالحين وآل البيت روضات مباركة تتنزل عليها الرحمات الإلهية وتتجدد فيها البركات في كل آن، فالتوجه الصادق لله تعالى بالزيارة لهذه المقامات يكون فيه الثواب والأجر عند الله تعالى كما ثبت ذلك في السنة المطهرة، وكلام السلف الصالح، وقد حافظت الأمة الإسلامية بعلمائها وعوامها عبر التاريخ على زيارة هذه البقاع الطاهرة اتباعًا للسنة المطهرة.
تحمل مصر الحبيبة في وجدان شعبها تدينًا فطريًا يتجسد في حب عميق متوارث لآل البيت رضوان الله عليهم.
فضل آل البيت في الإسلام ثابت في القرآن والسنة، وحبهم وتعظيمهم واجب.
ذهبَ بعضهم إلى أنهم زوجات النبي ﷺ فقط، بينما رأى آخرون أنهم علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم.
هل التبرك بالصالحين مجرد عادة موروثة أم أنه مسلك شرعي يسلكه المحبون للتقرب إلى الله؟
مسلكٌ جرى عليه عمل الأمة جيلًا بعد جيل، تعظيمًا لمن عظّم الله، وتلمُّسًا لرحماته في كنف أهل الود والقبول.