الورع خلق إيماني رفيع يعبر عن التزام المسلم بترك الحرام والبعد عن الشبهات، وهو من مراتب الإحسان التي تجسد أعلى درجات السلوك التعبدي، حيث يكتفي المؤمن بالضروري من المباح ويجاهد نفسه ليكون عمله خالصًا لوجه الله.
الورع خلق إيماني رفيع يعبر عن التزام المسلم بترك الحرام والبعد عن الشبهات، وهو من مراتب الإحسان التي تجسد أعلى درجات السلوك التعبدي، حيث يكتفي المؤمن بالضروري من المباح ويجاهد نفسه ليكون عمله خالصًا لوجه الله.
يمر المسلم في حياته الإسلامية بمراحل حتى يصل في النهاية إلى أسمى درجات الإيمان كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما سأله جبريل عن المرحلة الأولى، وهي: الإسلام، فقال صلى الله عليه وسلم: «الإسْلامُ أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وتُقِيمَ الصَّلاةَ، وتُؤْتِيَ الزَّكاةَ، وتَصُومَ رَمَضانَ، وتَحُجَّ بَيْتَ اللهِ إِنِ اسْتَطَعْتَ إلَيْهِ سَبِيلًا» ثم سأله عن المرحلة الثانية، وهي الإيمان، قال: «أنْ تُؤْمِنَ باللَّهِ، ومَلائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، والْيَومِ الآخِرِ، وَأَنْ تُؤْمِنَ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، حُلْوِهِ، وَمُرِّهِ»، ثم سأله عن المرحلة الثالثة، وهي الإحسان قال: «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فإنَّه يَراكَ» فالإحسان هو أعلى درجات الإيمان، قال تعالى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [لقمان: ٢٢].
فالإحسان كما في الآية هو العروة الوثقى، لكن الإحسان درجات فأول درجاته الزهد، وهو أن يزهد الزاهد، وهو غني يملك الثراء والعمل في سبيله بصفة مستمرة، فالزهد لا يتأتى عند من لا يملك، وإذا ملك رضي بالقليل وأنفق الكثير في سبيل الله، لكن الذي يعكر صفو الزهد هو: أن الزاهد يقصد بأنه يفعل ذلك زهدا ويجاهد نفسه بالشعور بالزهد في كل حين، أما الدرجة التي هي أسمى من الزهد في الإحسان فهي درجة الورع، قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: ١٤ – ١٥].
ومعنى الآية: أن التقي الورع قد يملك هذه الأموال والمقتنيات، لكنه يتقي الله فيها فيكتفي بالقليل وينفق في سبيل الله الكثير ابتغاء مرضاته، روى حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَضْلُ العِلمِ خيرٌ مِن فَضْلِ العبادةِ، وخيرُ دِينِكم الورَعُ»، وعن جابر رضي الله عنه قال: ذُكر رجلٌ عندَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعبادَةٍ واجتهادٍ، وذُكر عندَهُ آخرُ بالرعة، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَعْدِل بِالرِّعَة».
قيل في تعريف الورع: ترك ما يريبك، ونفي ما يعيبك، والأخذ بالأوثق، وحمل النفس على الأشق، أو النظر في المطعم واللباس، وترك ما به بأس وتجنب الشبهات، ومراقبة الخطرات، قال الراغب: الورع: عبارة عن ترك التسرع إلى تناول أغراض الدنيا.
وقال ابن القيم: ترك ما يخشى ضرره في الآخرة.
وقال ابن تيمية: تمام الورع أن يعلم الإنسان خير الخيرين، وشر الشرين، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية، وبهذا يتبين أن الواجبات والمستحبات لا يصلح فيها زهد ولا ورع، وأما المحرمات والمكروهات فيصلح فيها الزهد والورع.
وللورع درجات ومراتب ثلاث هي:
١- واجب، وهو: الإحجام عن المحارم، وذلك للناس كافة.
٢- مندوب، وهو: الوقوف عن الشبهات، وذلك للأواسط.
٣- فضيلة، وهو: الكف عن كثير من المباحات والاقتصار على أقل الضرورات، وذلك للنبيين والشهداء والصالحين.
وقال الشيخ أبو إسماعيل الهروي: الورع على ثلاث درجات:
- الدرجة الأولى: تجنب القبائح لصدق النفس، وتوفير الحسنات، وصيانة الإيمان.
- الدرجة الثانية: حفظ الحدود عند ما لا بأس به إبقاءً على الصيانة والتقوى، وصعودًا عن الدناءة، وتخلصًا عن اقتحام الحدود.
- الدرجة الثالثة: التورع عن كل داعية تدعو إلى شتات الوقت والتعلق بالتفرق.
ومظاهر الورع كثيرة وتختلف باختلاف أعضاء الإنسان التي يستخدمها في أغراض الدنيا والعلاقات الإنسانية التي تتعارض فيها الرغبات وتختلف المصالح.
لذلك انقسم الورع إلى أبواب، وهي: باب الورع في النظر، وباب الورع في السمع، وباب الورع في الشم، وباب الورع في اللسان، وباب الورع في البطش، وباب الورع في البطن، وباب الورع في الفرج، وباب الورع في السعي، وباب الورع في الشراء والبيع.
وعلى ذلك فالورع لا يصرف صاحبه فيه عن الحياة ليجمع بين الدنيا والآخرة فيعمل على تعمير الحياة وتقدم الأمة الإسلامية بشتى وسائل التقدم ابتغاء مرضاة الله - عز وجل - وفي سبيله ليؤدي مسئولية الإنسان في خلافته للأرض، فلا يعزف عن الدنيا وإنما يجمع بين مطالب الدنيا للآخرة فتكتفي نفسه بالضرورات فقط، وهو مسلك يخالف التبتل والانقطاع عن بناء أمته، قال تعالى {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَ} [الحديد: ٢٧]
وقد حسم القرآن الكريم هذه المسالك الثلاث: الإقبال على الدنيا فقط، والانقطاع عن الدنيا بالتبتل، والجمع بين الدنيا والآخرة لئلا يعطل ما كرم الله به الإنسان من العقل والإرادة والعمل، وأسمى درجاته هو الورع، قال تعالى: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار} [البقرة: ٢٠٠ – ٢٠١]؛ لأن الله سخر الدنيا للإنسان ليتسابق بإرادته وسلوكه إلى أعلى درجات الفوز والسعادة في الدنيا والآخرة، فأمره بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: ١٥]، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل ١٠ – ١١]، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: ٤ ١]
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيُّهَا النَّاسُ، إنَّ اللهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إلاَّ طَيِّبًا، وإنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فقالَ تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: ٢٥١]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ، يا رَبِّ، يا رَبِّ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرامٌ، وغُذِيَ بالحَرامِ، فأنّى يُسْتَجابُ لَهُ».
ومفهوم هذا الحديث الشريف يحدد سلوك الورع لما رواه أبو قتادة عنه أيضًا صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إِنَّكَ لَن تَدَعَ شَيْئًا اتِّقَاءً للهِ عزَّ وجلَّ إلَّا أَعْطَاكَ اللهُ خَيْرًا مِنْهُ»، وهو البر الذي أشار إليه هذا الحديث الشريف الذي ورد عن النواس بن سمعان الأنصاري رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم، فقال: «البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإِثْمُ مَا حَاكَ في صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عليه النّاسُ»، وأهل الورع هم الغرباء بين الناس كما جاء في الحديث الشريف عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ونحن عنده: «طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، فَقِيلَ: مَنِ الغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «أُنَاسٌ صَالِحُونَ فِي أُنَاسٍ كَثِير، مَن يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّن يُطِيعُهُمْ، وَقَالَ: كُنَّا عِندَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا آخَرَ حِينَ طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «سَيَأْتِي أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ نُورُهُمْ كَضَوْءِ الشَّمْسِ» قُلْنا: مَنْ أُوَلئِكَ يا رسول الله؟ فقال: فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ، وَالَّذِينَ تُتَّقى بِهِمُ المَكارِهُ، يَمُوتُ أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ فِي صَدْرِهِ، يُحْشَرُونَ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ»، وجاء في معنى الورع عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَارًا لَهُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي، إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الارْضَ وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ، وَقَالَ الَّذِي لَهُ الْأَرْضُ: إِنَّمَا بِعْتُكَ الْأَرْضَ وَمَا فِيهَا، فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ، فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ قَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلامٌ، وَقَالَ الآخَرُ: لِي جَارِيَةٌ، قَالَ: أَنْكِحُوا الْغُلامَ الْجَارِيَةَ، وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا».
الورع ليس مجرد خلق من مكارم الأخلاق بل هو مقام رفيع في درجات الإيمان يدل على صدق العبد مع ربه ويظهر أثره في ضبط السلوك وصلاح العمل، وهو حصانة للمسلم من الوقوع في المحرمات أو الانزلاق إلى الشبهات، كما أنه سبيل لبلوغ رضا الله ومحبته، لأن من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، وهو من أهم الوسائل التي تضمن للمجتمع الطهارة والعدل، لأنه يكبح الطمع ويهذب الرغبات ويقوي ضمير الفرد.