الإحسان صفة خلقية شاملة، وشيمة إسلامية راسخة في النفس تصدر عنها الأقوال والأفعال بيسر وسهولة من غير
رؤية ومراجعة، والإحسان سلامة النفس نحو الأرفق والأحمد من الأفعال، وقد يكون الإحسان مع الله تعالى، ومع المحسن
نفسه، ومع الناس.
أما الإحسان مع الله - عزوجل - فيكون في طاعته فيما أمر، واجتناب ما نهي عنه من المحرمات بصدق وإخلاص ابتغاء، مرضاته، قال تعالى: {إِنَّ
ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ}
[النحل ١٢٨] فالإحسان هو تقوى الله - عز وجل -
بالعمل الصالح، ودفع السيئة بما هو أحسن،: {وَمَنۡ
أَحۡسَنُ قَوۡلٗا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا
وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ *
وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ
فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ} [فصلت ٣٣ - ٣٤ ] وهو غاية الإحسان مع الله تعالى وتسمى بالعروة الوثقى، قال تعالى: {وَمَن
يُسۡلِمۡ وَجۡهَهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ
بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰۗ وَإِلَى ٱللَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ} [لقمان ٢٢]، وهو ما أشار إليه الحديث الشريف: «الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ
تَراهُ فإنَّه يَراكَ» فهو أعلى درجات الإيمان.
وأما الإحسان مع المحسن نفسه، فعليه أن يحافظ على روحه ونفسه وجسده: فيحسن التعامل معها بالمحافظة عليها
ورعايتها، ومقاومة الأمراض والمهالك لتكون صحيحة قوية، فتقوى على طاعة الله تعالى وتؤدي أمانة الخلافة في الأرض ومسئوليته في الحياة لكي يحقق لها السعادة في
الدارين، قال تعالى: {وَأَنفِقُواْ
فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ
وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [البقرة: ١٩٥] وأن يبدأ بها قبل أهله ثم ذوي رحمه ثم الآخرين، فهي أولى بالإحسان، وفي الحديث الشريف: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ»، فعن جابر
رضى الله عنه قال: "أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ
بَنِي عُذْرَةَ عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صلى الله
عليه وسلم فَقَالَ: أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ: لَا فَقَالَ: مَنْ
يَشْتَرِيهِ مِنِّي، فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْعَدَوِيُّ
بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَجَاءَ بِهَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم
فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا
فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ، فَلِأَهْلِكَ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي
قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ، فَهَكَذَا، وَهَكَذَا،
يَقُولُ فَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ».
وأما الإحسان مع الناس فيكون بحسن المعاملات، بأن يكون سمحًا في حقوقه مع غيره، فلا يطالب بها غيره، ويوفيها لغيره سواء أكانت واجبة
أو غير
ذلك؛ فيشمل الإحسان الأقوال الطيبة والملاقاة الباسمة الباشة، والمعاملة
الطيبة بالحسنى؛ فيبذل المعروف لغيره قولًا وفعلًا.
ويكف الأذى عنه قولًا أو فعلًا، ويقوم على دعائم خمسة: العلم والجود والصبر وطيب النفس وصحة الإسلام.
فيعرف بالعلم معالي الأخلاق فيتصف بها، وسفاسفها فيتخلى عنها، وبالجود تكون سماحة النفس وكرمها في البذل والعطاء والإنفاق والصدقة.
وبالصبر يحتمل المكاره ويتحمل أعباء الإحسان وتبعاته، وبطيب النفس لتكون منقادة سهلة الانقياد سريعة الاستجابة، وبصحة الإسلام ليكون مقياس كل ذلك وضابطه للفصل بين ما يصح وما لا يصح، ومن حسن المعاملة مع الناس أن تلقى
عدوك وصديقك بطلاقة اللقاء ورضى النفس وبشاشة الوجه، قال تعالى: {الَّذِينَ
يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ
عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران١٣٤:]
فلا يتمادى في الخصومة ويصدق في حديثه ولا يكذب ويهذب ألفاظه، ولا يتظاهر على الغير أو يتكبر ويتعالى عليه قال
تعالى: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ
وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ}
[البقرة: ٢٦٣]، وأن يحفظ نفسه في المجالس ومع الجماعات، فلا يكثر من الالتفات، ولا يعبث بلحيته وبأنفه وتشبيك أصابعه أو تخليل أسنانه،
ولا يكثر
من البصاق، ولا التمطي والتثاؤب في وجوه الغير وفي الصلاة، وليكن في
المجلس هادئًا وحديثه مرتبًا مهذبًا، يسكت عن المضاحك، ولا يلح في الحاجات، ولا يشجع على الظلم أو ما فيه تجاوز، ويقيل
الأذى بصفة عامة عن الحياة والناس، ويسدى المعروف بشتى أشكاله، كما في الحديث الشريف فيما رواه أبو ذر الغفاري رضى
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَبسُّمُكَ
في وجْه أخيكَ صدقةٌ، وأمْرُكَ بالمعروفِ صدقةٌ، ونهيُكَ عنِ المُنكَرِ صدقةٌ،
وإرشادُكَ الرَّجلَ في أرضِ الضَّلالِ لك صدقةٌ، وبصرك للرَّجلَ الرَّديءَ البصرَ
لك صدقةٌ، وإماطتُكَ الحَجَرَ والشَّوكَة والعَظْمَ عنِ الطَّريق لكَ صدقةٌ،
وإفراغُكَ مِنْ دَلْوِكَ في دَلو أخيكَ لك صدقةٌ» والإحسان على كل مسلم لا يتخلى عنه أحد سواء
أكان بالإنفاق والصدقة والتطوع أو بغير ذلك، روى أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال:
قال رسول الله – صلى الله عليه وآلة وسلم- «عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ
صَدَقَةٌ، فقالوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، فمَن لَمْ يَجِدْ؟ قالَ: يَعْمَلُ بيَدِهِ،
فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ ويَتَصَدَّقُ قالوا: فإنْ لَمْ يَجِدْ؟ قالَ: يُعِينُ ذا الحاجَةِ المَلْهُوفَ قالوا:
فإنْ لَمْ يَجِدْ؟ قالَ: فَلْيَعْمَلْ بالمَعروفِ، ولْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ،
فإنَّها له صَدَقَةٌ».