تهذيب السلوك عملية ترتبط بتزكية النفس الإنسانية باعتبارهما - أي (التهذيب، والتزكية) - لب العمل التربوي، وبهما ينبض قلب المسلم الذي إذا صلح صلح الجسد كله.
تهذيب السلوك عملية ترتبط بتزكية النفس الإنسانية باعتبارهما - أي (التهذيب، والتزكية) - لب العمل التربوي، وبهما ينبض قلب المسلم الذي إذا صلح صلح الجسد كله.
خلق الله - سبحانه وتعالى- الإنسان في أحسن صورة وهيئة {لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ} [التين:٤]، وأراده أن ينشأ ويحيا في ضوء من الفطرة التي جبل عليها وهي فطرة التوحيد {فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ} [الروم:٣٠]، والتي هي تبع للتربية والتوجيه، فإن وجهت إلى طريق آخر فتكون تبعا لما وجهت إليه، وهو أمر يعود إلى القائم على أمر تربية الفرد لقوله - صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»، ويذهب صاحب الإحياء إلى أن الصبي خُلق قابلا للخير والشر معًا، وإنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين.
ولما كانت النفس الإنسانية تحتوي على جميع أفعالها فطريًّا، وأنها مهيأة للخير والشر معًا، وإن كان استعدادها للخير أكثر، أما الشر فيعد عملًا عارضًا عليها ينتج عن سوء استخدام الفرد لحريته، فإن السلوكيات الصادرة عنه تكون دائمًا في حاجة إلى عمليات تقويم لتعديل ما قد يجنح بها إلى الشر، وذلك بانتزاع غير المرغوب فيه وتخليصه من كل ما يخالف قيم الدين والمجتمع، ومن كل ما يعد خروجًا على المألوف في الطبيعة الإنسانية، ثم إيجاد البديل السليم وغرسه ليصبح السلوك سلوكًا مرغوبًا فيه، وهذا ما يعرف بالتهذيب الذي هو: عملية تربوية تتضمن (التنقية) تقول: هذب النخلة، أي نقى عنها الليف، والتخليص، يقال: هذب الكلام، أي: خلصه مما يشينه عند البلغاء، والحذف، يقال: هذب الكتاب، أي: حذف ما فيه من حشو وفضول، والتربية، يقال: هذب الصبي: أي رباه تربية صالحة خالصة من الشوائب، (والإصلاح)، يقال: هذب الشيء أي: أصلحه، وعليه قوله تعالى: {وَيَسَۡٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ خَيۡرٞۖ} [البقرة:٢٢٠]، ويشير الرازي في تفسيره إلى أنه يعني إصلاح تربيتهم وإصلاح أموالهم في تنميتها، ويستشهد بقول القاضي: هذا الكلام يجمع النظر في مصالح اليتيم بالتقويم والتأديب وغيرهما، لكي ينشأ على علم وأدب وفضل، لأن هذا الصنع أعظم تأثيرًا فيه من إصلاح حاله بالتجارة.
هي أمور توضح أن تهذيب السلوك عملية ترتبط بتزكية النفس الإنسانية باعتبارهما، أي (التهذيب، والتزكية) لب العمل التربوي، وبهما ينبض قلب المسلم الذي إذا صلح صلح الجسد كله، من كل ما يناقض التربية السليمة، ثم تجميله بكل مرغوب ومراد من الفضائل وغيرها.
ويكون هذا كما جاء في تفسير كلمة (يزكيكم) في قوله تعالى: {كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ} [البقرة:١٥١] بتطهير أرواحهم من لوثة الشرك ودنس الجاهلية، ورجس التصورات التي تثقل الروح الإنساني وتطمره، ومن لوثة الشهوات والنزوات، وتطهير مجتمعهم من الربا والسحت والغش والسلب والنهب، وتطهير حياتهم من الظلم والبغي ومن سائر الملوثات، وهو ما يعني مجيئهم بالنفع وسلب الضار عنهم، فهذا من شأنه أن يفجر طاقة التقوى عند الإنسان ليصل في سلوكه إلى الفلاح المراد، قال تعالى: {قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا} [الشمس:٩]، وذلك بتربيته على الاستجابة لله وللرسول لما فيه حياته، قال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ} [الأنفال:٢٤] بتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه، قال تعالى: {وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهيٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ} [الحشر:٧]، وبنفس خالصة لله -عز وجل-، قال تعالى: {قُلِ ٱللَّهَ أَعۡبُدُ مُخۡلِصٗا لَّهُۥ دِينِي} [الزُّمَر:١٤]، ترجو رحمته وتخشى عذابه، قال تعالى: {وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ} [الإسراء:٥٧]، فتتربى في سلوكياتها على عاطفة الخوف من الله تعالى، قال تعالى: {ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفيٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا} [الأحزاب:٣٩] لتصل إلى رضاه {رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ رَبَّهُ} [البيِّنة:٨]، والرسول يقول عن ربه: «لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَلَا أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ: فَإِنْ أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنْ خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أمَّنْتُه يَوْمَ القِيَامَةِ».
وتهذيب السلوك يظهر في كل مجالات التعامل الإنساني التي تترجم في حقيقتها عقيدة الإنسان وعباداته على أساس أن المعاملات قيم العبادات، والعبادات ترجمة للعقائد، وهي جميعها تنطوي على الوصول بالإنسان إلى السمو الأخلاقي في السلوك الذي يجعله يترفع عن الصغائر والدنايا، فيعمل على تفريغ عقله من كل المعتقدات والتصورات التي لا تتفق ومنهج الإسلام، وخاصة تلك التي لم تقم على يقين وإنما قامت على مجرد الظن والتقليد، فيبدأ بالكشف عن الانحرافات ويأخذ في نقضها واحدة تلو الأخرى، معتمدًا على طريقة الحوار بالأدلة لإقناع العقل فالإسلام يدعو الإنسان إلى التعرف على مكنونات نفسه، قال تعالى: {وَفِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ} [الذاريات:٢١]، وعلى الكون من حوله قال تعالى: {أَوَلَمۡ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ} [الأعراف:١٨٥]، والتأمل في سننه التي لا تتبدل، قال تعالى: {سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا} [الأحزاب:٦٢].
فإذا ما تم تحرير العقل، فإن تهذيب السلوك يبدأ من خلال العبادات بما تضمه من طهارة، ووضوء وصلاة، وصوم، وزكاة، وذكر، ودعاء، فيطهر سلوكياته من الأوزار، وينمي الصلة بربه ليزداد الإيمان، على أن يخلص بذلك نيته لله تعالى، لأن الأعمال بالنيات، وأداء عباداته بصورة تظهر في سلوكياته، فتنهاه صلاته عن كل فحش «مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ»، وتطهره زكاته من شح نفسه وتنمي الخير فيه قال تعالى: {خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة:١٠٣] ويبعده صومه عن قول الزور والعمل به «مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعامَهُ وشَرابَهُ»، وكلها أمور ترتقي بالسلوك الإنساني لتصل به إلى نفس راضية تداوم على ذكر ربها قال تعالى: {أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ} [الرعد:٢٨]، والنفس المطمئنة إلى ربها وإلى قدره في السراء والضراء، والمطمئنة إلى طريقها فلا ترتاب ولا تنزعج.
وللقدوة في تهذيب السلوك أهمية كبرى في تربيه الأفراد التربية السلوكية السليمة، باعتبارها تنبع من فطرة الإنسان في المحاكاة والتقليد، وهي تتطلب النموذج العملي ممن يقوم على التهذيب في قوته العقدية والخلقية وفقًا للنموذج الأعلى، قال تعالى: {لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ} [الأحزاب:٢١]، والصحابة من بعده قال تعالى: {فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ} [الأنعام:٩٠]، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين، قال تعالى: {يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ} [الشعراء:٨٩] فقبل الدعوة إلى التهذيب يحسن مراجعة الواعظ نفسه - وفي هذا يقول أحد الخلفاء لمؤدب ولده: "ليكن إصلاحك لبنيّ لنفسك، فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبح عندهم ما استقبحت"، وليكن الهدف هو: أن يتأدب الإنسان في سلوكياته بأدب الدين الذي هو القرآن الكريم «إِنَّ هَذَا القُرْآنَ مَأْدُبَةَ اللهِ فَخُذُوا مِنْ مَأْدُبَتِهِ».
ومن هذا يتضح أن تهذيب السلوك عملية تشمل الإنسان في كليته، في تهذيب عقيدته ونسكه ومعاملاته وأخلاقياته، وفكره وعاطفته، ليصل إلى الشخصية المتكاملة التي تمارس السلوك الإسلامي في مناهج عملها، وفي طرق تعاملاتها، وفي علاقتها مع غيرها، بحيث تتطهر في باطنها وظاهرها من السلوكيات الرديئة ، وتعمرها بالسلوكيات المحمودة، وتستطيع أن تنتج إنتاجًا يتفق واستعدادها وقدراتها، وأن تعقد صلات اجتماعية صحيحة، فترضى عن نفسها وعن تصرفاتها المطابقة لما يرتضيه الدين، فيكون بناؤها بناء إسلاميًّا أساسه حسن الصلة بالله، ويبرز خصائصها الإنسانية وطبيعة فطرته وتستكمل معاني القوة والجمال والسمو بالعقل والوجدان وفق الصورة الحسنة التي خلق عليها، قال تعالى: {وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ} [التغابن:٣].
تهذيب السلوك عملية تربوية تتضمن التنقية، والتربية، والإصلاح، والإنسان لما كان قابلًا للخير والشر، كانت سلوكياته الصادرة عنه في حاجة إلى عمليات تقويم؛ لتعديل ما قد يجنح بها إلى الشر، وذلك بانتزاع ما يخالف قيم الدين والمجتمع ثم استبدال ذلك بما يوافق قيم الدين والمجتمع من سلوكيات.
الأخلاق وصفٌ لفكر الإنسان وسلوكه دون غيره من المخلوقات.
الإحسان خلق عظيم يشمل العلاقة مع الله والنفس والناس.
الرباط بين الدين والأخلاق والحضارة رباط وثيق.