Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

العفاف

الكاتب

أ .د/ علي جمعة

العفاف

العفاف ليس خُلقًا عابرًا ولا سلوكًا فرديًّا محدودًا، لقد أجمع الأنبياء والرسل على الدعوة إليه، وأكّد القرآن الكريم والسنة النبوية على مكانته؛ بل هو سياجٌ متين يحفظ به الإنسان قلبه وجوارحه، ويصون به المجتمع من الانحراف والاضطراب، وإنّه طهارةٌ في الظاهر والباطن، وميزانٌ يضبط علاقة المرء بنفسه وبغيره، ويجعل حياته أكثر صفاءً ونقاءً، فجاء العفاف ليكون أساسًا في بناء الإنسان، وشرطًا في تزكية النفس، وسببًا في نيل رضا الله تعالى.

مفهوم العفاف وأهميته

دعت الأديان، وخاصة الإسلام، إلى العفاف، وهو أمرٌ يحدث اختلافًا بين المتدينين وغير المتدينين، ومن شدة الاتفاق عليه بين أهل الأديان لم يكن أبدًا عبر العصور، وحتى في عصرنا الحاضر، محلًّا للاجتهاد، بل كان محلًّا للاتفاق، سواء أقامه الشخص في نفسه أم لم يُقِمْه، فإن الجميع يعلمون أن العفاف، بكل جوانبه، مأمورٌ به على لسان الأنبياء.

فترى القرآن قد أمر بغضِّ البصر عن العورات والمحرمات، قال تعالى: {قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ} [النور: ٣٠]، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «النَّظْرَةُ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ مَسْمُومٌ، فَمَنْ تَرَكَهَا مِنْ خَوْفِ اللَّهِ أَثَابَهُ جَلَّ وَعَزَّ إِيمَانًا يَجِدُ حَلَاوَتَهُ فِي قَلْبِهِ» [أورده الحاكم في المستدرك (٨٠٨٨)].

وقال بعض الظرفاء:

إلهي ليس للعشاقِ ذنبٌ   **   لأنك أنت تبلو العاشقينَ

فتخلقُ كلَّ ذي وجهٍ جميلٍ **   به تُسبي قلوبَ الناظرينَ

وتأمرُنا بغضِّ الطرفِ عنهم ** كأنك ما خلقتَ لنا عيونًا

فكيف نَغُضُّ يا مولانا طرفًا ** إذا كان الجمالُ نراه دينًا

وقال آخر:

خلقتَ الجمالَ لنا فتنةً ** وقلتَ لنا: يا عبادِ اتقونِ

وأنت جميلٌ تحب الجمالَ ** فكيف عبادُك لا يعشقونَ

فردَّ عليهم الشيخ التقي الأمين السوداني فقال:

خلقتَ الجمالَ لنا نعمةً ** وقلتَ لنا يا عبادِ اتقونِ

وإنَّ الجمالَ تُقًى، والتُّقَى ** جمالٌ، ولكنْ لمن يفقهونَ

فذوقُ الجمالِ يُصَفِّي النفوسَ **  ويهبُ العيونَ سموَّ العيونِ

وإنَّ التُّقَى هاهنا في القلوبِ  **  وما زال أهلُ التُّقَى يعشقونَ

ومن خامر الطهرُ أخلاقَهُ ** تأبَّى الصغارَ وعافَ المجونَ

وربي جميلٌ يحب الجمالَ ** جمالُ التُّقَى يا جميلَ العيونِ

وهذا الجدل يُظْهِر كثيرًا من النماذج المعرفية بين المتقين وغيرهم.

وأمرَ بحفظ الفرج كما تقدَّم، ومن هنا جاء مفهومُ العورات التي أمر - صلى الله عليه وسلم - بسترها، كما جاء في حديث بَهْزِ بن حكيم قال: حدَّثني أبي عن جدي قال: قلتُ: يا رسول الله، عوراتُنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ»، قال: قلتُ: يا رسول الله، فإذا كان القومُ بعضُهم في بعضٍ؟ قال: «إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَى أَحَدٌ عَوْرَتَكَ فَافْعَلْ»، قلتُ: فإذا كان أحدُنا خاليًا؟ قال: «فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ» [أورده النسائي في سننه الكبرى (٨٩٧٢)].

من عفاف الظاهر

ومن العفاف أنه أمر بعدم الخلوة بين الرجل والمرأة الأجنبية إلا بطريقة آمنة، والمقصود بالخلوة هنا المكانُ الخاصُّ وليس المكان العام، ومعيار الخصوصية والعمومية هو وجوب الاستئذان من أجل النظر من عدمه؛ فالمكان الذي يجب علينا أن نستأذن للنظر إلى داخله، ولا يجوز أن ندخله إلا بعد الاستئذان، فهو مكانٌ خاص، والمكانُ الذي لا يحتاج إلى استئذان، كالطريق ووسائل النقل العامة والمساجد والمحلات العامة، فهو مكانٌ عام، ولا يسمَّى انفرادُ الرجل بالمرأة، أو المرأةُ بالرجل، فيه خلوةً، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ» [الترمذي في سننه (٢١٦٥)].

والنبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالعفاف في الكلام، فنَبَّه معاذًا فقال: «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ - أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ - إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» [الترمذي في سننه (٢٦١٦)]، وربنا يقول في سورة النساء: {لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلۡجَهۡرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ إِلَّا مَن ظُلِمَۚ} [النساء: ١٤٨]، ولكنه بعدها حثَّ على العفو فقال: {إِن تُبۡدُواْ خَيۡرًا أَوۡ تُخۡفُوهُ أَوۡ تَعۡفُواْ عَن سُوٓءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّٗا قَدِيرًا} [النساء: ١٤٩].

ونهى - صلى الله عليه وسلم من باب العفاف - عن التسول والرشوة والسرقة، كما نهى - من باب العفاف - عن السبِّ واللَّعن والفُحش والبذاءة، فقال: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» [صحيح البخاري (٢٠٧٢)]، وقال: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي» [أورده أبو داود في سننه (٣٥٨٠)]، وقال: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَأَيْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» [صحيح البخاري (٣٤٧٥)]، وقال: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِطَعَّانٍ، وَلَا بِلَعَّانٍ، وَلَا بِالْفَاحِشِ الْبَذِيءِ» [مسند الإمام أحمد (٣٨٣٩)].

وعلَّمنا - صلى الله عليه وسلم - البُعد عن الشبهات؛ فعن عليِّ بنِ الحسينِ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أتته صفيةُ بنتُ حُيَيٍّ، فلمَّا رجعت انطلق معها، فمرَّ به رجلان من الأنصار، فدعاهما فقال: «إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ»، قالا: سبحان الله! قال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» [صحيح البخاري (٧١٧١)]، كما أنه علَّمنا وأمرنا بالبعد عن مواطن الفتن، فقال: «وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» [صحيح البخاري (٦٤٨٤)].

هذا كلُّه من العفاف في الظاهر والسلوك، أمَّا العفاف في الباطن والمفاهيم فله حديثٌ آخر، قد يكون أهمَّ وأعمقَ من عفاف الظاهر الذي هو في غاية الأهمية في نفسه، وأرى أن فقدَنا للعفاف الظاهر والباطن يُسَبِّب كثيرًا من اختلاف المعايير والرؤى، ويُحْدِث الفجوات، بل إنني لا أُبالغ إذا قلت إن عدم العفاف يَسُدُّ بابَ استجابة الدعاء من ناحية، ويُوقِع الضغينةَ بين الناس من ناحية أخرى، وبالجملة يُغَبِّش على القلب، الذي هو مهبطُ الرحمات الربانية، أن يرى الحقَّ حقًّا والباطلَ باطلًا؛ فاللهم نسألك العفافَ والتُّقَى.

من عفاف الباطن

العفافُ الظاهرُ يؤدي إلى العفاف الباطن، وكذلك فإن فقدَ العفافِ الظاهرِ يؤدي إلى فقدِ العفافِ الباطن، والعفافُ الباطن نعني به مجموعةَ الأخلاق التي يصبح بها الإنسانُ إنسانًا.

ومن أنواع العفاف الباطن (الرحمة)، التي نراها مكرَّرة في كلمة الابتداء «بسم الله الرحمن الرحيم»، وفي الحديث: «كلُّ أمرٍ ذي بال لا يُبدأ فيه بذكر الله فهو أبتر» [أبو داود (٤٨٤٠)]، وفي رواية: «ببسم الله»، وفي رواية: «بالحمد لله» (الجامع الكبير للسيوطي)، ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الأوَّلية، الذي جعله المحدِّثون أول حديثٍ يعلِّمونه تلاميذهم: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» [صحيح البخاري ]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لاَ يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ» [صحيح البخاري (٦٠١٣)].

ومن العفاف الباطن (الحِلْمُ والأناة)، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم للأشجِّ عبدِ القيس: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الحِلْمُ وَالأَنَاةُ» [صحيح مسلم (١٧)]. ولقد رأينا أناسًا كثيرين من خلق الله قد فقدوا هاتين الصفتين، وسببُ ذلك أنهم فقدوا العفافَ الظاهر. ولقد بنى المسلمون علومَهم على التدقيق والتحقيق والتثبُّت، وهي صفاتٌ تنبثق عن الحلم والأناة؛ والحلمُ والأناةُ يجعلان الإنسان يرى الحقيقةَ على ما هي عليه، ولا يتسرَّع في تهمة الآخرين، ولا في تأويل تصرُّفاتهم وأفعالهم بصورةٍ ظالمةٍ تخالف الواقعَ والحقيقة، ولا بصورةٍ متحيِّزة.

ولقد نهانا الله سبحانه وتعالى عن التحيُّز في آياتٍ كثيرة، قال تعالى:

{يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ} [المائدة: ٨]

وقال تعالى:

{يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَۚ} [النساء: ١٣٥]

وهذا يقتضي الصدقَ أولًا مع الله ومع النفس، ويقتضي ثانيًا معرفةَ حقيقة الدنيا، وأنها إلى زوال، وأنها مزرعةٌ للآخرة، والآخرةُ هي الحياةُ الحقيقيةُ الدائمة؛ ولذلك نرى أن العفاف الباطني متعلِّقٌ أيضًا بالعقيدة، التي إذا ما فُقِدت فإن الدنيا بأَسْرِها، والأخلاقَ بجملتها، قد لا تعني شيئًا عند الإنسان.

من العفاف الباطني (التواضع)، وفيه يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ» [صحيح مسلم (٢٥٨٨)]، وأمرنا ربنا سبحانه وتعالى في آياتٍ كثيرة بهذا التواضع، وأن يكون لله، ونهانا عن الكِبْر، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ» [سنن أبي داود  (٤٠٩١)].

ويقول ربنا - سبحانه وتعالى في نصيحة لقمان لابنه، التي ربط فيها بين العفاف الباطن والظاهر:

{وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٖ * وَٱقۡصِدۡ فِي مَشۡيِكَ وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلۡأَصۡوَٰتِ لَصَوۡتُ ٱلۡحَمِيرِ}[لقمان: ١٨-١٩].

ومع ذلك فإن الله سبحانه وتعالى فرَّق بين المعاني الدقيقة، فجعل القوَّة في طلب الحق ليست من قبيل الكِبْر، بل من قبيل عمارة الدنيا، قال تعالى:

{يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: ٥٤].

وقال تعالى وهو يشرح هذا المعنى كله:

{أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ} [الفتح: ٢٩].

فنراه سبحانه يستعمل لفظَ العِزَّة، ويستعمل لفظَ الشِّدَّة، وهو الذي نهى نهيًا تامًّا عن الكِبْر والتكبُّر، قال - تعالى: {أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: ٦٠]  ، وقال: {قِيلَ ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: ٧٢]، وقال: {إِن فِي صُدُورِهِمۡ إِلَّا كِبۡرٞ مَّا هُم بِبَٰلِغِيهِۚ} [غافر: ٥٦].

ومن العفاف الباطن (الشهامةُ والنجدةُ والنصرةُ والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر)؛ ولذلك نرى في واقع الناس أن الذي فقد العفافَ الظاهر ليست عنده هذه المعاني، ولا يلتفت إليها، ولا يضعها في مكانها الصحيح، ويرآها نوعًا من أنواع السذاجة، ويجادل فيها بغير علم، قال - تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ} [الحج: ٣]، وفي هذه المعاني يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ قَبْلَ أَنْ تَدْعُوا فَلَا يُسْتَجَابَ لَكُمْ» [سنن ابن ماجه (٤٠٠٤)].

إن هذا كلَّه من (الجهاد الأكبر)، الذي عندما يُفْقَد يَتِيه الجهادُ الأصغر ويضيع؛ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «رَجَعْنَا مِنَ الجِهَادِ الأَصْغَرِ إِلَى الجِهَادِ الأَكْبَرِ» [أخرجه البيهقي في الزهد] وربنا يقول:

{وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ} [الحج: ٧٨].

وبشَّر اللهُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مَن تركَ الجهادَ في سبيله بالذُّلَّة، فقال: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» [سنن أبي داود (٣٤٦٢)]، وعِلَّةُ ذلك أننا لا نستطيع الجهادَ الأصغر إلا إذا رجعنا إلى الجهاد الأكبر، وهو جهادُ النفس، ومُجْمَعُه العفافُ الباطني، وإذا فقدنا الجهادَ الأكبر فقدنا معه الجهادَ الأصغر، فنظل في حيرةٍ لا نعرف لها نهاية.

الخلاصة

قد ترى أن هناك اختلاف بين المتدينين وغير المتدينين في مفهوم العفاف، مع أنه من الأمور المحمودة التي دعى إليها الأنبياء جميعا، وأكد عليها ديننا الحنيف في أكثر من موضع، وبين لنا كثير من أنواعه كالاستئذان والخلوة بالأجنبية والبعد عن السرقة والغش والرشوة.

موضوعات ذات صلة

هـي حالة نفسية تنبع من استعداد داخلي يدفع الإنسان نحو الخير.

هذه الفضيلة ذات سلطان أخلاقي على سائر الفضائل.

دعا الإسلام إلى التعارف والبر والعدل مع جميع الناس حتى مع المخالفين في الدين.

موضوعات مختارة