Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

تطور مفهوم المسئولية ووسائل التربية بين المادية والأدبية

الكاتب

أ.د/ ربيع خليفة عبد الصادق بيومي

تطور مفهوم المسئولية ووسائل التربية بين المادية والأدبية

تتجلّى أهمية التمييز بين الوسائل المادية التي تعتمد على العقاب والمكافأة، وبين الوسائل الأدبية التي ترتقي بالنفس إلى مستوى الضمير والعقل والإيمان.

بين العلم والتطبيق: التهذيب أساس بناء الشخصية

هل معرفتنا بمسئولياتنا تكفي وحدها، وهل العلم وحده وسيلة تامة للعمل؟ والجواب.. كلا.

ألسنا قد نعرف الخير خيرًا ولا نفعله، وقد نعرف الشر شرًا ونفعله؟

انظروا إلى المريض الذي يمنعه طبيبه من بعض أنواع الطعام أو الشراب وهو واثق بنصح الطبيب وصدقه وإخلاصه، ولكنه مع ذلك تنهزم إرادته أمام شهوته فيتناول ما منعه الطبيب وقد ينتكس المريض ومع ذلك يعود إلى الوقوع في المحظور مرة أخرى ذلك.

بل تأملوا في حال مدمن الخمر والمسكرات حين يقوم من نومه يشعر بالصداع والأوجاع وبالذبول وامتقاع اللون وفقد شهيته، وينظر إلى ثيابه فيجدها ملوثة بالقيء، وحين ينظر إلى فراشه فيجده ملوثًا بما هو أقذر من ذلك، وحين يخبره أصحابه بما صدر منه من أقوال وأعمال وتصرفات يستحي منها العاقل في صحوته.

حينئذ يمقت نفسه ويلعن الظروف التي جعلته يسقط هذا السقوط إلى درجة البهائم أو إلى أدنى من درجة البهائم، ولكنه متى دخل الليل نسي ذلك كله وسعى بقدميه إلى مهلكته، ولم يغن عنه علمه ومعرفته، ولم يفد شيئًا من تجاربه المتكررة. لا بد إذًا من شيء آخر بعد العلم والمعرفة، اسمه التهذيب والتربية العملية، لا يكفي أن يكون لنا وزارة معارف، بل يلزمنا أيضًا وزارة تقويم وتأديب، أو على الأقل يجب أن يكون لوزارة المعارف رسالة مزدوجة، جامعة بين التربية والتعليم جميعًا، وفي هذه المناسبة أقول لكم أسماء وزارات المعارف عندنا منذ عهد بعيد، فبعد أن كان اسمها وزارة التعليم أصبح اسمها وزارة التثقيف والتهذيب، والأسماء كما تعلمون لها أثر كبير في التوجيه، ورسم الأهداف، ولذلك اقترحنا على وزارة المعارف أن نعدل اسمها أيضًا بجعله وزارة التربية والتعليم، على أن تكون التربية لها المحل الأول من العناية، ويكون التعليم وسيلة لا غاية.

الوسائل المادية للتربية: بين الردع بألم العقاب والإغراء بالمكافأة

إذا كانت معرفتنا لأنواع مسئولياتنا وحدودها ودرجاتها لا تكفي للقيام بهذه المسئوليات والنهوض بأعبائها والبراءة من تبعاتها، وإذا كان لا بد من وسائل أخرى تحفز إرادتنا وتبعث همتنا على النهوض بتلك المسئوليات، وتمنعنا من إهمال تلك الواجبات، فما تلك الوسائل؟

والجواب أن هناك نوعين من الوسائل لمنع الإهمال والإجرام، وللحصول على مواطن مستقيم يمنح الناس خيره وبره، ويأمن الناس من شره وأذاه: وسائل مادية، ووسائل أدبية.

فأما الوسائل المادية فتنحصر في فرض العقوبات الرادعة لمن تسول له نفسه تعدي حقوق القانون وفرض المكافآت السخية لمن يؤدي واجبه بصدق وأمانة.

فإذا عرف الشرير أن عين الحكومة ساهرة تأخذ كل مذنب بذنبه، وأنها إذا أخذته لم تفلته، وأنها ستفرض عليه الغرامات الفادحة أو أنها ستصادر أمواله، ويحرم من حقوقه، أو أنه سيسجن وسيجوع ويُعرى، ويضرب ويعذب ويعدم، كان ذلك رادعًا طبيعيًّا له عن الإثم والعدوان.

وكذلك إذا عرف العامل أنه لن يضيع عمله هباءً، وأنه سيكافأ على قدر جده واستقامته، كان ذلك مغريًا له بالجد والاستقامة.

إن هذا النوع من الوسائل بشقيه من عقوبات أو مكافآت هو أحط أنواع التربية وأبعدها عن القيم الإنسانية، وفي الوقت نفسه هو أضعف أنواع العلاج أثرًا، وأسرعها تقلبًا وأقلها ثباتًا.

أما أنه أضعف أنواع العلاج أثرًا وأقلها ثباتًا وأسرعها تحولًا فلأنه مرتبط بأسباب خارجية، معرض للزوال بزوالها، فمتى اطمأن الشرير أنه بمأمن من طائلة العقاب لم يحجزه حاجز عن ارتكاب ما يريد من الشر والفساد لأنه ليس له وازع من أخيلة ضميره، ومتى يئس العامل من أن يكافأ على عمله فتُرَت همته وضعفت باعثته على الجد والإنتاج؛ لأنه لا يركن من نفسه إلى باعثة داخلية.

وأما أن هذا النوع من التربية أبعد عن القيم الإنسانية فلأنه يستغل غريزتين من غرائز الحيوان؛ وهما غريزتا الخوف من الألم المادي والشر والحرص على اللذة المادية.

فاستخدام وسائل التخويف من العقوبات والإغراء بالمكآفات في التربية نزول بالإنسان إلى رتبة الحيوانية.

أسلوب الترغيب والترهيب في التربية الدينية

قد يعترض عليَّ معترض بأن الأديان السماوية كلها قد لجأت في دعوتها إلى وسائل الترغيب في الثواب بالجنة، والتخويف من العقاب بالنار، فأنا أجيب عن هذا الاعتراض بأجوبة ثلاثة:

أ- إن هناك فرقًا بين الأجزية الآجلة والأجزية العاجلة، والخوف من العقاب المؤجل والطمع في الثواب المؤجل أرقى من الخوف والطمع في الأشياء العاجلة لأنه يعتمد على مبادئ عقلية وفضائل نفسية، وخصائص إنسانية، فإن العاقل لا يتبع الحاضر بالغائب، والمصلحة العاجلة بالمصلحة الآجلة، إلا إذا فكر في عواقب الأمور وكانت له عقيدة ثابتة في العاقبة، وكانت ثقته بما عند الله أشد من ثقته بما في يده، وكان له من قوة الضمير وضبط النفس ما يدفع عنه منتظر المغريات، ولا شك أن الحيوان لا يصل إلى هذه الرتبة لأنه لا يفكر في مقارنة المصالح القريبة والبعيدة، ولا يؤثر الخطر البعيد على الخطر القريب، بل تكبه شهوته بما تشتهي في الحال، ويبعده خوفه عما يخاف في الحال.

ب- إن المؤمن الحقيقي لا يرى في نعيم الجنة مطلب الحقيقي المقصود لذاته، ولكنه يرى فيه دلالة على التقدير الأدبي والرضا الإلهي، كما أن العاقل لا يفرح بالوسام الذي يهدى له لقيمته المادية، ولكن لقيمته المعنوية لأنه رمز للجدارة والاستحقاق.

ج- مهما يكن من أمر فإننا لا ننكر أن هناك صنفًا من الناس لا يصلح إلا عن طريق الرغبة والرهبة، وأنه لا بد في إصلاحه من استعمال وسائل الترغيب والترهيب.

ولكننا نقول إن هذا الصنف أدنى إلى الحيوان منه إلى الإنسان، فهو يعد من قبيل الشذوذ والاستثناء في الطبيعة الإنسانية أو كأنه لا يزال في دور الطفولة التي هي أقرب الأدوار إلى دور الجمادات، ولكنه متى كمل عقله ونضجت ملكاته وجب أن تكون تربيته من طريق آخر غير طريق الإغراء والتخويف.

وفي الحقيقة أننا إذا درسنا أسلوب التربية القرآنية بالترغيب والترهيب نجد أن هذا الأسلوب كان أكثر استعماله في الدور الأول من الرسالة، وأنه أخذ يضمر ويتضاءل بعد هذا الدور التمهيدي وأخذ يحل محله النوع الثاني من التربية وهي الوسائل الأدبية.

الخلاصة

الوسائل المادية في التربية، وإن كانت ضرورية في بعض الحالات، تظل أدنى مراتب التهذيب لأنها تعتمد على الخوف والطمع، أي على الغرائز الحيوانية، أما الوسائل الأدبية القائمة على الضمير والعقيدة فهي أرقى أنواع التربية وأكثرها ثباتًا وأعمقها أثرًا.

موضوعات ذات صلة

الدراسات الاجتماعية تسهم في ترسيخ قيم المواطنة وبناء مجتمع عالمي متعاون.

الأسرةُ هي الدرعُ الحصين، وهي أهلُ الرجل وعشيرته، والجماعةُ التي يربطها أمرٌ مشتركٌ.

تواجه الأسر في العصر الحديث تحديات كبيرة، لكنها ليست مستعصية على الحل.

موضوعات مختارة