لغة: تدل مادة (عقد) في مختلف استعمالاتها
على معاني التوكيد والتوثيق والإبرام، سواءً كان ذلك في الجانب الحسي، أو الجوانب
المعنوية، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِن یُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَیۡمَٰنَۖ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي:
أقسمتم به مع النية التامة والقصد الكامل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعۡزِمُوا۟ عُقۡدَةَ ٱلنِّكَاحِ﴾
[البقرة ٢٣٥]. ومن هنا جاءت
كلمة (عقيدة)؛ لتدل على ما يدين الإنسان به، ويعقد عليه القلب والضمير. [المصباح
المنير، مادة: عقد، ولسان العرب، لابن منظور ٣/ ٢٨٨]
واصطلاحا: كلمة (عقيدة) تتسع في المحيط الإسلامي
لتدل على فعل الاعتقاد نفسه حينا، ولتدل على "محتوى الاعتقاد وموضوعه"
حينا آخر، كما تدل على "العلم" الذي يتكفل ببيان الأمرين جميعًا.
فيما يتعلق بفعل
الاعتقاد نفسه، فإن الاعتقاد الصحيح يجب أن يكون مصحوبًا بالجزم والتيقن والإذعان،
وأن يتخلص من شوائب الظن الذي يعني التردد بين طرفين ثم الميل إلى الطرف الراجح
منهما، ومن شوائب "الشك" الذي يعني التردد بين طرفين دون ميل إلى
أحدهما، ومن شوائب "الوهم" الذي يعني التردد بين طرفين ثم الميل إلى
الطرف المرجوح منهما. [السنوسي: شرح الكبرى: ص ٣، وأيضا: شرح العقائد
النسفية ١/ ٩ - ١٠.]
وحين يتخلص
الاعتقاد الصحيح من هذه الشوائب - بما تعنيه من اهتزاز وارتياب - فإنه يكون
مقترنًا بإذعان العقل، وسكون النفس، وانشراح الصدر، ومن ثَمَّ يصير هذا الاعتقاد
باعثًا لصاحبه على أداء التكاليف العملية، كالصلاة والصيام وغيرها في طواعية ويسر،
كما يكون دافعًا لصاحبه على الالتزام الأخلاقي والسلوك السوي، مصحوبًا بمراقبة
الله عز وجل في السر والعلانية، حتى يبلغ ذلك الاعتقاد بصاحبه إلى مرتبة الإحسان
التي عبر عنها قوله ﷺ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». [البخاري: كتاب الإيمان،
ومسلم: كتاب الإيمان]
من أجل ذلك، فإن الاعتقاد الصحيح يجب أن يكون
مؤسسًا على الدليل اليقيني القاطع، سواء كان دليلًا إجماليًا أو تفصيليًا، فالدليل
الإجمالي مثلًا على وجود الله تعالى واتصافه بصفات الكمال هو: العالم بكل ما فيه من
بديع الصنع ومظاهر الحكمة ودلائل النظام والاتساق والإحكام. والدليل الإجمالي على
صدق النبي ﷺ فيما
بلغه عن ربه سبحانه وتعالى هو: ما أيده الله تعالى به من باهر المعجزات، وأعظمها
القرآن الكريم نفسه، وما اشتملت عليه رسالته السامية من هداية للبشرية، وما نعمت
به في ظلها من الرفاهية والأمن والسعادة.
ولئن كان
الاعتقاد الصحيح مؤسسًا على الدليل اليقيني القاطع، فهو بالضرورة مطابق للحق
وللواقع بلا ريب، وعلى هذه الأسس الثلاثة - الجزم، والتأسيس على الدليل، والمطابقة
للواقع - يترسخ الاعتقاد الصحيح في الإسلام، ويصير فرقانًا بين الحق والباطل، وبين
الكفر والإيمان، وبين الهدى والضلال [قارن شرح المقاصد للتفتازانى ٢/ ١٩٤، وتبصرة الأدلة: لأبى المعين النسفي
١/ ٤٣ والشرقاوي على الهدهدي ص ٤٠]، كما
يصير مرادفًا للعلم المأمور به في قوله تعالى: {فَٱعۡلَمۡ
أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ} [محمد ١٩]
أما محتوى
الاعتقاد أو "المعتقدات"، فتشمل منظومة من العقائد التي تتعلق
بجانب الألوهية وتسمى الإلهيات، وتشمل مجموعة من العقائد التي تتعلق بالأنبياء
عليهم السلام وتسمى النبوات، وتشمل أخيرًا طائفة من العقائد التي تتعلق بالأمور
الغيبية التي ورد بها السمع (أي: الكتاب والسنة الصحيحة) وتسمى السمعيات.