كما
أشرنا سلفًا وكذلك دعوى القائلين بتأليه البشر بكل صنوفهم، وكذلك ما يذهب إليه
الوثنيون بكل توجهاتهم الاعتقادية؛ فإذا انضم إلى رصيد الفطرة الأدلة الواضحة على وجوده
– تعالى – ووحدانيته، مما صاغته عقول الموحدين في كل زمان لكان لذلك كله الأثر
البالغ في بناء الاعتقاد علي أسس سليمة، وسنذكر بعضًا من هذه الأدلة في دائرتين: دائرة
الفكر الإسلامي، ودائرة الفكر الغربي وسيطًا وحديثًا [لا شك في أن الدليل في حد ذاته هو نتاج العقل، ولا يرتبط
بزمان أو مكان أو أشخاص، غير أن طريقة التفكير في صياغة هذا الدليل تختلف من شخص
إلى آخر، كما أن معرفة ما وراء ظاهر الدليل من روح وثابة أو متخاذلة هو الذي يقتضي
هذه الفوارق، غير أن القرآن الكريم يبقى وحده المحتوى على حنوف الأدلة وخصائصها
التي تخاطب كل مستويات المدارك الإنسانية، من حسية ووجدانية وشعورية وعقلية وروحية
صوفية؛ بطريقة سهلة بسيطة، لينضم بذلك إلى إعجاز هذا الكتاب العزيز دليل آخر على
أنه كتاب من لدن حكيم حميد، وتبقى المناهج البشرية دونه في التأثير النفسي والروحي
والعقلي].
أولًا: دائرة الفكر الإسلامي: أ- دليل الممكن والواجب: هو
دليل الفلاسفة المسلمين المشائيين، وهو انعكاس واضح لدليل أرسطو في هذا السياق؛
لأنه يعتمد على مبدأ ثنائية الوجود الذي قال به هذا الفيلسوف، وقد ردده أتباعه من
فلاسفة المسلمين، وعلى رأسهم الفارابي ومن تأثر به وبأستاذه - المعلم الأول - في هذه
القضية.
والوجود
عند هؤلاء ينقسم قسمين: وجود واجب، ووجود ممكن، ووجود الواجب هنا معتمد على أن الوجود
الممكن يستحيل أن يمر في تسلسل وجوده إلى غير نهاية؛ لأن التسلسل باطل، وإذا أردنا
رفع هذا البطلان المتصور فلا بد من الاعتراف بوجود هو الوحيد الذي يقطع حلقات
التسلسل ومن خصائص هذا الدليل أنه محصور في دائرة الوجود كحقيقة ذهنية مطلقة، بغض
النظر عن العالم الخارجي المشاهد، حيث إن طبيعة الوجود من اتخاذها منطلقًا للتفكير
هي الكافية في هذا السبيل، ويقول الفارابي في ذلك: لك أن تلحظ عالم الخلق فترى فيه
أمارات الصنعة، ولك أن تعرض عنه وتلاحظ عالم الوجود المحض، وتعلم أنه لا بد من
وجود بالذات، وتعلم كيف ينبغي أن يكون ما عليه الوجود بالذات، فإذا اعتبرت عالم
الخلق فأنت صاعد، وإذا اعتبرت عالم الوجود فأنت نازل، تعرف بالنزول أن ليس هذا
ذاك، وتعرف بالصعود أن هذا غير هذا [فصوص الحكم: صـ ١٣٩].
ويستشهد الفارابي هنا بآية كريمة نراها في معناها
شاملة لهذا الدليل بطريقتيه: الصعود من عالم الحسي، والشهادة المتغير إلى عالم
الوجود الثابت، وذلك ظاهر في صدرها، ومن هذا العالم الثابت ننزل إلى عالم الشهادة،
يقول الحق – سبحانه - في عالم الحسي وتنوعه وتغيره: {سَنُرِيهِمۡ
ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ
أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ أَوَلَمۡ يَكۡفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ
شَهِيدٌ} [فصلت: ٥٣] (طريقة الصعود).
(طريقة
النزول): وصيغة هذا الدليل عند ابن سينا لا تختلف كثيرًا عن صيغتها عند الفارابي،
وأما في المعنى والمضمون فهما دليل واحد، يقول الشيخ الرئيس: تنبيه: "تأمل
كيف لم يحتج بياننا لثبوت الأول ووحدانيته وبراءته من السمات إلى تأمل لغير الوجود
...، وهذا الباب أوثق وأشرف - من النظر إلى عالم الحس والشهادة - وهذا حكم لقوم هم
الصديقون ... في مقابلة حكم لقوم [الإشارات
والتنبيهات: ج ١ صـ ٢١٤] - الجمهور الذين يفهمون لطريقة الصعود -، كما ذكرنا آنفًا هذا هو دليل
(واجب الوجود )، ويلحظ العقل هنا أن وجوده لذاته أي: أنه بلغة الفلاسفة علة وجوده
في مقابلة الممكن الذي يكون وجوده، أو عدمه إنما يكون لعلة خارجة عنه أوجدته إن كان
في عالم العدم، أو أعدمته إن كان في علم الوجود، فكل واحد منها لا يحدث فيه لذاته،
بل لعلة خارجية هي سبب إحدى الحالتين، من ثم يمكن أن نطلق عليه الممكن في ذاته،
القابل الوجود والعدم لغيره، ويستحيل عقلًا تجاوز هذا السبب لما يترتب عليه من
المحال العقلي، وهو الترجيح للوجود أو العدم الذاتي بلا مرجع، ومن أحكام الممكن
فوق ما ذكرنا أن وجوده بعد عدمه يدل على حدوثه، كما أن عدمه بعد حدوثه يدل على حدوثه
أيضًا، وإلا تساوي الواجب والممكن في رتبة الوجود، كما أنه لا بد أن يكون متأخرًا
في وجوده عن وجود سببه وعلته.
ب -
دليل الحدوث للجواهر والأعراض: وقد أخذ بهذا الدليل جمهور المتكلمين والأشاعرة منهم بصفة خاصة، وقد
بنى لديهم على ثلاث مقدمات هي: الجواهر لا تنفك عن الأعراض- الأعراض حادثة - ما لا
ينفك عن الحوادث فهو حادث مثلها، من ثم أقام المتكلمون الدليل على حدوث هذه
الأعراض، وهو تردد الأجسام بين الحركة والسكون، أي: أن الجسم يمكن أن يتحرك أو
يسكن، وعلى هذا فالحركة بعد السكون، أو السكون بعد الحركة دليل علي حدوثها -
الأعراض - وبالضرورة حدوث الأجسام التي تقوم بها، وتعاقب الحركة والسكون على الأجسام
يدل على أمرين:
أولهما:
أن
العرض لا يقوم بالعرض؛ لأنه لا بد من التفرقة بين الوصف (الحركة هنا)، والموصوف الذي
هو الجسم المتحرك.
ثانيهما: أن العرض لا يبقى زمانين؛
لأنها- الأعراض - متى عرضت للأجسام في حالة فإنها تغادرها في الحالة الثانية، وإذا
كان الأمر كما بيَّنا فإن عدم انفصالها عن الجواهر مع ضرورة حدوث الأعراض يدل على حدوث
الأجسام أيضًا، ومن جهة أخرى أن الأجسام لم تسبق الحوادث، وما لم يسبق المحدث، فهو
محدث مثله، كما أنها لم توجد مثلها، فدل ذلك كله على حدوثها [لمعرفة ما
يمكن أن يوجه إلى هذا الدليل من الاعتراضات، والشبه التي تترتب على الأخذ به: انظر:
د / محمود قاسم في مقدمته كتاب: مناهج الأدلة، لابن راشد صـ١٢ وما بعدها، ط،
القاهرة سنة ١٩٦٤].
ج -
دليل الجواز أو الإمكان: وهو مبني لدى من أخذ به من المفكرين على مقدمتين:
أولاهما: أن العالم بجميع ما يحتويه جائز أن
يكون على مقابل ما هو عليه الآن، من الكبر أو الصغر أو كل أنواع التقابل، ونضرب
لذلك مثلًا يوضح الفكرة: من الممكن أن يوجد عالم تطلع الشمس فيه من مغربها بدلًا
من طلوعها من مشرقها الآن، وإذا كانت هذه العملية المتصورة ترتبط بتغيرات أخرى
تتفق مع تصور هذه الظاهرة، كما تقررها علوم الطبيعة الفلكية؛ فإن هذا الجواز في ذاته
دليل علي حدوث العالم وبالضرورة على وجود محدث هو الله - تعالى -، وقد جاء في القرآن
الكريم بعض الآيات التي تدل على ذلك، كقوله - تعالى -: {أَلَمۡ
تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا
ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَيۡهِ دَلِيلٗا} [الفرقان:
٤٥]،
ويرادفها كل الآيات التي تبرز إطلاق المشيئة الإلية في إمكان خلق عالم آخر يكون في
ظواهره ذا منطق جديد كقوله تعالى أيضًا: {وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا
يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم} [محمد: ٣٨].
وأمَّا المقدمة الثانية فلازمة للأولى وهي:
أن ما يكون كذلك فهو حادث؛ لأنه قابل للتحول من حال إلى حال، وهذا شأن جميع الحوادث.
د - دليل العناية والاختراع: وقد قال به ابن رشد، وهو في الواقع
دليلان، ويمكن الجمع بينهما بقولنا: إن الله - سبحانه وتعالى - قد أوجد
العالم على غير مثال سابق، ووجود الأشياء المحسوسة أمر واقعي، وكونها كذلك يعني أنها
حادثة، وجدت لأهداف وأغراض معينة، وكونها كذلك - أيضًا - يعني أن وجودها ليس عبثًا،
وكونها سائرة إلى أهدافها على طريقة منتظمة لاعوج فيها ولا أمتا دليل على أن هناك
سببًا جعلها كذلك، حيث برزت عنايته بها واضحة للعيان والبداهة معًا، وهو ما يتفق
مع ما جاء به الشرع في قضية الخلق، والعناية به والغاية من وجوده.
وقد
نسب هذا الدليل إلى ابن رشد، والحق أنه مسبوق بذلك لدى الأشعري في كتابيه الإبانة،
واللمع عند التحقيق والتدقيق، وهناك أدلة أخرى يمكن عند التدقيق فيها نراها لا تخرج عما ذكرنا، من
ثم فلا داعي لذكرها.
هـ
- الدليل الغائي:
وهذا الدليل موجود من قبل لدى أفلاطون - أرسطو - الفلاسفة الإسلاميين وبخاصة ابن رشد،
والمتكلمين من الأشعرية، وهو يعتمد على أساس واضح من نظام الكون وصيرورته إلى
غايته بطريقة واعية دقيقة، وحسب قوانين هي النواميس الآلية التي أعطى الله بها كل شيء
خلقه ثم هدى، ولعل أرق عبارة قيلت في هذا السبيل ما صرح به القديس أوغسطين من أن
العالم نفسه بتغيره المنظم تنظيمًا عجيبًا، وبأشكاله البديعة يعلن في صمت أنه
مصنوع، وتزكية هذا الدليل أكثر من أن تحصى، غير أن هذا الدليل لم يَسْلَم أيضًا من:
ديكارت - باسكال – كانت، حيث عارضه كل واحد منهم من وجهة نظره، ونرى أن هذا أمر طبيعي،
إن الإجماع على صحة دليل حتى ولو كان بدهيًّا أمر مستحيل.
و -
الدليل الأخلاقي: وقد
جاء هذا الدليل لدى "كانت" حيث ذهب إلى أن الطريقة التقليدية
للمعرفة - العقلية والحسية - ينبغي أن تتطور إلى المعرفة الروحية التجريبية، التي يطلق
عليها اسم التجربة الأخلاقية، أو الدليل الأخلاقي القائم على أساس تصور العقل النظري
في الوصول إلى حقائق الأشياء.
وهذا الدليل يتخذ إحدى صورتين: الاستدلال من وجود قانون أخلاقي
مطلق للوصول إلى وجود مشرع قرر هذا القانون، والاستدلال من عدم المواءمة بين
الفضيلة والسعادة في هذه الحياة إلى إثبات وجود موجود فيه من الخير، ومن القدرة ما
يمكنه من التوفيق بينهما، وصياغة هذا الدليل بصورتيه إنما تكون كالآتي:
١- أن القانون الأخلاقي هو مجموعة أوامر ونواه
إجبارية، قد تكون متنافرة مع غرائزنا، ورغباتنا لتلزم إرادتنا بما هو عسير عليها،
وهذا القانون هو وحده الكفيل والقادر على قهرها على سلوك يتعبها ويضنيها، وقد
عبر عن مصدر هذا القانون بقوله: أيها الواجب لست أدري في أي أرض نبت، ولأي شجرة
كانت الثمرة المنتقاة، إنك لا تقدم إلى الإنسان ما يسره ويلذ له، بل تقدم إليه ما
يتعبه ويفنيه، ولكنك في مقابل ذلك تعلماه كيف يقدر شخصيته ويحفظ كرامته، وإذا
ثبت هذا، وجب أن يكون ذلك القانون صادرًا عن قوة لا من البأس والسلطان ما يجعل
أوامرها ملزمة للإرادات البشرية، وتلك القوة هي الإله ذاته، ولمَّا كان تصور
الخلقية أمرًا مرتبطًا بالسعادة الإنسانية؛ وكان هذا الارتباط وثيقًا غير قابل
للانفصال؛ لأنه يمكن أن يلخص في هذه العبارة: اعمل كل ما يمكن أن يعيدك إلى تلك السعادة؛
بحيث تكون جديرًا بها، فإن هذا يدل على أن إرادتنا إذا رغبت في تلك السعادة لا بد
أن تكون مذعنة لذا القانون، ولا يكون ذلك إلا لله، الذي هو مصدر كل خير وسعادة [د / محمد غلاب: مشكلة
الألوهية صـ ٨٤، وعثمان أمين: ديكارت ص ١٣٨].
هذه رحلة في الواجب كأحد أطراف قوانين
العقل المشار إليها وتطبيقاته على واجب الوجود الذهني
والخارجي،
وأدلة هذا الوجوب لدى دوائر مختلفة من دوائر الفكر الإنساني: اليوناني منه،
والوسيط والحديث، والإسلامي منه بأظهر مدارسه الفلسفية والكلامية، وهي رحلة لازمة؛
لأن الحديث عن الْحُكمين الأخيرين الممكن والمستحيل، لا يتأتى على وجه صحيح إلا
بعد الحديث بدقة وعناية عن الواجب ونأمل أن يكون قد وصلنا إلى هذه الغاية.