Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

أحكام العقل: الواجب - الممكن - المستحيل

الكاتب

أ.د. محمد عبد الستار نصار

أحكام العقل: الواجب - الممكن - المستحيل

تُشكل أحكام العقل الثلاثة (الواجب، والممكن، والمستحيل) حجر الزاوية في التفكير الفلسفي والمنطقي، ودور هذه الأحكام في بناء الدليل على وجود الله ووحدانيته.

ملاحظة: (إنما سميت بأحكام العقل تميزًا لها عن الأحكام الأخرى، سواء أكانت أحكامًا شرعية، أم غير ذلك من أحكام العرف والعادة في العلوم الأخرى).

تعريف المعاني العقلية وأنواعها

المعني بأحكام العقل هم المشتغلون بالقضايا العقلية البحتة من الفلاسفة والمناطقة، على اعتبار أن المنطق هو آلة العمل الفلسفي والمدخل إليه، من ثم يقسمون المعاني المقررة إلى:

أولًا: معنى مفرد جزئي.

ثانيًا: معنى مفرد كلي.

والمعنى لديهم هو: الصور الذهنية من حيث إنها وضع بإزائها الألفاظ، فإن عبر عنها بألفاظ مفردة، فهي المعاني المفردة، وإن عبر عنها بألفاظ مركبة فهي المعاني المركبة، والأول موضوعه التصورات، والثاني "القضايا".

والمعنى المفرد الجزئي هو: ما يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، مثل: هذا الإنسان، إشارة إلى إنسان بعينه، حيث إن الإشارة إليه إذا حصل مفهومها في العقل، فإنه يقرر امتناع صدقه علي كثيرين.

يقول في ذلك قطب الدين الرازي شارح (الرسالة الشمسية) للكاتب: "فإن"الهاذية" - يعني الإشارة - هذا إذا حصل مفهومها في العقل امتنع بمجرد تصوره عن صدقه على متعدد". [القطب علي الشمسية ص ٤٥ط. الحلبي - القاهرة سنة ١٩٤٨].

وأما المعنى المفرد الكلي فهو: ما لا يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه، مثل: الإنسان غير مشار به إلى شخص بعينه، ولكن يظل على إطلاقه، وهو بذلك يدل على أفراد كثيرين يندرجون تحته، وَمَثَّل: الشجرة فإن معناها يشمل أفرادًا كثيرين... إلخ.

ومن الجدير بالذكر أن المناطقة هنا يقفون طويلًا أمام قضية نفس التصور للمعنى ويقصدون بذلك ملاحظة الذهن للمعنى الكلي دون علاقته بالوقوع الخارجي، ويضربون مثلًا لذلك بواجب الوجود، فإن مجرد تصور الذهن له لا يمنع إطلاقه علي كثيرين، وأمَّا كونه واحدًا في خارج الذهن عند القائلين بوحدانيته - سبحانه وتعالى -، فإنما يرجع إلى الدليل الخارجي الذي نصب للدلالة على هذه الوحدانية، وهذه مسألة حاور فيها القرآن الكريم جميع المشركين من جميع الطوائف غير المؤمنة بالوحدانية، أو النافين لوجوده - سبحانه تعالى، من الدهريين الذين قالوا: نموتُ ونَحيا وما يهلكنا إلا الدهر، ثم مع غيرهم، الذين حصرتهم الآية الكريمة في قوله تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ} [الحج: ١٧]، وما جاء في ثنايا القرآن الكريم من الآيات التي طلبت من كل فريق من غير المؤمنين أن يقدم برهانه على ما يقول، كما جاء في قوله تعالى: {قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} [البقرة: ١١١] وجاءت هذه الآية ردًا على أهل الكتاب الذين قالوا:  لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، فبين القرآن أن قولهم هذا من قبيل الأماني التي لا دليل عليها ولا برهان، وما يقال هنا ينسحب علي جميع المواقف الشاذة من غير المستحبين لمنطق الإيمان بالإله الواحد الذي لا شريك له، فضلًا عن القائلين بإنكار وجوده، كما جاء في قول القرآن الكريم حاكيًا قول الدهريين، فقال: {وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا يُهۡلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهۡرُۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ *وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتُواْ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ * قُلِ ٱللَّهُ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يَجۡمَعُكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ} [الجاثية: ٢٤-٢٦]، ونشير هنا إلى مسألة هامة أكد عليها المناطقة حين قالوا: ولا يقال: إن هذا النوع من الألفاظ هو من قبيل الجزئي لا الكلي لأنا نقول: إن الفرق واضح بين الجزئي الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وبين هذا النوع من الكلي؛ لأن المانع من إطلاق هذا النوع علي كثيرين ليس راجعًا إلى طبيعة تصوره، بل لعدم أفراد له متعددة خارج الذهن، كما لا يقال أيضًا: إن اسم محمد هو من قبيل الكلي؛ لأنه يطلق على كثيرين؛ لأنا نقول: إن كل واحد من المشتركين في هذا الاسم ليس راجعًا إلى طبيعة معينة ألزمتهم الإشراك، وإنما هو أمر اتفاقي، ثم من ناحية أخرى يرجع إلى ضيق اللغة - أي لغة - عن إيجاد اسم خاص لكل مسمى [الوسيط في المنطق الصوري د / محمد نصار، ط خامسة، ص ٥٤- القاهرة سنة ٢٠٠٥]، كما أن هناك بعض الخصائص التي يتميز بها كل فرد عن غيره، وهذا ما أثبته العلم الحديث، وبخاصة علم الأجنة الذي أنت هي إلى أن الأخوين التوأمين في كل واحد منهما من الخصائص ما يميزه عن الآخر.

كانت هذه مقدمة لا غنى عنها لتهيئة الذهن إلى الموضوع الذي نحن بصدده؛ لأنه حديث عن المعاني الذهنية، وتضرب له الأمثال من الواقع الخارجي للبيان والإيضاح.

الحكم الأول: الواجب (الوجوب) تعريف الواجب

هو الثابت الذي لا يقبل الانتفاء أصلًا لذاته، وينقسم قسمين: واجب ذهني، وواجب خارجي.

فالواجب الذهني من خصائصه الثبات والدوام، ويطلق على ما يقبل ذلك خارج الذهن كثبات مفهوم الزوجية للأربعة أي: لكل عدد يقبل القسمة على اثنين دون كسور، ولزوم الفردية للعدد ثلاثة، ويتصور في كل عدد يقبل القسمة على واحد ومضاعفاته دون زيادة أو نقص، ويسمى الثبوت هنا بالثبوت الذهني؛ إذ اقتصر الأمر فيه على العدد المجرد، والثبوت الخارجي للمعدود الذي يضرب مثلًا لتأكيد الثبوت الذهني، كما يطلق الثبوت الواجب في الخارج علي واجب الوجود لدى المؤمنين به الذين قام الدليل لديهم على أنه تعالى هو الأول والآخر، والمطلق الخارج عن مقولات الزمان والمكان .

أدلة واجب الوجود في القرآن الكريم

من ثم يقرر العقليون من المؤمنين وغيرهم ممن استقامت مناهجهم في البحث إلى أن واجب الوجود في خارج الذهن ليس له، إلا فرد واحد هو الحق - سبحانه وتعالى - بذاته وصفاته الكمالية والجلالية، وهذا ما تنادي به الفطر السليمة والعقول المستقيمة فالآية الموسومة بآية الميثاق، وهي التي يقول فيها القرآن:  {وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ * أَوۡ تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أَشۡرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةٗ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ} [الأعراف: ١٧٢-١٧٣]  فيها تقرير للربوبية الحقيقية، وبهذا تسقط جميع الألوهيات والربوبيات المزعومة، كما تحمل شهادة النوع الإنساني علي ذلك درءًا للغفلة أو التقليد، ذلك المعنى السلبي الذي يمثل وصمة في جبين الإنسان الذي يلغي عقله ويؤثر عليه المحاكاة للآباء، والأجداد، حتى لو جاءهم الداعي بأهدى مما وجدوا عليه آباءهم، كما صرح القرآن بذلك في قوله - تعالى - : {وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّقۡتَدُونَ * قَٰلَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكُم بِأَهۡدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمۡ عَلَيۡهِ ءَابَآءَكُمۡۖ قَالُوٓاْ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ} [الزخرف: ٢٣-٢٤]، لقد كان ذلك الاعتراف واضحًا وصريحًا في عالم وجودي آخر، هو عالم الذر الذي يسبق هذا العالم الذي تحقق فيه الوجود العيني، بكل ما فيه من موجودات تنوعت خصائصها واهتدى كل مخلوق منها إلى سبيله، تلك الموجودات التي قرر القرآن أنها جميعها بكل أطيافها مسبحة بحمد خالقها - سبحانه وتعالى - كما قال - جل شأنه -: {وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا} [الإسراء: ٤٤].

وقد تنوعت آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن وجود الله تعالى، وتوحيده سبحانه بكل صوره: توحيد الربوبية أو الخالقية وتوحيد العبودية وتوحيد الذات والصفات، وتوحيد القصد والطلب، كما جاء في بعض مؤلفات علم العقيدة لدى بعض الفرق [هذا التقسيم واضح جدًا في العقيدة الطحاوية وشرحها، كمثال لهذه الكتب]، ويلزم من هذه الصورة للتوحيد بمعناه الشامل نقض دعوى المشركين بكل نحلهم وطوائفهم، كدعوى الدهريين الذين قالوا: {نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا يُهۡلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهۡرُۚ} [الجاثية: ٢٤].

أدلة واجب الوجود في دائرتي الفكر الإسلامي والغربي

كما أشرنا سلفًا وكذلك دعوى القائلين بتأليه البشر بكل صنوفهم، وكذلك ما يذهب إليه الوثنيون بكل توجهاتهم الاعتقادية؛ فإذا انضم إلى رصيد الفطرة الأدلة الواضحة على وجوده – تعالى – ووحدانيته، مما صاغته عقول الموحدين في كل زمان لكان لذلك كله الأثر البالغ في بناء الاعتقاد علي أسس سليمة، وسنذكر بعضًا من هذه الأدلة في دائرتين: دائرة الفكر الإسلامي، ودائرة الفكر الغربي وسيطًا وحديثًا [لا شك في أن الدليل في حد ذاته هو نتاج العقل، ولا يرتبط بزمان أو مكان أو أشخاص، غير أن طريقة التفكير في صياغة هذا الدليل تختلف من شخص إلى آخر، كما أن معرفة ما وراء ظاهر الدليل من روح وثابة أو متخاذلة هو الذي يقتضي هذه الفوارق، غير أن القرآن الكريم يبقى وحده المحتوى على حنوف الأدلة وخصائصها التي تخاطب كل مستويات المدارك الإنسانية، من حسية ووجدانية وشعورية وعقلية وروحية صوفية؛ بطريقة سهلة بسيطة، لينضم بذلك إلى إعجاز هذا الكتاب العزيز دليل آخر على أنه كتاب من لدن حكيم حميد، وتبقى المناهج البشرية دونه في التأثير النفسي والروحي والعقلي].

أولًا: دائرة الفكر الإسلامي: أ- دليل الممكن والواجب: هو دليل الفلاسفة المسلمين المشائيين، وهو انعكاس واضح لدليل أرسطو في هذا السياق؛ لأنه يعتمد على مبدأ ثنائية الوجود الذي قال به هذا الفيلسوف، وقد ردده أتباعه من فلاسفة المسلمين، وعلى رأسهم الفارابي ومن تأثر به وبأستاذه - المعلم الأول - في هذه القضية.

والوجود عند هؤلاء ينقسم قسمين: وجود واجب، ووجود ممكن، ووجود الواجب هنا معتمد على أن الوجود الممكن يستحيل أن يمر في تسلسل وجوده إلى غير نهاية؛ لأن التسلسل باطل، وإذا أردنا رفع هذا البطلان المتصور فلا بد من الاعتراف بوجود هو الوحيد الذي يقطع حلقات التسلسل ومن خصائص هذا الدليل أنه محصور في دائرة الوجود كحقيقة ذهنية مطلقة، بغض النظر عن العالم الخارجي المشاهد، حيث إن طبيعة الوجود من اتخاذها منطلقًا للتفكير هي الكافية في هذا السبيل، ويقول الفارابي في ذلك: لك أن تلحظ عالم الخلق فترى فيه أمارات الصنعة، ولك أن تعرض عنه وتلاحظ عالم الوجود المحض، وتعلم أنه لا بد من وجود بالذات، وتعلم كيف ينبغي أن يكون ما عليه الوجود بالذات، فإذا اعتبرت عالم الخلق فأنت صاعد، وإذا اعتبرت عالم الوجود فأنت نازل، تعرف بالنزول أن ليس هذا ذاك، وتعرف بالصعود أن هذا غير هذا [فصوص الحكم: صـ ١٣٩].

 ويستشهد الفارابي هنا بآية كريمة نراها في معناها شاملة لهذا الدليل بطريقتيه: الصعود من عالم الحسي، والشهادة المتغير إلى عالم الوجود الثابت، وذلك ظاهر في صدرها، ومن هذا العالم الثابت ننزل إلى عالم الشهادة، يقول الحق – سبحانه - في عالم الحسي وتنوعه وتغيره: {سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ أَوَلَمۡ يَكۡفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ} [فصلت: ٥٣] (طريقة الصعود).

(طريقة النزول): وصيغة هذا الدليل عند ابن سينا لا تختلف كثيرًا عن صيغتها عند الفارابي، وأما في المعنى والمضمون فهما دليل واحد، يقول الشيخ الرئيس: تنبيه: "تأمل كيف لم يحتج بياننا لثبوت الأول ووحدانيته وبراءته من السمات إلى تأمل لغير الوجود ...، وهذا الباب أوثق وأشرف - من النظر إلى عالم الحس والشهادة - وهذا حكم لقوم هم الصديقون ... في مقابلة حكم لقوم [الإشارات والتنبيهات: ج ١ صـ ٢١٤] - الجمهور الذين يفهمون لطريقة الصعود -، كما ذكرنا آنفًا هذا هو دليل (واجب الوجود )، ويلحظ العقل هنا أن وجوده لذاته أي: أنه بلغة الفلاسفة علة وجوده في مقابلة الممكن الذي يكون وجوده، أو عدمه إنما يكون لعلة خارجة عنه أوجدته إن كان في عالم العدم، أو أعدمته إن كان في علم الوجود، فكل واحد منها لا يحدث فيه لذاته، بل لعلة خارجية هي سبب إحدى الحالتين، من ثم يمكن أن نطلق عليه الممكن في ذاته، القابل الوجود والعدم لغيره، ويستحيل عقلًا تجاوز هذا السبب لما يترتب عليه من المحال العقلي، وهو الترجيح للوجود أو العدم الذاتي بلا مرجع، ومن أحكام الممكن فوق ما ذكرنا أن وجوده بعد عدمه يدل على حدوثه، كما أن عدمه بعد حدوثه يدل على حدوثه أيضًا، وإلا تساوي الواجب والممكن في رتبة الوجود، كما أنه لا بد أن يكون متأخرًا في وجوده عن وجود سببه وعلته.

ب - دليل الحدوث للجواهر والأعراض: وقد أخذ بهذا الدليل جمهور المتكلمين والأشاعرة منهم بصفة خاصة، وقد بنى لديهم على ثلاث مقدمات هي: الجواهر لا تنفك عن الأعراض- الأعراض حادثة - ما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث مثلها، من ثم أقام المتكلمون الدليل على حدوث هذه الأعراض، وهو تردد الأجسام بين الحركة والسكون، أي: أن الجسم يمكن أن يتحرك أو يسكن، وعلى هذا فالحركة بعد السكون، أو السكون بعد الحركة دليل علي حدوثها - الأعراض - وبالضرورة حدوث الأجسام التي تقوم بها، وتعاقب الحركة والسكون على الأجسام يدل على أمرين:

أولهما: أن العرض لا يقوم بالعرض؛ لأنه لا بد من التفرقة بين الوصف (الحركة هنا)، والموصوف الذي هو الجسم المتحرك.

 ثانيهما: أن العرض لا يبقى زمانين؛ لأنها- الأعراض - متى عرضت للأجسام في حالة فإنها تغادرها في الحالة الثانية، وإذا كان الأمر كما بيَّنا فإن عدم انفصالها عن الجواهر مع ضرورة حدوث الأعراض يدل على حدوث الأجسام أيضًا، ومن جهة أخرى أن الأجسام لم تسبق الحوادث، وما لم يسبق المحدث، فهو محدث مثله، كما أنها لم توجد مثلها، فدل ذلك كله على حدوثها [لمعرفة ما يمكن أن يوجه إلى هذا الدليل من الاعتراضات، والشبه التي تترتب على الأخذ به: انظر: د / محمود قاسم في مقدمته كتاب: مناهج الأدلة، لابن راشد صـ١٢ وما بعدها، ط، القاهرة سنة ١٩٦٤].

ج - دليل الجواز أو الإمكان: وهو مبني لدى من أخذ به من المفكرين على مقدمتين:

أولاهما: أن العالم بجميع ما يحتويه جائز أن يكون على مقابل ما هو عليه الآن، من الكبر أو الصغر أو كل أنواع التقابل، ونضرب لذلك مثلًا يوضح الفكرة: من الممكن أن يوجد عالم تطلع الشمس فيه من مغربها بدلًا من طلوعها من مشرقها الآن، وإذا كانت هذه العملية المتصورة ترتبط بتغيرات أخرى تتفق مع تصور هذه الظاهرة، كما تقررها علوم الطبيعة الفلكية؛ فإن هذا الجواز في ذاته دليل علي حدوث العالم وبالضرورة على وجود محدث هو الله - تعالى -، وقد جاء في القرآن الكريم بعض الآيات التي تدل على ذلك، كقوله - تعالى -: {أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَيۡهِ دَلِيلٗا} [الفرقان: ٤٥]، ويرادفها كل الآيات التي تبرز إطلاق المشيئة الإلية في إمكان خلق عالم آخر يكون في ظواهره ذا منطق جديد كقوله تعالى أيضًا: {وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم} [محمد: ٣٨].

 وأمَّا المقدمة الثانية فلازمة للأولى وهي: أن ما يكون كذلك فهو حادث؛ لأنه قابل للتحول من حال إلى حال، وهذا شأن جميع الحوادث.

 د - دليل العناية والاختراع: وقد قال به ابن رشد، وهو في الواقع دليلان، ويمكن الجمع بينهما بقولنا: إن الله - سبحانه وتعالى - قد أوجد العالم على غير مثال سابق، ووجود الأشياء المحسوسة أمر واقعي، وكونها كذلك يعني أنها حادثة، وجدت لأهداف وأغراض معينة، وكونها كذلك - أيضًا - يعني أن وجودها ليس عبثًا، وكونها سائرة إلى أهدافها على طريقة منتظمة لاعوج فيها ولا أمتا دليل على أن هناك سببًا جعلها كذلك، حيث برزت عنايته بها واضحة للعيان والبداهة معًا، وهو ما يتفق مع ما جاء به الشرع في قضية الخلق، والعناية به والغاية من وجوده.

وقد نسب هذا الدليل إلى ابن رشد، والحق أنه مسبوق بذلك لدى الأشعري في كتابيه الإبانة، واللمع عند التحقيق والتدقيق، وهناك أدلة أخرى يمكن عند التدقيق فيها نراها لا تخرج عما ذكرنا، من ثم فلا داعي لذكرها.

هـ - الدليل الغائي: وهذا الدليل موجود من قبل لدى أفلاطون - أرسطو - الفلاسفة الإسلاميين وبخاصة ابن رشد، والمتكلمين من الأشعرية، وهو يعتمد على أساس واضح من نظام الكون وصيرورته إلى غايته بطريقة واعية دقيقة، وحسب قوانين هي النواميس الآلية التي أعطى الله بها كل شيء خلقه ثم هدى، ولعل أرق عبارة قيلت في هذا السبيل ما صرح به القديس أوغسطين من أن العالم نفسه بتغيره المنظم تنظيمًا عجيبًا، وبأشكاله البديعة يعلن في صمت أنه مصنوع، وتزكية هذا الدليل أكثر من أن تحصى، غير أن هذا الدليل لم يَسْلَم أيضًا من: ديكارت - باسكال – كانت، حيث عارضه كل واحد منهم من وجهة نظره، ونرى أن هذا أمر طبيعي، إن الإجماع على صحة دليل حتى ولو كان بدهيًّا أمر مستحيل.

و - الدليل الأخلاقي: وقد جاء هذا الدليل لدى "كانت" حيث ذهب إلى أن الطريقة التقليدية للمعرفة - العقلية والحسية - ينبغي أن تتطور إلى المعرفة الروحية التجريبية، التي يطلق عليها اسم التجربة الأخلاقية، أو الدليل الأخلاقي القائم على أساس تصور العقل النظري في الوصول إلى حقائق الأشياء.

وهذا الدليل يتخذ إحدى صورتين: الاستدلال من وجود قانون أخلاقي مطلق للوصول إلى وجود مشرع قرر هذا القانون، والاستدلال من عدم المواءمة بين الفضيلة والسعادة في هذه الحياة إلى إثبات وجود موجود فيه من الخير، ومن القدرة ما يمكنه من التوفيق بينهما، وصياغة هذا الدليل بصورتيه إنما تكون كالآتي:

 ١- أن القانون الأخلاقي هو مجموعة أوامر ونواه إجبارية، قد تكون متنافرة مع غرائزنا، ورغباتنا لتلزم إرادتنا بما هو عسير عليها، وهذا القانون هو وحده الكفيل والقادر على قهرها على سلوك يتعبها ويضنيها، وقد عبر عن مصدر هذا القانون بقوله: أيها الواجب لست أدري في أي أرض نبت، ولأي شجرة كانت الثمرة المنتقاة، إنك لا تقدم إلى الإنسان ما يسره ويلذ له، بل تقدم إليه ما يتعبه ويفنيه، ولكنك في مقابل ذلك تعلماه كيف يقدر شخصيته ويحفظ كرامته، وإذا ثبت هذا، وجب أن يكون ذلك القانون صادرًا عن قوة لا من البأس والسلطان ما يجعل أوامرها ملزمة للإرادات البشرية، وتلك القوة هي الإله ذاته، ولمَّا كان تصور الخلقية أمرًا مرتبطًا بالسعادة الإنسانية؛ وكان هذا الارتباط وثيقًا غير قابل للانفصال؛ لأنه يمكن أن يلخص في هذه العبارة: اعمل كل ما يمكن أن يعيدك إلى تلك السعادة؛ بحيث تكون جديرًا بها، فإن هذا يدل على أن إرادتنا إذا رغبت في تلك السعادة لا بد أن تكون مذعنة لذا القانون، ولا يكون ذلك إلا لله، الذي هو مصدر كل خير وسعادة [د / محمد غلاب: مشكلة الألوهية صـ ٨٤، وعثمان أمين: ديكارت ص ١٣٨].

هذه رحلة في الواجب كأحد أطراف قوانين العقل المشار إليها وتطبيقاته على واجب الوجود الذهني                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                   والخارجي، وأدلة هذا الوجوب لدى دوائر مختلفة من دوائر الفكر الإنساني: اليوناني منه، والوسيط والحديث، والإسلامي منه بأظهر مدارسه الفلسفية والكلامية، وهي رحلة لازمة؛ لأن الحديث عن الْحُكمين الأخيرين الممكن والمستحيل، لا يتأتى على وجه صحيح إلا بعد الحديث بدقة وعناية عن الواجب ونأمل أن يكون قد وصلنا إلى هذه الغاية.

الحكم الثاني: الممكن (الإمكان)

تعريف الممكن: هو ما يقبل الوجود والعدم لذاته، وهذا يعني أنه استعداد محض وتهيؤ للوجود أو البقاء في حيز العدم، وفي حديثنا عن الواجب أشرنا إلى الممكن بما يظهر منه أن الإطالة فيه هنا لا معنى لها، ويكفي أن نعرض بعض الصور التي تمثل توضيحًا أكثر.

 إن الحكم الأول (الوجوب) إذا تأملناه جيدًا نلاحظ أن له طبيعة خاصة يختلف بها عن الحكمين الآخرين، و هي خاصية الثبات والدوام في الوجود، وأن الحكم الذي يقابله مقابلة الأضداد، إنما هو الاستحالة (المستحيل)، وأن بينهما علي سبيل التبادل من قبول الوجود، أو البقاء في العدم هو الإمكان (الممكن)، وهذه هي خاصية هذا الحكم وهو مجرد القبول أي: بلغة الفلاسفة والمناطقة (الإمكان المحض)، وقد مر بنا أن الممكن حكمه ضروري يتخذ منطلقًا، لإثبات الواجب عند قوم علي حد تعبير ابن سينا فيما سبق، ومن ثم فقد رأينا أن كل من أثبت الواجب فقد اتخذ من الممكن معراجًا له، وهي الطريقة الصاعدة التي أشرنا إليها قبلًا، و التي يؤسس لها قال تعالى: {سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ أَوَلَمۡ يَكۡفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ} [فصلت: ٥٣]، ومن ثم أيضًا يستحيل أن تكون الموجودات كلها واجبة، وهذه ضرورة عقلية وواقعية، كما يستحيل أن ينقلب الوجود ليصبح كله عدمًا محضًا، أو أن نتصوره كذلك، لأننا حين نفكر في هذه القضية فإنما يكون تفكيرنا فيها دليل وجودنا، والمفترض أن وجودنا مستحيل، وبهذا يبطل هذا الفرض وهذا ما قرره "الكوجيتو" الديكارتي: أنا أفكر فأنا موجود.

 والصورة الواضحة للممكن هي العالم وبالضرورة بعض أجزائه، فإذا كنا جزءًا منه بناء على أننا موجودون الذي هو نتيجة لتفكيرنا، وإذا تصورنا وجود العالم مستقلًا بذاته لانقلبت طبيعته من كونه ممكنًا إلى كونه واجبًا، وإذا كان من المستحيل عقلًا وواقعًا وجود واجبين بعد إقامة الأدلة الواضحة على أن الوجود الواجب ليس له في الواقع إلا الله سبحانه، وأن القول بخلافه نقض لبداهة العقول، وإذا ثبت بالدليل أيضًا استحالة تسلسل الأشياء إلى غير نهاية، فإن هذا كله يثبت أن هناك تصورًا واضحًا لموجود هو في ذاته قابل للوجود والعدم، فإذا وجد فلعلة أوجدته، وإذا أعدم فلعلة أعدمته كذلك، وقد أشرنا إلى أن بعض المفكرين قد اتخذ من وجود الممكن معراجًا لوجود الواجب، وهذا القدر من الحديث كاف في هذا المقام، حتى لا نتكرر في حديثنا.

الحكم الثالث: المستحيل (الإحالة)

[يلاحظ هنا وفي حديثنا عن الواجب والممكن، أننا نضع اسم الفاعل كمجلى للحكم وتطبيق له، ونضع بين هلالين (هكذا) المصدر الذي هو الحكم، وهذا يعني أن إحلال اسم الفاعل محل المصدر المشتق منه إنما جاء على سبيل المجاز].

والاستحالة تعني: النفي الذي لا يقبل الوجود أصلًا، ومن ثم فالمستحيل هو المعدوم، أو المنفي الذي لا يقبل الوجود بحال من الأحوال، لا الوجود الواجب ولا الوجود الممكن، وهو إما ذهني كاستحالة الجمع بين النقيضين أو رفعهما، واستحالة تحول الممكن إلى واجب، أو عكس ذلك، وأما الاستحالة الواقعية فمثلها: شريك الباري عند المؤمنين، وانقلاب الجبل إلى ذهب ... إلخ.

ونشير هنا إلى مسألة هي: أن المستحيل أو الاستحالة الذهنية أوسع بكثير من الاستحالة الواقعية؛ لأنه يمكن تصور شريك للباري حتى يحكم عليه بالعدم، كما يمكن تصور جبال من ذهب أو فضة، وأما تطبيق ذلك في مجال العقيدة، فإن بعض الفرق تقرر أن الحق سبحانه يمكن أن يكلف بما لا يطاق، كما لا يستحيل عليه أن يغير هذا العالم إلى عالم آخر، وباختصار فإن إطلاق المشيئة الإلهية لا يجعل لمقولات العقل في جانبي الوجوب والاستحالة أثرًا على الإطلاق، لذا رأينا ذلك لدى من قال بوجوب إرسال الرسل، وإمكانية أن يثيب الله العاصي ويعذب المؤمن.

ومن الجدير بالإشارة إليه هنا مسألتان على جانب كبير من الأهمية هما:

أولًا: مسألة التسلسل التي يرتبون عليها الاستحالة كمفهوم عقلي.

 ثانيًا: تطبيق هذه المقولات في حق الله - سبحانه وتعالى -، وهل يجوز ذلك أو لا يجوز؟

فأما المسألة الأولى؛ فإن القول باستحالة التسلسل إنما ينصب على الماضي وحده دون المستقبل؛ لأنه من جهة الماضي يستحيل الذهاب به إلى غير نهاية تحقيقًا لكون العلل والآثار لا بد أن تنتهي إلى علة ثابتة موجودة تقطع هذا التسلسل، وهذا القول نجده عند مثبتي حدوث العالم والقائلين بقدمه على السواء.

فالأول: لإثبات أن الحادث لا بد له من محدث، كما هو دليل جمهور المتكلمين.

والثاني: قول الفلاسفة القائلين بقدم العالم مع كونه معلولًا أو أثرًا لعلة واجبة.

وأما من جهة المستقبل فيستحيل التسلسل الحقيقي لسرمدية الذات الإلية وخلودها، وكذا نعيم أهل الجنة، أو عذاب النار، حيث جاء في القرآن الكريم ما يدل على تأبيد الجزاء الأخروي، فأما في جانب أهل الجنة ونعيمهم فيها، فقد جاء في مثل قوله - تعالى -: {خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ } [النساء: ٥٧]، {أُكُلُهَا دَآئِمٞ وَظِلُّهَاۚ} [الرعد: ٣٥]، كما جاء في القرآن الكريم حديث عن خلود أهل النار، وفي الحديث الشريف أن مناديًا ينادي في الفريقين: ياأهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت، يضاف إلى ذلك - وهو المهم هنا قوله -سبحانه -: {هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ} [الحديد: ٣].

وإذا آمنا بأن مقولات العقل لا تنطبق على الحق - سبحانه وتعالى -، ومن ثم فلا سرمدية ولا أبدية تطبق عليه كذلك، فماذا نفعل في الآيات التي تحدثت عن الخلود بشقيِّه لكل من الطائعين والعصاة، فالأولون في نعيم مقيم، والآخرون في عذاب أليم أبدي كذلك، وإذا افترضنا صحة ما ذهبت إليه بعض الفرق من القول بأن عُصاة المؤمنين عندما يعذبون بالقدر الذي يناسب معاصيهم في الدنيا يخرجون من النار إلى الجنة، فإن الإشكال يظل قائمًا ما بقيت الجنة داخلة تحت مقولة الخلود، ولو تصورنا صدق من ذهب إلى القول فناء الخالدين: الجنة والنار معًا بعد استيفاء كل من الفريقين حقه من النعيم أو العذاب، فماذا نفعل مع الأبدية الإلهية؟

إن هذه الإشكالات تعكر على القول باتخاذ التسلسل مثلا للاستحالة، ويبقى في النهاية أن نقول: إن العقول البشرية محدودة التصور، ومن ثم لا يبقى للأحكام الإلهية المتعلقة بالأخرويات، أو الغيبيات إلا الإذعان لمنطق الوحي متى ثبت صحة النقل في آياته أو أحاديثه، والخضوع لمنطق الإيمان وحده، وأما استحالة الدور فظاهرة في الدور القبلي - أي الذي يؤكد أن العلة لا بد أن تسبق المعلول أو تقارنه - وأما الدور المعي - الذي لا يكون أحد الأمرين علة للآخر، والآخر معلولًا له - فإنه لا يكون مستحيلًا بل مقبولًا.

ولعل تطبيق الاستحالة في المجال العقلي يظهر في عدم الجمع بين النقيضين أو رفعهما معًا، وكذلك القول بالثالث المرفوع الذي هو في حقيقته صورة لمبدأ عدم التناقض، حيث لا يوجد جواب ثالث بين الشيء ونقيضه ومن ثم ردت جميع الأحكام العقلية التي تجمع بين النقيضين عند اتحاد الجهة كالقول بالأحوال الذي قال به أبو هاشم الجبائي في تفسير علاقة الذات بالصفات، حيث ذهب إلى أن الأحوال ليست موجودة وليست معدومة .... إلخ، وأما إذا انفكت الجهة كقول جمهور الأشعرية في المسألة التي معنا: الصفات ليست عين الذات وليست غيرها، فإن ذلك غير مستحيل؛ لأن القول بالغيرية ينصب على المفهوم وحده، والقول بعدم غيريتها للذات، إنما ينصب على المصدق في الواقع، والله أعلم.

الخلاصة

تَبرز أحكام العقل الثلاثة (الواجب، والممكن، والمستحيل) كأداة فلسفية ومنطقية رئيسية لإثبات وجود واجب الوجود، ويربط المقال بين هذه الأحكام والقضايا الإيمانية، وأدلة من الفكر الإسلامي والغربي، ومؤكدًا أن العقل البشري المحدود يجد في هذه الأحكام أساسًا منطقيًا للإيمان بالخالق.

موضوعات ذات صلة

العلة من المفاهيم الأساسية التي تحظى بأهمية بالغة في الفكر الإسلامي والفلسفي

إن مجرد التشابه بين الأفكار لا يكفي لإثبات التأثير والتأثر؛ لذلك تكمن أهمية دراسة التأثير والتأثر بين المذاهب والفرق المختلفة،

الأحوال هي تعبير عن حالات الذات وصفاتها المتغيرة التي تميز الوجود، وتُعد من المفاهيم الفلسفية المهمة التي تساعد على فهم طبيعة الأشياء وتغيرها.

موضوعات مختارة