Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الثأر بين جاهلية العرف وعدالة الشرع

الكاتب

هيئة التحرير

الثأر بين جاهلية العرف وعدالة الشرع

إن من أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية الغراء حفظَ النفس البشرية، وصيانتَها من كل ما يتهدد وجودها أو يروع أمنها، ولقد جاء الإسلام والعرب في جاهلية جهلاء، يقتتلون على أتفه الأسباب، وتسيل دماؤهم أنهارًا ثأرًا وعصبيةً، فجاء النور المحمدي ليطفئ نار الفتنة، ويؤسس لمجتمع يسوده العدل والرحمة، لا الغل والنقمة.

حرمة الدماء ومقاصد الشريعة

إن من أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية الغراء حفظ النفس البشرية، وصيانتها من كل ما يتهدد وجودها أو يروع أمنها، ولقد جاء الإسلام والعرب في جاهلية جهلاء، يقتتلون على أتفه الأسباب، وتسيل دماؤهم أنهارًا ثأرًا وعصبيةً، فجاء النور المحمدي ليطفئ نار الفتنة، ويؤسس لمجتمع يسوده العدل والرحمة، لا الغل والنقمة؛ فالدم هو أول ما يُقضى فيه بين الخلائق يوم القيامة لعظم شأنه عند الله تعالى، وقد توعد الله قاتل النفس المؤمنة بوعيد لم يتوعد به غيره في كتابه العزيز، فقال سبحانه: ﴿وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، وفي السنة النبوية المطهرة، يقف النبي ﷺ أمام الكعبة معظّمًا شأنها، ثم يقول مخاطبًا إياها: «مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ» [رواه ابن ماجه].

سيكولوجية الثأر: وَهم الكرامة وتزييف الشجاعة

يستند الثأر إلى مغالطة نفسية مفادها أن "الدم لا يغسله إلا الدم"، وهي رؤية مادية ضيقة تتجاهل قيمة الروح الإنسانية التي عصمها الله، ففي المنهج النبوي، ليست الشجاعة في سرعة الفتك وسفك الدماء، بل في ضبط النفس وإحكام العقل وكبح جماح الغضب؛ يقول النبي ﷺ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» [رواه البخاري]، وإن ما يُسمَّى "ميزان الدم" في العُرف القبلي هو في الحقيقة "ميزان ظلم"؛ لأنه يساهم في إفناء الأبرياء بدعوى التوازن الموهوم، ويحول القاتل في عين أهله بطلًا وهو عند الله آثمٌ.

الفرق الجوهري بين القصاص الشرعي والثأر الجاهلي

يخلط كثير من الناس بين "القصاص" الذي هو حياة، وبين "الثأر" الذي هو فناء وهلاك، ويتضح الفرق في الآتي:

١.    القصاص: هو حكم الله العادل الذي يقتص من الجاني نفسه دون غيره، وبما يماثل فعله، ليكون رادعًا له وعبرةً لغيره، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمۡ فِی ٱلۡقِصَاصِ حَیَوٰةࣱ یَٰۤأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩].

٢.    الثأر: هو تعدٍّ لحدود الله، حيث يتجاوز "الثائر" الجاني ليقتل بريئًا من أهله أو عشيرته، أو يسرف في القتل، وهو ما حذر منه القرآن في قوله: ﴿فَلَا یُسۡرِف فِّی ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورࣰا﴾ [الإسراء: ٣٣].

نقض "توريث الجريمة": المسؤولية الفردية

أكبر سقطات الفكر الثأري هو مبدأ "العقاب الجماعي"، أي تحميل العائلة كلها تبعة خطأ فرد واحد، وهنا يبرز القول الفصل للقرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةࣱ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ﴾ [الإسراء: ١٥]، فإن توريث الجريمة اعتداء صارخ على عدل الله؛ فقد حصر سبحانه القصاص في الجاني وحده، بينما يفتح الثأر بابًا لا ينغلق من القتل المتبادل الذي يهدر أجيالًا لم تشهد الجريمة الأولى، ولم تشارك فيها أبدًا.

سلطة الدولة لا الفرد: موقف المؤسسات الدينية

من القواعد المقررة عند علماء الأمة وفقهاء المذاهب المعتبرة، أن إقامة الحدود والقصاص هي حق حصري لولي الأمر (الدولة ومؤسساتها القضائية)، وليست حقًا للأفراد، وتؤكد دار الإفتاء المصرية في تأصيلها لقواعد المواطنة أن حق القصاص "حق قضائي وليس شخصيًّا"؛ فإذا سُمِح لكل فرد أن يطبق عدالته الخاصة، تحول المجتمع إلى ساحة غابة لا تنتهي، ومَنْ يقتل "أخذًا بالثأر" يُعدُّ مفتئتًا على ولي الأمر، وعمله هذا جريمة مستقلة تستوجب العقاب الرادع؛ لأن القضاء هو الجهة الوحيدة المنوط بها التحقيق والتثبت لضمان عدم ظلم بريء.

فلسفة العفو وخديعة "العار"

يسعى مجمع البحوث الإسلامية والأزهر الشريف لتفكيك مفهوم "العار" المرتبط بالعفو؛ فالمجتمع يضغط على ولي الدم ليقتل، موهمًا إياه بأن العفو "ضَعف"، لكن المنطق الشرعي يؤكد أن العفو لا يكون إلا من قادر قوي، وقد رغّبنا النبي ﷺ في العفو وجعله سببًا للعزة، فقال: «وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا» [رواه مسلم]، ويرى الأزهر الشريف -من خلال لجان المصالحات- أن قبول "الدية" أو "الكفن" هو فعل يعبر عن سيادة الروح فوق المادة، فالدية ليست "ثمنًا للدم"؛ لأن دم الإنسان لا يُقدَّر بثمن، بل هي "جبر للخاطر" وإغلاق لصفحة الشيطان نهائيًّا، ويؤكد فضيلة الإمام الأكبر دائمًا أن "مَنْ يحقن دمًا واحدًا هو بطل في ميزان الإسلام".

نداء إلى العقلاء

يا أهلنا الكرام، إن الثأر حمل ثقيل يورث الفقر والهم والغم، وييتم الأطفال ويرمل النساء، فلنكن مفاتيح للخير مغاليق للشر، ولنحتكم إلى شرع الله وقانون الدولة، نابذين عادات الجاهلية، متمسكين بهدي خير البرية، ونسأل الله أن يؤلف بين قلوبنا، وأن يحفظ بلادنا وأهلها من كل سوء، وأن يجعلنا إخوانًا متحابين.

الخلاصة

إنَّ الثأرَ عادةٌ جاهليةٌ تمزقُ النسيجَ المجتمعيَّ، وقد جاء الإسلامُ عاصمًا للدماء، جاعلًا إقامةَ القصاصِ حقًّا حصريًّا لوليِّ الأمرِ؛ درءًا للفتنة، فالعاقلُ مَن نَبَذَ العصبيةَ واحتكمَ للشرعِ والقانون، مؤثرًا العفوَ والصلح؛ ابتغاءً للأجرِ وحقنًا للدماء، ففي القصاصِ حياةٌ، وفي الثأرِ دمارٌ وهلاك.

موضوعات ذات صلة

اتفاق يهدف إلى إزالة النزاع بين الأطراف، ويعد مشروعًا في الإسلام وفقًا للكتاب والسنة والإجماع. 

شَرعنة العُنف تعني تبرير أو قبول استخدام القوة أو الإيذاء كوسيلة لحل النزاعات أو التعبير عن الرأي.

حل النزاعات الأسرية يتطلب وعيًا ومهارات تواصل وصبرًا من جميع أفراد الأسرة.

موضوعات مختارة