Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

النذور والهبات بين اليابانيين والآلهة في الديانة الشنتوية

الكاتب

هيئة التحرير

النذور والهبات بين اليابانيين والآلهة في الديانة الشنتوية

مفهوم النذور والهبات بين الإنسان الياباني والآلهة (كامي وبوذا)، والغاية من تقديم الهبات والطعام، هذا التبادل لا يقوم على الإشباع الفيزيقي بقدر ما يقوم على الإشباع الروحي وطلب الرضا الإلهي؛ لأن الثقافة اليابانية القائمة على الاحترام المُلفت وهي المُحفِّز الأعمق لهذا التفاعل.

النذور والهبات شرط قَضاء الحاجات في الديانة الشنتوية

تحتاج الآلهة في الشنتوية والبوذية إلى تغذية مُستمرة، هذا بمنزلة الشرط الحاسم في طلب الحاجات وقبولها وتحقيقها. وإشباع الآلهة يغدو جليًّا في الأضرحة والمعابد، إذ يمكن للرهبان ضبط تقديم الهبات للآلهة، إنها أنواع مُتعدِّدة من الأطعمة المُفضَّلة لكامي؛ ففي الأضرحة الشنتوية والمعابد البوذية يتم تقديم الطعام أمام كامي في الصباح وفي المساء، كما يتم ذلك بشكل يومي في المعابد البوذية، ولهذه الممارسة طابع الشروع في التبادل، لكنه أيضًا بمثابة رَدٍّ للهبات، إنه رد لما حققه كامي فيما يتعلق بالصحة والسلامة والاستمرار في الحياة أو النجاة من كارثة طبيعية، وغيرها الكثير مما يعتبره اليابانيون هبات. [العجمي، عبد الله. (٢٠١٦). فلسفة الرموز في الأديان الشرقية].

وتبنى فكرة التبادل الحاصلة بين كامي والإنسان الياباني على مفهوم (حَلقِية التبادل)، وهو مفهوم مُتأتٍّ من انعدام البداية والنهاية في التبادل، إنها بمثابة الحلقة المُفرَغة، ليس للتبادل فيها من بداية أو نهاية؛ إذ يتبيَّن للوهلة الأولى في تقديم الطعام لكامي بأنه شروع في التبادل، لكنه في ذهن اليابانيين شُكْرٌ للآلهة على النعم والهبات التي سَبَق الحصول عليها، وفي ذات الوقت يُمثِّل هبة يتوقع الفرد الياباني من كامي الاستمرار في ردها له.

ولا يجري ذلك في الأضرحة والمعابد حصرًا، إذ يُقدِّم اليابانيون الهبات أمام كامي (دانا) و (بوتسودان)، أي أنها عملية يمكن أن تجري بشكل مباشر من دون وسيط/راهب، هي مُحاولة معنوية لشُكْر الآلهة وتضرُّعًا لتحقيق الأمنيات/إشباع الحاجات. [ Kimpara, K. (٢٠١٤). Religion and the Secular State in Japan] 

النذور والهبات غاية جوهرية للطقوس في الديانة الشنتوية

غاية التبادل الرئيسة بين الإنسان وكامي مبنية على أساس الرغبة المُلِحَّة لـ شباع الحاجات)، إنه إشباع حاجة الآلهة بالغذاء، وطلبًا لتحقيق حاجات إنسانية مُلِحَّة، تتمثل بالصحة، الرزق، الإنجاب، إيجاد شريك حياة/الزواج، الأمان، وغيرها من الحاجات. ويمكن اختصار تلك الفكرة الجوهرية بمفهوم (الإشباع المُتبادل)

وفي الحقيقة، كل شيء في تبادل الهبات بين الإنسان الياباني وبين الآلهة مبني على (الإشباع المُتبادل)، الذي يَلتحِم مع حَلقِية التبادل، إذ يُؤسِّس هذان المفهومان مولِّد التبادل ووقوده المُتجدِّد، فالسعي لإشباع الحاجات لا ينتهي إلا بموت الإنسان، وصعوبة إشباع الكثير من تلك الحاجات يُحيل الإنسان نحو تقديم هبات تُسهِم في إشباع حاجات غيره لإيجاد توقع يدور حول إمكانية رَدِّ الهبة وتحقيق حاجاته، يترافق ذلك حلقة مُفرَغة من التبادل المُستمر، قد لا نعرف بداياته، ونتوقع استمراره.  [Palmer, M., & Finaly, V. (٢٠٠٣). Faith in Conservation.]

ولهذا، فالتبادل ممارسة طواعية وإلزامية في الوقت ذاته؛ تظهر الطواعية في إيهاب الطعام للآلهة، إنها ممارسة تتم برغبة طوعية وتَرَفُّعٍ تام، إنها هبة تُرافقها كثير من ممارسات التضرُّع لأجل قبولها، وذلك مثل إهداء الماء والملح والأرز والزهور لبوذا في المعابد وأمام (بوتسودان)، فضلًا عن وليمة الصباح والمساء في الأضرحة، وتتبين تلك الممارسات حينما يقرأ الرهبان (نوريتو وسوترا)، الذي يُعبِّر في فحواه عن تقديم الشكر للآلهة على وافر النعم والعطايا، وطلبًا لقبول الهبة/الطعام المُقدَّم، لهذا لا يتم الإهداء من دون توسُّل لأجل قبوله، وكأن الإهداء يتم بلا رغبة في استرداد ما يُقابله من حاجات. لكن الإلزامية تغدو جليَّة للأنثروبولوجيا، إنها حاجات يتم إشباعها بين طرفين، فهو إشباع (مُتبادل)، إشباع الآلهة ورضاها يؤدي لإشباع حاجات مُتعدِّدة، مثل توفير الأمان والرزق والاستمرار بالعيش ومنع الكوارث، وغيرها من العطايا/الحاجات الرئيسة لاستمرار الإنسان في الحياة.

ويُمثِّل إعطاء الهدية مفتاح مُمارسة الطقوس، إنه بمثابة الشروع الفعلي، ومرحلة مُهمة لا يمكن أن يكتمل الطقس من دونه، إن ضرورتها تكمن في إشباع الآلهة، قبل الدخول في مرحلة الممارسة الفعلية، التي تؤدي مع تقديم الطعام والشراب للرضا الإلهي، إذ لا تتحقق الغاية بعَزْل الهبة عن الممارسات الطقسية الجسدية، إنها تَلتحِم في سياق واحد، يؤدي في نهاية المطاف إلى إشباع مُتبادل. [عظيمة، محمد. (٢٠١٦). كوجيكي: وقائع الأشياء القديمة].

التبجيل والرضا الإلهي غاية روحية في الديانة الشنتوية

تتحدد غاية اليابانيين في تبادلهم مع الآلهة وممارستهم للطقوس الدينية بـ تحقيق الرضا الإلهي، إنهم يحاولون بشتى الطرق تقديم كل ما يُسعِد الآلهة ويُسعِد بوذا، بدءًا بتقديم الطعام، ثم ممارسة الأهازيج الشنتوية مع يكوشي)، أو عبر إهداء بوذا في يوم ميلاده الزهور والشاي المُحلَّى، فضلًا عن تَجَمُّع غفير يُؤسِّس للتبجيل وطلب الرضا.

وإهداء كامي مجموعة من الأطعمة لا يتناسب وحجم العطايا التي سيحصل عليها اليابانيون، إنها عطايا تُؤهِّلهم للاستمرار بالحياة، لكنهم في ذات الوقت يُهدون كل ما يحتاجه كامي من أطعمة، يتوسَّلون قبوله، لهذا فهم يحاولون شُكْر الإله والبقاء على تواصل مُستمرٍّ معه في قادم الأيام، ما يؤدي لحصول كامي على كل ما يحتاجه، وقبالة ذلك يصبح الرد أكبر بكثير؛ كونه ناتج عن قوة إلهية، ولا يتوافق إطعام الآلهة مع واقع فيزيقي حقيقي، على الرغم من تأكيد اليابانيين أن كامي يُفضِّل هذه الأنواع المُنْتَقَاة من الأطعمة، إذ يُمثِّل تصويرًا فانتازيًّا لتغذية الآلهة، إنه إشباع روحي وتغذية إلهية روحية، لهذا فهم لا يتوقعون من الفواكه والساكيه والملح أن يتم أَكْلُه فيزيقيًّا، بل روحيًّا، وهو نابع من حقيقة أن الأشياء المُهداة لها قيمة التبجيل والاحترام، ما دامت مُفضَّلة عند الآلهة وتُقدِّم إمكانية إشباع حاجاته، وهذا يُعبِّر عن تقدير وطلب للرضا الإلهي، أكثر من كونه إشباعًا فيزيقيًّا للأجساد الإلهية. [العجمي، عبد الله. (٢٠١٦). فلسفة الرموز في الأديان الشرقية]

ثقافة الاحترام كمُحفِّز أخلاقي في الديانة الشنتوية

نتج عن ثقافة اليابانيين؛ إنهم يصوغون أغلب قوانينهم بناءً على مِعيار الاحترام؛ فأثناء المُعايشة الميدانية يلاحظ أن اليابانيين يكثرون من الإنحناء وعندما نسألهم عن سبب الانحناءة الغريبة هذه، يؤكدون أنها بهدف إظهار الاحترام، احترام المكان والانسان، وفي حالات أخرى كثيرة، يتحدثون ويُطلقون كلمات وجُمل ترحيبية مع انحناءات سريعة، في دلالة على احترام الآخر، ناهيك عن منظومة التفاعل الاجتماعي والمعاملات اليومية، فإنها مُقترِنة بـ احترام مُلفِت، لهذا، فإهداء الآلهة طعامهم المُفضَّل يدل على إظهار الاحترام والتبجيل؛ فـ قيمة الهدية ناتجة عن روحها وهدفها المعنوي. [ Symonds, S. (٢٠٠٥). A History of Japanese Religion: from ancient times to present.  ]

وخلاصة الممارسات التبادلية الحاصلة بين اليابانيين وبين الآلهة عائد لـ (إشباع الحاجات)، إنها عملية مُستمرة، إذ الحاجات في تجدد مُستمر، وتحتاج لإشباع دائم، لهذا يُعبِّر مفهوم (الإشباع المُتبادل) عن رغبة الإنسان الياباني في تحقيق حاجات يمكن للآلهة تحقيقها له، بعد أن يُهديهم ما يمكن تثمينه، ليصبح التبادل عملية حلقية دائرية، بدلًا مما يطرحه الأنثروبولوجيون الأوائل مُصوِّرين إياه بأنه عملية مُستقيمة الشكل، تتم بإهداء، ثم قبول، ثم رد، ثم تنتهي الممارسة، ويبدأ إهداء آخر بالشروع في وقت لاحق. [كاظم: محمد باقر، مرجعيات الديانة الشنتوية في اليابان]

الموقف الإسلامي من عقيدة "التبادل والهبات" في الديانة الشنتوية

يتفق الإسلام مع تحليل الظاهرة المتمثلة في أن العلاقة بين الإنسان الياباني والكامي تقوم على مفهوم "الإشباع المتبادل" و"حَلْقِية التبادل"، حيث تُقدم النذور والهبات (طعام، شراب، أرز، ساكيه) للآلهة كـ شرط لقبول الحاجات ورد للشكر على النعم التي حصل عليها الفرد.

من منظور العقيدة الإسلامية، هذا المفهوم يُعد شركًا صريحًا في العبادة والتوكل والدعاء، ويُخالف الأصول التالية:

١. بطلان التبادل مع الخالق: فالعلاقة بين الخالق والمخلوق في الإسلام مبنية على العبودية المطلقة والتوحيد الخالص (الإخلاص)، وليس على عقد تبادلي أو تجاري بين طرفين يحتاج أحدهما لـ "تغذية مستمرة"، فالله تعالى هو الصمد، الذي لا يحتاج إلى طعام أو هبات لكي "يرضى" أو "يقضي الحاجات".

٢. فساد الشفاعة وطلب الحاجات: طلب قضاء الحاجات (الرزق، الصحة، الأمان) عبر تقديم القرابين والطعام للآلهة يتناقض مع المبدأ الإسلامي القائل بأن الدعاء والطلب لا يكون إلا من الله مباشرة.

٣. إهداء الميت: فكرة "تغذية الآلهة روحيًا" أو الإهداء الروحي لها تتناقض مع تنزيه الله عن الصفات البشرية.

ومع ذلك، يثني الإسلام على الجانب الأخلاقي المتمثل في ثقافة الاحترام والتبجيل لدى اليابانيين، حيث يُستخدم تقديم الهدية كـ تعبير عن الاحترام المعنوي للآخر، كما أن الشكر على النعم أصل في العبادة الإسلامية، لكنه يوجه إلى الله المنعم مباشرة.

وفي النهاية، يظل الاختلاف العقدي قائمًا في أصل العبادة، لكن الإسلام يُؤكد على التعايش السلمي مع أصحاب هذه العقائد، مع الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة إلى التوحيد الخالص، وبيان أن الله لا يقبل الشريك في العبادة أو الطلب.

الخلاصة

تتناول عملية النذور والهبات في الديانات اليابانية (الشنتوية والبوذية) مفهوم "حلقية التبادل"، حيث يُعَدُّ إشباع الآلهة بالطعام شرطًا لقضاء الحاجات الإنسانية، هذا التبادل لا يقوم على الإشباع الفيزيقي، بل على الإشباع الروحي وطلب الرضا الإلهي، ويكون الإهداء شكرًا على نعم سابقة وتوقعًا لرد هبات جديدة، ويُعرَف هذا التفاعل بـ "الإشباع المتبادل"، وهو عملية مُستمرة هدفها تحقيق حاجات الإنسان الدائمة، وتُعزَّز هذه الممارسات بعمق بـ ثقافة الاحترام والتبجيل اليابانية التي تحوّل الإهداء إلى تعبير أخلاقي عن التقدير للآلهة.

موضوعات ذات صلة

الشنتو، "طريق الآلهة"، هي ديانة اليابان الأولى وتقوم على عبادة الكامي (الروحانية المقدسة في الطبيعة).

مما لا شك فيه أن هناك تناقضًا عميقًا في الوجدان الياباني المعاصر يتعلق بالكيفية التي يُمارَس بها الدين.

الممارسات الكهنوتية أصبحت آليات للسيطرة على الممارسات الدينية في الديانة الشنتاوية.

موضوعات مختارة