وعندما تقدمت به السن انسحب من الوظيفة إلى حياة العزلة وسكن وادي (هان
كو) وبقي فيها عاكفًا على تأملاته إلى أن قدم عليه أحد أخص تلامذته بين سي
وطلب منه أن يؤلف لهم كتابًا، وألح عليه فألف كتابه الوحيد الصغير (التاو تي
تشينغ) [النشار، الفلسفة الشرقية القديمة،
ص١٥٣].
وتذكر المصادر الأخرى أنه انزعج من نفور الشعب من التهذب والاتصاف
بالخير، فاختار العزلة وغادر المدينة متوجها إلى منطقة غرب الصين، تسمى هضبة التبت
[سميث أديان العالم، ص٣٠١]،
للتأمل والتفكير وعندها ألف كتابه الصغير (التاو تي تشينغ) [غلاب الفلسفة الشرقية، ص٢٣٣].
وهناك أسطورة تقول: إنه ذهب إلى بوذا في الهند والتقى به، وأن بوذا
تأثر به وأسس ديانة البوذية، وهذا الكتاب الوحيد يمثل الأسس الطاوية كفلسفة ومعناه
(الطريق وقوته)، وهذا الكتاب لا يتجاوز ٥٠٠٠ كلمة، كلها تدور حول كلمة (الطاو)
وكيفية تحقيقها في الإنسان، وكيف تتدفق هذه القوة في الإنسان [سميث، أديان العالم، ص٣٠١]. وهذه
الأسطورة يستبعدها الأستاذ زانكير؛ لأن بوذا ولد بعد لاتسو بـ ١٢٥ عامًا. [انظر: غلاب الفلسفة الشرقية، ص٢٣٥]
إن لاوتزي لم يعرف كغيره من
مؤسسي الفلسفات أو الديانات والأفكار، كالبوذية والكونفوشيوسية الذين ساحوا في
الأرض عشرات السنين، والتقوا الحكام والعلماء ليشرحوا لهم أفكارهم، بل بقي غير
مكترث لنشر أفكاره، تذكر أسطورة أن لـ لاتسو ألَّف كتبًا، منها: تسعمائة
وثلاثون كتابًا في شرح فن الحياة الأخلاقية والسلوك والمعاملات
الإنسانية، وسبعون كتابًا في السِّحْر وفي صنع التمائم التي تجلب السعادة، وهي
أسطورة ردها المؤرخون، فلاوتسو لا يعرف له غير هذا الكتاب الصغير. [انظر: غلاب الفلسفة الشرقية، ص٢٣٥].
بقيت ملاحظة حول كتاب لاوتزي التاو تي تشينغ، وهي أن عددًا من
الباحثين أشار إلى أن كتاب (لاوتزي) كتب بأكثر من أسلوب، وأنه ليس من تأليف لاوتزي
وحده، بل أضيفت له آراء من سبقه، وبعض تلامذته، وبعض أتباعه [الكونفوشيوسية ديانة صينية ترجع إلى الفيلسوف كونفوشيوس المشهور
في الصين باسم "كونغ فوتس"، وتعني كلمة "فوتس" الحكيم.
وكونفوشيوس ظهر في القرن السادس قبل الميلاد، حيث ولد سنة ٥٥١ قبل الميلاد، ودعا
إلى إحياء الطقوس والعادات والتقاليد الدينية التي ورثها الصينيون عن أجدادهم مضيفًا
إليها جانبًا من فلسفته وآرائه في الأخلاق والمعاملات والسلوك القويم. وهي تقوم
على عبادة إله السماء أو الإله الأعظم، وتقديس الملائكة، وعبادة أرواح الآباء والأجداد.
انظر أبو زهرة، مقارانات الأديان ، ص٨٣]. لكن الاتفاق
على أن هذا الكتاب هو أقدم وثيقة لديانة الطاوية وصلت إلينا [سميث أديان العالم، ص٣٠٢].
وهكذا تنتهي صفحة المؤسس التي يشك بعض الكتاب بها، ويعدونها شخصية
أسطورية لا وجود لها، والطاوية في هذه المرحلة لم تكن ديانة، وإنما بقيت فلسفة؛
حيث إن (لاوتزي) لم يدَّع أنه وضع ديانة يتعبد بها الناس ويتبعون لها،
وإنما تحولت في القرن الثاني الميلادي إلى دين [النشار الفلسفة الشرقية القديمة، ص١٥٢].
لكن
ما ينبغي ذكره أن لـ(لاوتزي) تلاميذًا باشروا بعده مهمته، منهم: تلميذه (بين
سي) وكتب بحوثًا قيمة حول نظرية المعرفة ونقد العقل البشري وقصوره عن معرفة
المطلق، وكذا تلميذه الآخر (لي تسيه) الذي كتب بحوثًا حول كثير من المشاكل
الفلسفية، وكان هذا أحد أعلام عصره في الصين، وهذان التلميذان عاشا في القرن الخامس
قبل الميلاد [شالي فيليسيان، موجز تاريخ الأديان ص١١٢]