تقوم الفلسفة الدينية الطاوية على أسس فكرية عميقة، تنطلق من مفهوم "الطاو" كقوة كونية محركة، وترتكز على فكرة الانسجام مع النظام الطبيعي.
تقوم الفلسفة الدينية الطاوية على أسس فكرية عميقة، تنطلق من مفهوم "الطاو" كقوة كونية محركة، وترتكز على فكرة الانسجام مع النظام الطبيعي.
كلمة (طاو) كلمة قديمة فيها دلالة على ارتباط الإنسان بالسماء، وما تمنحه السماء للإنسان، والسماء المقصود بها: الطاقة الكونية التي تؤثر في مجريات الكون، وإنما تكلمت الكتب السابقة (شي - كنج) عن جوهرين مهمين: المثالية العليا وسعادة المجتمع، ومن الأول كانت فلسفة لاوتزي، وهي الطاوية، ومن الثاني كانت فلسفة كونفوشيوس [غلاب، الفلسفة الشرقية، ص٢٢٤].
وتختلف الطاوية عن الكونفوشيوسية في أن الطاوية تتجه إلى أن سر الحياة في النظام الطبيعي؛ لذا على الإنسان أن يكون سلبيًّا تجاه نفسه ورغباته، ويسعى إلى التناغم مع الطبيعة، بينما تتجه الكونفوشيوسية إلى أن سر الحياة في النظام الاجتماعي، القائم على العلائق الطبيعية؛ لذا كان للكونفوشيوسية أثر إيجابي في التربية وتحقيق النظام الاجتماعي [انظر: ماتسوموتو العناصر الخمسة والسوق العشرة، ص٢٦].
ويمثل مفهوم "الطاو" في الفكر الطاوي النواة المركزية التي تدور حولها كل الفلسفة الطاوية؛ فالكلمة تعني حرفيًّا: "الطريق" أو "المسار"، ولكنها تحمل دلالات أعمق تشير إلى القوة الكونية المحركة للوجود، والنظام الطبيعي الذي يحكم الكون، وهذا المفهوم لا يعبر عن مجرد فكرة مجردة، بل عن قوة فاعلة ومؤثرة تتخلل كل مظاهر الوجود، فالطاو هو المصدر الذي ينبثق منه كل شيء، وهو القانون الذي يحكم حركة الكون، وهو الهدف الذي يسعى الإنسان للاندماج معه.
إن العلاقة بين الإنسان والطاو في الفكر الطاوي هي علاقة اتحاد وتوحد، حيث يرى الطاويون أن الإنسان جزء لا يتجزأ من هذا النظام الكوني، وأن سعادته تكمن في معرفة هذا النظام والانسجام معه، وهذا ما يجعل الطاوية تختلف جوهريًّا عن النظرة الغربية التي تفصل بين الذات والموضوع، بين الإنسان والطبيعة؛ ففي الرؤية الطاوية، الإنسان ليس سيدًا على الطبيعة ولا مستخلفًا فيها بالمعنى الديني التوحيدي، بل هو جزء عضوي منها، يتنفس بنفس إيقاعها، ويتحرك وفق قوانينها.
إن الظلم والطبقية التاريخية التي ذكرناها في تاريخ الصين واستطردنا بها هي السبب لظهور أفكار كونفوشيوس كحل للمشاكل الاجتماعية وعلاقة الإنسان بالحاكم والسلطة، كما أن الأفكار الدينية السابقة في الصين هي التي جعلت لاوتزي يؤلف كتابه، ويؤسس الطاوية كحل للإنسان من خلال فلسفة وجدت بذورها سابقًا، وكلاهما على اختلافهما كانتا محاولتين لإنقاذ تدهور المجتمع سياسيًّا واجتماعيًّا، فالعصور التي تدهور فيها المجتمع الصيني جعل الحكماء والفلاسفة يحاولون إنقاذ المجتمع، فلاوتزي كان يرى أن كثرة من القوانين لضبط الشعب، أمر مذموم؛ لأنه يكبل الإنسان ويُقيده، ويتدنى المستوى الأخلاقي للشعب؛ لأنه يتحرك بوازع الخوف وليس بوازع الأخلاق، فتكثر الجريمة، ويتدنى المستوى الأخلاقي، فعلى الساسة أن يتركوا الشعوب ويزيدوا من قيمهم الخلقية، فإن ذلك سينعكس عليهم بشكل إيجابي؛ لذلك كان سبب ظهور الطاوية هو الحالة الإصلاحية لما حل بالمجتمع. [انظر: صعب، الأديان الحية، ص٧٥-٧٦].
وتقدم المقارنة بين الطاوية والكونفوشيوسية نموذجًا مثيرًا للدراسة في تاريخ الفكر الصيني، فبينما تنطلق الطاوية من "المثالية العليا" وتركز على علاقة الفرد بالكون والنظام الطبيعي، تنطلق الكونفوشيوسية من "سعادة المجتمع" وتركز على العلاقات الاجتماعية والأخلاقية، هذه الثنائية تعكس تنوعًا في الرؤى الفلسفية استجاب لتنوع الاحتياجات الإنسانية في المجتمع الصيني القديم.
فالطاوية، بتركيزها على الفرد وعلاقته بالكون، تقدم حلًّا وجوديًّا للأزمة الروحية التي يعانيها الإنسان في مواجهة تعقيدات الحياة، بينما تقدم الكونفوشيوسية، بتركيزها على المجتمع والعلاقات الاجتماعية، حلًّا عمليًّا للأزمة الأخلاقية والسياسية التي يعانيها المجتمع في تنظيم شئونه، وهكذا، يمكن النظر إلى الطاوية والكونفوشيوسية ليس كفلسفتين متعارضتين، بل كتكامل بين البُعد الوجودي الفردي والبُعد الاجتماعي الجماعي.
إن فلسفة الطاوية تخضع الناس بالأخلاق وليس بالسلاح، وهي رسالة للحاكم لوقف الاضطهاد الذي مارسه الملوك السابقون في الصين، وأن على الحاكم العدل، وألا يزيد الناس فقرًا، فيثوروا وتضطرب الطبيعة، ويزال الحكم [غلاب، الفلسفة الشرقية، ص٢٣١-٢٣٨].
كما أنه في عصر حكم أسرة تشو الغربية جرى هناك من الظلم ما جعل الناس تفقد ثقتها بالإله؛ بسبب شدة الظلم في نظام العبودية، وظلم الساسة والحكام، وأصبح عند العديد من الصينيين شك بالإله، وهذا ما جعل لاوتزي لا يذكر الإله كثيرًا أو الدين في ديانته، وإنما جعل ما يؤمن به فلسفة فحسب؛ لأنه ظهر هناك تيار مجتمعي ينكر وجود الإله، وظهر الفكر اللاديني [النشار، الفلسفة الشرقية القديمة، ص١٥٧].
إن الظروف الاجتماعية والسياسية التي عاشتها الصين قبل وأثناء ظهور الطاوية لعبت دورًا حاسمًا في تشكيل ملامح هذه الفلسفة، فالمجتمع الصيني القديم، كما رأينا، مر بمراحل قاسية من الاستبداد والظلم، حيث ساد نظام العبودية بكل وحشيته، وتم استغلال الفلاحين والعمال أبشع استغلال، وهذه الظروف ولدت ردود فعل متنوعة في الفكر الصيني.
فمن ناحية، ولّدت الحاجة إلى فلسفة تقدم سلوى روحية للإنسان المقهور، فلسفة تعلمه كيف يجد السلام الداخلي رغم الظروف الخارجية القاسية، وهذا ما قدمته الطاوية عبر فكرة "الانسجام مع الطبيعة" و"التوحد مع الطاو"، ومن ناحية أخرى، ولدت الحاجة إلى فلسفة تقدم مشروعًا إصلاحيًّا للمجتمع، وهذا ما قدمته الكونفوشيوسية عبر التركيز على الأخلاق والعلاقات الاجتماعية.
إن ظهور الفكر اللاديني الذي أنكر العلاقة بين الإنسان والطبيعة في الفترة (٧٧٠-٤٧٦ ق.م)، وأن لا صلة بين السماء والأرض، ولا ترابط بين السماء والإنسان، وتبنى ذلك مجموعة من الفلاسفة والحكماء [خه جاو وو يو جين جي تانغ يويان صون كاي تاي تاريخ تطور الصين، ص٢١-٢٣]، وكان هذا أحد دوافع لاوتزي كي يعيد العلاقة بين الإنسان والسماء بفلسفته، وفق رؤية ليست دينية ولكن فلسفية.
يشكل التفاعل بين الفكر الديني التقليدي والاتجاهات اللادينية أحد أبرز السمات المميزة للتطور الفكري في الصين القديمة، فمن جهة، كان هناك تراث ديني غني قائم على عبادة الطبيعة والأسلاف، يؤمن بعلاقة وثيقة بين السماء والأرض، وبين الإنسان والكون، ومن جهة أخرى، ظهرت اتجاهات فكرية شككت في هذه العلاقات، بل وأنكرت وجود إله أو قوة علوية تحكم الكون.
في هذا السياق التاريخي والفكري المعقد، ظهرت الطاوية كحلقة وصل بين التراث الديني التقليدي والاتجاهات الفلسفية الجديدة؛ فمن ناحية، احتفظت الطاوية ببعض عناصر التراث الديني، خاصة فكرة الارتباط بالكون والنظام الطبيعي، ومن ناحية أخرى، قدمت هذه العناصر في صيغة فلسفية مجردة، بعيدة عن الطقوس والشعائر الدينية التقليدية.
وهكذا، يمكن فهم الطاوية ليس كردة فعل ضد الدين التقليدي فحسب، بل كتطوير له وتحويله من شكل ديني طقوسي إلى شكل فلسفي وجودي؛ فالطاوية لم ترفض فكرة الارتباط بالكون، بل أعادت صياغتها في مصطلحات فلسفية، ولم ترفض فكرة النظام الطبيعي، بل جعلته محورًا لرؤيتها الكونية.
تُمثل الطاوية فلسفة وجودية إصلاحية نبعت من رحم الأزمات السياسية في الصين القديمة، لتقدم "الطاو" كقوة كونية ومسار طبيعي يحقق الانسجام بين الإنسان والسماء بعيداً عن صرامة القوانين، وتتجلى خصوصيتها في دعوتها للتناغم الذاتي والمثالية العليا كحل روحي للأزمات، متميزةً بذلك عن "الكونفوشيوسية" التي ركزت على البناء الاجتماعي والتربوي، وبذلك نجحت الطاوية في سد الفجوة بين الموروث الديني التقليدي والتيارات اللادينية، محولةً العلاقة مع الكون من طقوس شعائرية إلى تجربة فلسفية عميقة تهدف لتحقيق السلم الداخلي والعدالة الأخلاقية.
تمثل الطاوية إحدى أعرق الفلسفات والديانات الوضعية في التاريخ الصيني، التي تشكلت عبر مراحل زمنية مطولة.
تطورت الطاوية عبر مسار تاريخي معقد، تحولت فيه من كونها نظامًا فلسفيًّا يركز على الانسجام مع الـطاو، إلى ديانة منظمة ذات معابد وكهنة وطقوس.
يشكل التاريخ الحضاري للصين القديمة الإطار الأساسي لفهم نشأة وتطور الفكر الطاوي والكونفوشيوسي.