وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
إذا كان التباين بين الطاوية والكونفوشيوسية يحكي قصة التكامل داخل الحضارة الواحدة، فإن التقارب بين الطاوية وديانات الهند الرئيسية – الهندوسية والبوذية – يكشف قصة التلاقي الحضاري على المبادئ الأولى؛ حيث تلتقي الطاوية والكونفوشيوسية -وهما ديانتا الصين الرئيستان- مع الهندوسية والبوذية (الهنديتان) في الكثير من المبادئ العقائدية [انظر: الخطيب، مقارنة الأديان، (ص ٤١٧ - ٤١٩)]، هذا اللقاء ليس سطحيًا، بل هو تشابك وتلاحم، ففي تلك المنطقة الغامضة حيث تبحث الفلسفة عن إجابات للسؤال الوجودي الكبير: ما حقيقة الكون؟ وما مصير الإنسان؟ وكيف يبلغ الخلاص؟ الإجابات، رغم اختلاف الأسماء والمصطلحات (طاو، براهمان، نيرفانا)، تظهر تشابهًا مدهشًا يؤكد وجود بنية عقلية وفلسفية موحدة لما يُسمى الفكر الشرقي.
يقع على رأس قائمة نقاط الاتفاق عقيدة وحدة الوجود بوصفها الإطار الميتافيزيقي الموحّد:
وتشترك الديانات الثلاث في أن أهم هدف تسعى إليه الاعتقادات الثلاثة هو تحقيق الاتحاد بالـ (طاو) عند الطاوية، وتحقيق الاتحاد بالـ (براهمان) في الهندوسية، وتحقيق الاتحاد بالحقيقة الكلية البوذية عند البوذية [انظر: الخطيب: مقارنة الأديان، (ص ٤٣٠)]، الاختلاف في التسمية لا يغيّر من حقيقة الوحدة الجوهرية للمذهب.
يأتي مبدأ التناسخ (Reincarnation) أو الكارما/السامسارا كحلقة الوصل الثانية في مصير الروح:
لا تقف الوحدة عند النظرية، بل تمتد إلى الممارسة. فممارسة الرياضات الروحية (اليوغا والتأمل) تشكل الجسر العملي المشترك:
ينتج عن مبدأ وحدة الوجود نظرة موحدة للكون والطبيعة. فالعالم ليس خَلْقًا من عدم بإرادة خالق مخالف ومغاير تمامًا لخلقه، بل هو فيض أو تجلي أو صدور عن المبدأ الأول (الطاو/البراهمان)؛ لذلك، فإن الطبيعة مقدسة؛ لأنها ظهر للمطلق، وهذا ما يُفسر اهتمام الطاوية الكبير بالانسجام مع قوانين الطبيعة وعدم معارضتها، وهو ما يتوافق مع مفهوم (الدهارما) في الأديان الهندية الذي يعني النظام الكوني أو القانون الأخلاقي الذي يحكم الوجود [انظر: شلبي: أديان الهند الكبرى، (ص ١٨٠)]، الكون حي ومقدس، والإنسان جزء منه يجب أن ينصاع لقوانينه لا أن يسيطر عليه.
يقدم الإسلام نقدًا حاسمًا لهذا البناء الفكري الموحّد، من أساسه إلى فروعه:
أولًا: تفنيد عقيدة وحدة الوجود: يرفض الإسلام رفضًا قاطعًا مبدأ وحدة الوجود، سواء سمي طاوًا أم براهمانًا، لأنه ينفي حقيقة الألوهية المستقلة ويسوي بين الخالق والمخلوق، الله تعالى في الإسلام مخالف لخلقه فلا يشبه شيئًا ولا يشبهه شيئ، قال تعالى: {لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} [الشورى: ١١]، العالم مخلوق بكلمته {كُن فَيَكُونُ} [البقرة: ١١٧]، وليس فيضًا من ذاته، القول بوحدة الوجود هو شرك في الربوبية يستوجب الكفر.
ثانيًا: إبطال عقيدة التناسخ: يُعدّد الإسلام التناسخ (تنقل الروح من جسد إلى آخر) تكذيبًا صريحًا لحقيقة البعث والنشأة الأخرى، مصير الإنسان في الإسلام هو الموت ثم البعث بجسد جديد ليوم الحساب، حيث تجزى كل نفس بما كسبت. قال تعالى: {حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ * لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ} [المؤمنون: ٩٩-١٠٠]، التناسخ يلغي مسؤولية الإنسان الفردية وعدل الله في الجزاء الأخروي.
ثالثًا: التحذير من الممارسات الروحية (اليوغا، التأمل): يقر الإسلام بأهمية ذكر الله والتأمل في مخلوقاته، ولكن يحذر من الممارسات التي تقترن بعقائد باطلة. اليوغا والتأمل بالمعنى الهندي/الطاوي ليسا تمارين جسدية محايدة، بل هما طقوس تستهدف تحقيق حالة وعي موحدة مع المطلق وفق عقيدة وحدة الوجود. المشاركة فيها مع الاعتقاد بفلسفتها شرك، ومع الجهل بخطورتها مدخل للشرك. العبادة في الإسلام لها أشكال مشروعة (الصلاة، الذكر، الدعاء) ونيّة خالصة لله، لا لتحقيق اتحاد مع الكون.
رابعًا: التوحيد ضد تقديس الطبيعة: الإسلام يأمر بالنظر والتأمل في الطبيعة والاعتبار بآيات الله فيها، ولكن ينزهها عن أن تكون إلهًا أو تجليًا للإله، الطبيعة مسخرة للإنسان، {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ} [الجاثية: ١٣]، الانسجام معها يكون بالاستفادة منها وفق شرع الله، وليس بالذوبان فيها أو عبادتها.
يكشف التقارب العميق بين الطاوية وأديان الهند عن نسيج فكري مترابط يمتد عبر قارة آسيا، قوامه: الإله المجرد (الطاو/البراهمان)، والروح السائلة (التناسخ)، والجسد المغلول (اليوغا/التأمل)، هذا النسيج يشكل بارادايم أو نموذجًا تفسيريًّا شاملًا للوجود والخلاص، يجمع بين الفلسفة العليا والممارسة الشعبية، ولكن هذا البناء الفخم، من منظور الإسلام، قائم على أساس من وهم عقدي كبير، هو إنكار الخالق جل جلاله وخلط الأمر بينه وبين خلقه، أما الإسلام فإنه يهدم هذا البناء من قاعدته، ويقيم بدلًا منه صرح التوحيد الخالص: إله واحد، خلق الإنسان، وكلفه بعبادته وعمارة أرضه، ووعده بالبعث والحساب في يوم مفصل؛ فالفراغ الروحي الذي تملؤه هذه الفلسفات بالوحدة والذوبان، يملؤه الإسلام بالعبادة والاستخلاف، والطريق إلى الله ليس عبر كبح الجسد لتحرير الروح وهميًّا، بل عبر تسخير الجسد والروح معًا في طاعة الخالق الحق.
تقوم الفلسفة الدينية الطاوية على أسس فكرية عميقة، تنطلق من مفهوم "الطاو" كقوة كونية محركة.
ديانة يعتنقها غالبية سكان الهند، وقد عُرفت سابقًا بـ "البرهمية" نسبة إلى الإله "براهما"، وقد تطورت على مر القرون.
نشأت البوذية في آسيا نسبةً إلى مؤسسها بوذا، الذي يعني اسمه المستنير أو العالم.