لدراسة النظام العقدي لشعب اليوروبا في غرب أفريقيا، لابد من تركيز خاص على مفهوم الإله الأعلى "أولودوماري" وتحليل ثنائية التنزيه والتشبيه في صفاته، وبيان الرؤية الإسلامية تجاه هذه المعتقدات.
لدراسة النظام العقدي لشعب اليوروبا في غرب أفريقيا، لابد من تركيز خاص على مفهوم الإله الأعلى "أولودوماري" وتحليل ثنائية التنزيه والتشبيه في صفاته، وبيان الرؤية الإسلامية تجاه هذه المعتقدات.
تشكل دراسة المعتقدات الدينية للشعوب الأفريقية إحدى المسائل المعرفية المعقدة التي تتطلب فهمًا عميقًا للسياق الحضاري الشامل، إذ لا يمكن عزلها عن البيئة الثقافية التي نشأت فيها وتطورت عبر القرون، ويُعد شعب اليوروبا، الذي يتركز وجوده في جنوب غرب نيجيريا ومناطق مجاورة من بنين وتوجو، واحدًا من أكثر الشعوب الأفريقية ثراءً من الناحية الدينية والفلسفية، حيث أنتج نظامًا عقديًا متكاملًا يستحق الدراسة التحليلية المتأنية.
لقد واجه الباحثون الأوائل، خاصة من المدرسة الاستشراقية الغربية، صعوبات جمة في فهم البنى العقدية لليوروبا، وذلك بسبب اختلاف الأطر المفاهيمية والمنهجية، فالنقل المباشر للمصطلحات اللاهوتية من السياق المسيحي أو الإسلامي إلى السياق اليوروبي أدى إلى تشويهات منهجية حالَت دون الفهم الصحيح لخصوصية هذا النظام الديني. وتكمن أهمية هذا البحث في كونه محاولة للفهم من الداخل، عبر تحليل المفاهيم في لغتها الأصلية، ودراسة الأساطير المؤسسة والطقوس التعبيرية في إطارها الحضاري الشامل [William Bascom, "The Yoruba of Southwestern Nigeria", ١٩٦٩].
يتمحور النظام العقدي لليوروبا حول الإيمان بإله أعلى واحد يُطلق عليه اسم "أولودوماري" (Olodumare) أو "أولورون" (Olòrun) في بعض السياقات، والمصطلح الأول مشتق من الجذر اللغوي "دوماري" الذي يحمل دلالات الكمال والتمام، فيكون المعنى "صاحب الكمال المطلق" أو "المالك التام للوجود"، أما المصطلح الثاني فيعني حرفيًا "ساكن السماء" أو "مالك السماء"، مما يُشير إلى علو الذات الإلهية وتعاليها عن عالم المخلوقات.
يتسم مفهوم أولودوماري بمجموعة من الخصائص الجوهرية التي تتفق في جوهرها مع مفهوم الألوهية في الأديان التوحيدية الكبرى، مع وجود اختلافات في التفاصيل والتطبيقات، فهو الإله الأزلي الذي لا بداية لوجوده، والخالق المطلق للكون بما فيه من سماوات وأرض وكائنات، والمستقل بذاته عن كل ما سواه، ويؤمن اليوروبا بأن أولودوماري خلق العالم ثم ارتفع إلى السماء العليا، تاركًا تدبير التفاصيل اليومية للكون لمجموعة من الكائنات الوسيطة تُسمى "الأوريشا" [J. O. Awolalu, "Yoruba Beliefs and Sacrificial Rites", ١٩٧٩].
تتجلى ثنائية التنزيه والتشبيه في المعتقد اليوروبي من خلال الصفات التي تُنسب للإله أولودوماري، حيث يمكن تمييز مستويات متعددة من التعبير عن الذات الإلهية، فمن جهة، يُنزّه اليوروبا إلههم عن كل نقص ومحدودية، فيصفونه باللاتجسيم واللاتحدد والمتعالي عن كل مشابهة للمخلوقات، وهذا الجانب التنزيهي يمثل القاسم المشترك مع التصورات التوحيدية في الأديان الإبراهيمية، حيث التركيز على تجريد الذات الإلهية عن كل ما يختص بالمخلوقات.
ومن جهة أخرى، نجد في التراث اليوروبي مجموعة من الصفات التشبيهية التي تستخدم اللغة المجازية للتعبير عن كمالات الإله. فيُوصف أولودوماري بأنه "ذي العين الكبيرة" التي ترى كل شيء، و"ذي الأذن الواسعة" التي تسمع كل نداء، و "ذي اليد الطويلة" التي تصل إلى كل مكان. لكن المفسرين اليوروبا يؤكدون أن هذه الأوصاف لا تُفهم على حقيقتها التشبيهية، بل هي تعابير مجازية تهدف إلى تقريب الفهم للعقول البشرية المحدودة، التي تعجز عن إدراك حقيقة الذات الإلهية المجردة [E. B. Idowu, "Olodumare: God in Yoruba Belief", ١٩٦٢].
يشكل نظام "الأوريشا" (Orishas) الإطار التنظيمي للتدبير الكوني في المعتقد اليوروبي، حيث يمثلون كائنات إلهية وسيطة أوكل إليهم أولودوماري مهام إدارة جوانب محددة من الكون، ومن أشهر هذه الكائنات الوسيطة: أوباتالا المسؤول عن خلق الأجساد البشرية والنظام الأخلاقي، وشانغو إله الرعد والعدالة، وأوشون ربة الجمال والخصوبة، ويتموجا أم المياه والرحمة.
ويطرح هذا النظام التسلسلي إشكاليات فلسفية عميقة تتعلق بطبيعة العلاقة بين الإله الأعلى والكائنات الأدنى، ومدى استقلاليتها، وحدود صلاحياتها، فالبعض يرى في هذا النظام شكلًا من أشكال تعدد الآلهة، بينما يرى آخرون أنه يمثل تجليات متنوعة للقوة الإلهية الواحدة، وفي الحقيقة، يبقى النظام اليوروبي متماسكًا من الداخل، حيث تحتفظ الذات الإلهية العليا بالسيادة المطلقة والسلطة النهائية، بينما تمثل الأوريشا أدوات تنفيذية في تدبير الكون [N. S. Booth, "God and the Gods in West Africa", ١٩٧٧].
تقوم الرؤية الإسلامية للمعتقدات الدينية الأخرى على أسس منهجية واضحة، تجمع بين الاعتراف بالحقائق المشتركة وبيان الفروق الجوهرية في إطار من الموضوعية والإنصاف، وفي معرض مقارنة المعتقد اليوروبي بالعقيدة الإسلامية، يمكن تحديد جملة من النقاط المحورية.
يتفق التصور الإسلامي مع المعتقد اليوروبي في الجوانب التنزيهية الأساسية، فالإسلام يؤمن بإله واحد خالق للكون، منزّه عن النقائص والمحدوديات، متعال عن مشابهة المخلوقات، كما يقر الإسلام بصفات الكمال المطلق للذات الإلهية، ويرى في الخلق دليلًا على حكمة الخالق وعظمته. وهذه القواسم المشتركة تمثل أرضية للحوار والتفاهم بين الحضارات.
غير أن الإسلام يرى في المعتقد اليوروبي مخالفات عقدية جوهرية، أبرزها نظام الوسائط الإلهية الذي يتناقض مع مفهوم التوحيد الخالص في الإسلام، فالشريعة الإسلامية ترفض أي وساطة بين الخالق والمخلوق، وتؤكد على العلاقة المباشرة بين الله والإنسان.
كما يختلف الإسلام مع فكرة التفويض الجزئي للسلطة الإلهية، مؤكدًا على استمرارية القدرة الإلهية المباشرة في تدبير الكون، والأهم من ذلك كله، أن الإسلام يلتزم بضوابط صارمة في وصف الذات الإلهية، تمنع الخوض في التشبيه والتجسيم حتى في إطاره المجازي.
تُمثِّلُ دراسة المعتقد اليوروبي في الإله "أولودوماري" نموذجًا حيًا للتفكير الديني الإنساني خارج الإطار السامي التقليدي، حيث تجسّدت ثنائية التنزيه والتشبيه في صياغة لاهوتية متماسكة، وإن كانت هذه الرؤية تلتقي مع الإسلام في تنزيه الذات الإلهية عن النقائص والمحدوديات، إلا أنها تختلف جوهريًا في نظام الوسائط (الأوريشا) الذي يخالف التوحيد الخالص، تظل هذه الدراسة شاهدةً على تنوع التعبيرات الدينية الإنسانية، مع ضرورة الحفاظ على الوضوح العقدي الإسلامي في الحوار مع المعتقدات الأخرى، والتمسك بمبدأ "لا وساطة بين الخالق والمخلوق" الذي يميز العقيدة الإسلامية الصافية.
أسطورة الخلق في منظومة إيفا العرّافية لليوروبا ومضامينها الفلسفية وتفنيدها في ضوء الحقائق العلمية الثابتة والمبادئ العقدية الإسلامية.
تمثل ديانة اليوروبا نسقًا عقديًا معقدًا يمزج بين الاعتراف بخالق أسمى وبين ممارسات وثنية قائمة على الوساطة الروحية وتعدد الأرباب الصغرى؛
نتناول المظاهر التعبدية وطقوس تقديم القرابين في الديانة اليوروبية، مع تحليل أبعادها الوثنية وتقييمها في ميزان الشريعة الإسلامية.