Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الانتشار العالمي لديانة اليوروبا في الأمريكتين

الكاتب

هيئة التحرير

الانتشار العالمي لديانة اليوروبا في الأمريكتين

تتبع رحلة ديانة اليوروبا من أفريقيا إلى الأمريكتين، واكتشف أسرار السانتيريا والكاندومبليه، وحلل الموقف الإسلامي العقدي من ظواهر التمازج الديني وعولمة الوثنية.

السياقات التاريخية لهجرة المعتقد الأفريقي

انطلقت رحلة عولمة المعتقد اليوروبي من خلال تجارة العبيد عبر المحيط الأطلسي خلال القرون الثلاثة الماضية، حيث حمل الملايين من أبناء اليوروبا معتقداتهم وطقوسهم إلى العالم الجديد رغم ظروف القهر والاستعباد، وقد نجح هؤلاء في الحفاظ على تراثهم الديني عبر آليات التكيف والتمويه والتقاء، مكونين بذلك تقاليد دينية هجينة تجمع بين الأصل الأفريقي والمؤثرات المسيحية والأمريكية الأصلية [John Thornton, "Africa and Africans in the Making of the Atlantic World, ١٤٠٠-١٨٠٠", Cambridge University Press, ١٩٩٨, pp. ٢٣٥-٢٤٢].

يقدر الباحثون أن ما بين عشرة إلى خمسة عشر مليون أفريقي تم نقلهم قسرًا إلى الأمريكتين بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، وكان لليوروبا الحظ الأوفر في الحفاظ على تراثهم الديني بسبب تماسك بنيتهم الاجتماعية وقوة ذاكرتهم الجماعية، وقد استطاع العبيد اليوروبا تطوير أنظمة شفوية معقدة لنقل المعرفة الدينية عبر الأجيال في ظروف الاستعباد القاسية [Michael A. Gomez, "Exchanging Our Country Marks: The Transformation of African Identities in the Colonial and Antebellum South", University of North Carolina Press, ١٩٩٨, pp. ١١٢-١١٨].

السانتيريا الكوبية وتمازج اليوروبا مع الكاثوليكية

تطورت السانتيريا في كوبا خلال القرن التاسع عشر كنتاج للتفاعل بين معتقدات اليوروبا والدين الكاثوليكي الذي فرضه المستعمرون الإسبان، ويعني مصطلح "سانتيريا" حرفيًا:  "طريق القديسين"، حيث قام العبيد اليوروبا بتمويه معتقداتهم عبر ربط كل أوريشا بشخصية قديس كاثوليكي، مما سمح لهم بممارسة دينهم الأصلي تحت غطاء المسيحية [Migene González-Wippler, "Santería: The Religion", Harmony Books, ١٩٨٩, pp. ٤٥-٥٢].

فقد ارتبط الإله شانغو بالقديسة باربرا، وأوشون بالعذراء دي لاس ميرسيدس، وأوباتالا بيسوع المسيح، هذا التمازج أنتج نظامًا دينيًا فريدًا يحتفظ بالبنية الأساسية لديانة اليوروبا لكن بأغطية مسيحية ، وتقدر الدراسات الأنثروبولوجية أن أتباع السانتيريا في كوبا اليوم يتراوحون بين سبعين إلى مئة ألف شخص، مع انتشار ملحوظ في مجتمعات الشتات الكوبي في ميامي ونيويورك [Joseph M. Murphy, "Santería: African Spirits in America", Beacon Press, ١٩٩٣, pp. ٧٨-٨٤].

الكاندومبليه البرازيلية وبقاء الأصل الأفريقي

أما الكاندومبليه في البرازيل فقد حافظت على نقاء أكبر من حيث المحتوى الأفريقي، حيث تطورت في ولاية باهيا التي كانت مركزًا رئيسيًا لتجارة العبيد، ويقدرعدد ممارسي الكاندومبليه اليوم بأكثر من مليوني شخص، مع اعتراف رسمي بها كدين في البرازيل منذ السبعينيات [Roger Bastide, "The African Religions of Brazil: Toward a Sociology of the Interpenetration of Civilizations", Johns Hopkins University Press, ١٩٧٨, pp. ١٥٦-١٦٣].

يتميز الكاندومبليه باحتفاظه بالأسماء الأصلية للأوريشا وعدم اندماجه الكامل مع الرموز الكاثوليكية، وقد طور نظامًا معقدًا من "تيريروس" (بيوت العبادة) و"باي أو بائي" (كهنوت) يحافظ على التقاليد الطقسية الأصلية، وشهدت السنوات الأخيرة نموًا ملحوظًا في أعداد المتابعين من الطبقات الوسطى والمتعلمين في البرازيل، مما يعكس تحولًا في النظرة الاجتماعية لهذا المعتقد [Rachel E. Harding, "A Refuge in Thunder: Candomblé and Alternative Spaces of Blackness", Indiana University Press, ٢٠٠٠, pp. ٨٩-٩٦].

التحديات العقدية في عمليات التمازج والتحول

أفرزت عمليات التمازج الديني تحديات عقدية عميقة ، أبرزها : إشكالية "التوفيقية" التي تخلط بين التوحيد والتعدد، وبين الإسلام أو المسيحية والوثنية ، فقد أدت عمليات التمازج إلى تشويه المفاهيم الأصلية لديانة اليوروبا من جهة ، وإلى خلق أنظمة عقائدية متناقضة من جهة أخرى [Leslie G. Desmangles, "The Faces of the Gods: Vodou and Roman Catholicism in Haiti", University of North Carolina Press, ١٩٩٢, pp. ١١٢-١١٩].

كما أثارت ظاهرة عولمة المعتقد الأفريقي إشكالات متعلقة بالأصالة والانتحال الثقافي، حيث تحولت بعض الممارسات إلى سلع استهلاكية في السوق الدينية العالمية، وهذا يطرح تساؤلات حول حدود التكيف والمحافظة في عمليات الانتشار الديني العابر للقارات [Paul Christopher Johnson, "Diaspora Conversions: Black Carib Religion and the Recovery of Africa", University of California Press, ٢٠٠٧, pp. ٦٧-٧٤].

الموقف الإسلامي من ظاهرة عولمة المعتقدات الوثنية

يقدم الإسلام رؤية واضحة تجاه ظاهرة عولمة المعتقدات الوثنية، تقوم على مبدأين متكاملين: الاعتراف بحرية الاعتقاد، وبيان مخالفاتها للتوحيد. فمن ناحية، يقر الإسلام بحق الناس في اختيار معتقداتهم ، كما في قوله تعالى: ﴿لَاۤ إِكۡرَاهَ فِی ٱلدِّینِۖ قَد تَّبَیَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَیِّۚ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ،  لكن من ناحية أخرى يلتزم الإسلام ببيان الحق وتمييزه عن الباطل.

تتعارض المعتقدات المشتقة من ديانة اليوروبا مع الإسلام في نقطة جوهرية هي الشرك في العبادة، حيث تتوجه العبادة إلى كائنات متعددة (الأوريشا) بدلًا من التوجه إلى الله الواحد ، يقول تعالى:  ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَغۡفِرُ أَن یُشۡرَكَ بِهِۦ ﴾ [النساء: ٤٨] ، وهذا المبدأ ينسحب على كل أشكال العبادة غير الخالصة لله ، سواء كانت في إفريقيا أو في الأمريكتين.

كما يرفض الإسلام الفلسفة النفعية الكامنة وراء عبادة الأوريشا، والتي تقوم على مبدأ المقايضة والاسترضاء، مقابل إعلاء مبدأ العبادة الخالصة لله طاعة لأمره لا طمعًا في عطائه ، وهذا الفارق الجوهري يجعل الإسلام في موقع النقد والتصحيح لهذه المعتقدات، مع الاحترام الكامل لحقوق المعتقدين بها.

الخلاصة

تمثل ظاهرة عولمة المعتقد اليوروبي نموذجًا مثيرًا لانتشار الأديان عبر القارات وتحولاتها في سياقات جديدة، حيث استطاعت ديانة ولدت في غابات إفريقيا أن تجد موطئ قدم في الأمريكتين عبر آليات التكيف والتمويه والمقاومة الثقافية ، ورغم نجاحها في البقاء والتكاثر، إلا أنها واجهت تحولات عميقة أثرت على نقائها العقدي وأصولها الفلسفية، ويظل الموقف الإسلامي منها قائمًا على التمييز بين الحق والباطل، والجمع بين الاعتراف بحرية الاعتقاد وبيان مخالفاتها لمبادئ التوحيد الخالص، فالعولمة الدينية تزيد من أهمية الحوار العقدي الواعي، الذي يجمع بين فهم التحولات الثقافية والثبات على المبادئ العقدية الراسخة.

موضوعات ذات صلة

تتناول الدراسة التاريخ الديني لتفاعل شعب اليوروبا مع الإسلام والمسيحية.

نظام الأوريشا هو كائنات وسيطة بين الإله الأسمى والبشر في الديانة اليوروبية، مع بيان موقف الإسلام الرافض لمبدأ الوساطة.

تمثل ديانة اليوروبا نسقًا عقديًا معقدًا يمزج بين الاعتراف بخالق أسمى وبين ممارسات وثنية قائمة على الوساطة الروحية وتعدد الأرباب الصغرى.

موضوعات مختارة